عبر وداع حضوري وإسفيري السودانيون يشيعون وينعون المفكر دكتور حيدر إبراهيم علي

تقرير: (ديسمبر)

 

 

غيب الموت عصر يوم الجمعة 25 سبتمبر المنصرم بالعاصمة المصرية القاهرة مؤسس مركز الدراسات السودانية والمفكر البارز دكتور حيدر إبراهيم علي، حيث أغمض عينيه للمرة الأخيرة وانتقل لجوار ربه راضياً مرضياً مخلِّفاً إرثاً كبيراً من المعرفة والفكر المستنير الداعم للحكم المدني الديمقراطي والمعري للإسلام السياسي.

قدم دكتور حيدر إبراهيم علي إسهامات مهمة في الشأن العام السوداني خاصة إبان تسعينيات القرن الماضي من خلال إنشاء وإدارة مركز الدراسات السودانية الذي رفد الساحة السودانية بنفائس من الإنتاج المعرفي والفكري والترجمات لأمهات الكتب المرتبطة بالشأن السوداني التي خطها مفكرون أوروبيون، بجانب إعادة طباعة وإنتاج دراسات مهمة تناولت العديد من المواضيع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتوثيقية المرتبطة بالسودان، وتنظيم العديد من الندوات والفعاليات التي تناولت قضايا سياسية وفكرية.

 

تشييع وعزاء بالقاهرة

 

نظم تشييع الفقيد نهار يوم الأحد الماضي بالعاصمة المصرية القاهرة بعد وصول عدد من أفراد أسرته إليها، وتمت صلاة الجنازة على جثمان الفقيد بمسجد حسن الشربتلي بالتجمع الخامس ووري جثمانه الثرى بمقابر ببليس. وشهد مساء يوم الاثنين إقامة العزاء على الفقيد الراحل بمسجد الحامدية الشاذلية بمنطقة المهندسين بالقاهرة.

 

فقد للعقل المستنير

 

أصدر عدد من الأحزاب بيانات نعت فيها الفقيد الراحل وتقدمت من خلالها بالتعازي لأسرته وتلاميذه وأصدقائه وكل معارفه ولقاطبة الشعب السوداني بالتعازي في هذا الفقد الجلل.

وصف التجمع الاتحادي، في البيان الذي أصدره، الفقيد بأنه “أبرز المفكرين الذين ساهموا في إثراء الساحة الفكرية السودانية والعربية عبر مؤلفاته وأبحاثه التحليلية، وبقي طيلة مشواره منبراً فاعلاً في الحوار حول الديمقراطية والدولة والمجتمع، ومراقباً حصيفاً لمسارات التطور السياسي والفكري في بلاده”.

أما المركز العام للحزب الشيوعي السوداني فأوضح أن الراحل ترك وراءه إرثاً فكرياً وسياسياً وثقافياً “سيظل محفوظاً في ذاكر الشعب والوطن”، مشيراً لإسهاماته الواسعة في مجالات الفكر السياسي والاجتماعي والثقافة، كما عُرف بكتاباته ومواقفه النقدية وانشغاله بقضايا الديمقراطية والدولة والمجتمع والتحولات السياسية في السودان، بجانب دفاعه الشرس عن الديمقراطية والدولة المدنية ومعارضة النظام البائد ومشروعه السياسي والفكري.

واعتبر البيان الصادر عن دائرة الإعلام بحزب التحالف الوطني السوداني الرحل “أحد أبرز القامات الفكرية السودانية، وصوتاً مميزاً في ساحات الفكر والثقافة والسياسة، وأسهم عبر كتاباته ودراساته ومواقفه النقدية في إثراء الحوار حول قضايا الديمقراطية والدولة والمجتمع والتحول السياسي في السودان”، مشيراً إلى أن دكتور حيدر إبراهيم ظل “وفياً للعقل النقدي، مدافعاً عن قيم الحرية والديمقراطية، ومنشغلاً بأسئلة بناء الدولة والمجتمع ومستقبل السودان، وسيبقى إنتاجه الفكري والكتابي جزءاً أصيلاً من الذاكرة الفكرية السودانية، وإرثاً للأجيال القادمة”، ورأى في رحيله “فقداً كبيراً للسودان وللحياة الفكرية والثقافية فيه، في وقت كانت البلاد أحوج ما تكون فيه إلى أصوات المعرفة والعقل والنقد المستنير”.

 

صاحب مشعل التنوير

 

أشار البيان الصادر عن التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة “صمود” إلى الإسهام البارز للفقيد ولدوره الكبير بالمشروع التنويري المدني الديمقراطي ومقاومة الشمولية والدكتاتورية؛ وتسخيره لقلمه وعلمه وسني عمره من أجل هذا المشروع، متحملاً بكل صبر وثبات تبعات هذه القناعات في السجون والمنافي، مؤمناً أن شعب السوداني ستنتصر إرادته على الطغاة حتى تتحقق تطلعاته المشروعة في الحكم المدني الديمقراطي المستدام، وإيقاده لمشاعل التنوير عبر تأسيس مركز الدراسات السودانية الذي أسهم في إثراء وتطوير وتعزيز رؤى القوى المدنية الديمقراطية والتنبيه والتعريف بمخاطر الإسلام السياسي المدرسي على السودان وشعبه.

ونوهت (صمود) لبقاء الإرث الفكري والمعرفي الذي تركه خلفه رغم رحيل الجسد، مؤكداً أنه “سيبقى حاضراً وشاهداً على سيرة وعطاء مفكر قدم لشعبه ووطنه علماً نافعاً ستحفظه الأجيال القادمة وتنتفع به في بناء السودان الذي ظل الراحل يحلم به”.

من جانبه وصف تحالف التغيير الجذري الراحل بأنه واحد من أبرز الأصوات الفكرية السودانية التي انشغلت بقضايا الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية والدولة المدنية، وأنه كرّس جانباً كبيراً من مشروعه الفكري لنقد الاستبداد والدفاع عن قيم التنوير والعقلانية وحقوق الإنسان.

وأشار لإسهامه خلال مسيرته الطويلة في إثراء المكتبة السودانية والعربية بالعديد من الدراسات والكتب والمقالات التي تناولت قضايا السياسة والمجتمع والثقافة والفكر، وظل منفتحاً على الأسئلة الكبرى التي تواجه السودان، وفي مقدمتها علاقة الدولة بالمجتمع، وأزمة الديمقراطية، ودور المثقف، وقضايا التغيير الاجتماعي والسياسي.

ونوه في ذات الوقت لإسهام ودور مركز الدراسات السودانية الذي قام الراحل بتأسيسه وإدارته في إتاحة مساحة مهمة للبحث والحوار والنشر، وأسهم في توفير منبر للباحثين والمثقفين والكتاب لمناقشة قضايا السودان بعيداً عن هيمنة السلطة وإملاءاتها، حيث ظل المركز على مدى سنوات أحد المنابر البارزة في الحياة الفكرية والثقافية السودانية.

واعتبر البيان أن رحيل د.حيدر إبراهيم علي أفقد السودان “مثقفاً كبيراً، وباحثاً ومفكراً ظل حاضراً في النقاش العام، ومؤمناً بأن المعرفة والثقافة والنقد الفكري أدوات أساسية لبناء مجتمع أكثر حرية وعدالة وديمقراطية”، مؤكداً على بقاء مساهماته الفكرية والثقافية جزءاً من ذاكرة السودان، واستمرار مشروعه في التنوير والنقد والدفاع عن الديمقراطية والحرية حاضراً في وجدان الأجيال.

 

سيبقي فكره نوراً

 

قالت نقابة الصحفيين السودانيين في بيانها إن الراحل يعد “أبرز عقول السودان الوضاءة المتقدة، أفنى عمره في خدمة هذا البلد، محللاً وناقداً ومفكراً منشغلاً بقضايا الحرية والديمقراطية والمجتمع المدني. تخصص في علم الاجتماع الديني والفلسفة، وكان له إسهام كبير في مشروع التنوير السوداني”، وأشارت لتأسيسه لمركز الدراسات السودانية الذي ظل منارة للبحث العلمي والتفكير النقدي، بجانب رئاسته لمجلة “كتابات سودانية” والكتابة في الصحف.

واستعرض البيان عدداً من المؤلفات التي قام بتأليفها وأبرزها “أزمنة الريح، سقوط المشروع الحضاري، أزمة الإسلام السياسي: الجبهة القومية في السودان نموذجاً، الأمنوقراطية وتجدد الاستبداد في السودان، ومراجعات الإسلاميين السودانيين: كسب السلطة وخسارة الدين”، وبجانب اشتغاله بجهد نقدي عميق للإسلام السياسي فقد ظل مهموماً بقضايا الديمقراطية والمجتمع المدني مدافعاً عن الحرية وحقوق الإنسان، ووصفته بانه “عقل متقد، لا يهادن في قول الحق، ولا يساوم على مبادئه”، معتبرة رحيله “فقد للبلاد لأحد رجالها المخلصين وأحد عقولها النيرة التي أنارت دروب المعرفة والتنوير”.

وعدت نقابة الصحفيين السودانيين وفاته بأنها تمثل “خسارة فادحة للسودان والسودانيين، ولكل المؤمنين بالديمقراطية والعاملين في المجتمع المدني. برحيله انطفأ مصباح وأظلمت حياة.. لكنّ عزاءنا أن فكره سيبقى نوراً يضيء دروب الأجيال القادمة”.

 

حاضر بيننا وبعدنا

 

نشر رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي بتحالف (صمود) المهندس عمر الدقير نعياً للراحل الذي انتقل لجوار ربه “بعد حياة مشاها في دروب البحث والفكر والكتابة”، ووصف الراحل منشور على صفحاته بمنصات مواقع التواصل الاجتماعي بأنه كان “صوتاً نقدياً شجاعاً، ساءل الأفكار السائدة وجابه الاستبداد، وجعل من كتبه ومقالاته ومركز الدراسات السودانية الذي أسسه فضاءً للمعرفة والحوار حول قضايا السودان”.

وأشار لصداقة الراحل لحزب المؤتمر السوداني وكتابته الراتبة في صحيفته (أخبار الوطن)، وتطرق للقاءات جمعته معه حول أزمات الوطن المتراكمة وسبل الخروج منها، وأكد أنه رغم الغياب الجسدي فإن الراحل سيبقى بيننا وبعدنا “بإرثه المعرفي وانحيازه لقضايا شعبه؛ وسيُذكر كلما جرى الحديث عن الفكر والثقافة وحركة التنوير في السودان”.

 

قائد المقاومة الفكرية

 

استهل نائب رئيس حزب المؤتمر السوداني والقيادي بتحالف (صمود) المهندس خالد عمر يوسف البوست المنشور في صفحاته بمنصات مواقع التواصل الاجتماعي قائلاً: “برحيل د.حيدر إبراهيم، انهدّ ركن ركين من أوتاد البلاد التي تناقصت، في وقت تحيط بها الزعازع من كل حدب وصوب”.

وأشار لمعرفته بالراحل عن بعد ضمن الذين عاشوا عقود السودان الظلامية عقب انقلاب 30 يونيو 1989م في أولى عتبات دراسته الجامعية حينما وقعت كتابات دكتور حيدر ابراهيم وعلى رأسها «أزمة الإسلام السياسي – الجبهة الإسلامية القومية نموذجاً»، و«التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية»، و«لاهوت التحرير» والتي مثلت منارات منحتهم فهماً أوسع لما يجري من حولهم وذخيرة فكرية حصنتهم من ثقل وطأة التجربة التي كانوا يمرون بها جراء النظام الاستبدادي المتسلط.

وتطرق يوسف لدور ومواقف دكتور حيدر إبراهيم علي وقتها حينما تولى قيادة المقاومة الفكرية لنظام الإنقاذ من منفاه بالقاهرة والتي أدار منها مركز الدراسات السودانية الذي كان شعلة ثقافية متقدة تطبع الكتب وتعقد المؤتمرات وتصدر الدوريات، مبيناً أن إصدارات المركز “كانت وقتها محظورة من دخول السودان” ولذلك كان يتم تداولها خلسة كأنها ممنوعات، فالعثور عليها بمعية أي من الأشخاص كانت بمثابة جرم كفيل بالإلقاء في غياهب معتقلات نظام الجبهة الإسلامية لردح من الزمان.

وأشار لتجربة دكتور حيدر إبراهيم بافتتاح مركز الدراسات السودانية بالخرطوم بعد التوقيع على اتفاق مشاكوس في يوليو 2002م وتوظيف الانفتاح النسبي المحدود بالخرطوم، وتحويل مقره الصغير لشعلة متقدة للمعرفة والاستنارة بالمنتديات والفعاليات الثقافية والفكرية والمكتبة العامة للقراءة المجانية التي أتاحت ووفرت علماً من المعارف الغزيرة دون مقابل.

وأورد واقعة جرت في العام 2003م بعد فوز قائمة تحالف القوى الوطنية باتحاد طلاب جامعة الخرطوم بعد استعادته عقب سنوات من التجميد وتحقيقها انتصاراً تاريخياً على قائمة طلاب حزب المؤتمر الوطني المحلول وحلفائه، حينما توجه إليه وفد من عضوية اتحاد الجامعة –وكان خالد عمر يومها ضمن العضوية المنتخبة لمجلس الاتحاد ثم اللجنة التنفيذية- وطلبوا من الراحل أن يساعدهم في إنهاء الظلام المعرفي الذي أطبق على الجامعة منذ انقلاب يونيو 1989م، فما كان منه طبقاً لما ورد بهذا المنشور “إلا أن رفع هاتفه وأجرى اتصالات بنخبة من المفكرين العرب أمثال علي حرب والطيب تيزيني، مشجعاً إياهم على الحضور إلى الخرطوم لإقامة ندوات في الجامعة”، ووصف تلك اللحظة بالقول: “كانت عيناه تشعان فرحاً بهذه المساحة التي أتيحت لنشر المعرفة”، مبيناً أنه أبلغهم بتكفله بغالب المتطلبات التي تكفلت مؤسسة “طيبة برس” وصاحبها الأستاذ الصحفي محمد لطيف بمتبقي تكلفة تلك الفعاليات.

وأشار خالد عمر لاستمرار معرفته بعدها بالراحل دكتور حيدر إبراهيم كفاحاً وحوارات مطولة في الخرطوم وخارجها، وأضاف: “كلما التقيته كنت كالمتبتل في محراب علمه. فقد كان حيدر شعلة معرفية لا تهدأ، مهموماً برفاه وطنه وشعبه، لا يتوقف عن التفكير وابتدار الجديد المفيد في أحلك الأوقات وأفضلها. لم أره يوماً محبطاً أو فاتر الهمة، بل كان دوماً مبتسماً ومتطلعاً إلى غد أفضل”، مبيناً أنه خلال سنوات مقاومة الإنقاذ “كان نموذجاً للمناضل الصلب المستقيم”، أما خلال الفترة الانتقالية فقد عمل عن قرب معه “وكان منارة تكشف تحديات الحاضر وفرص المستقبل. والتقينا في محطات عديدة عقب الحرب، ورغم تمكّن المرض من جسده، فإن عقله وفكره ظلا كما هما؛ خلية تشتعل حيوية دون كلل أو ملل”.

وسرد وقائع آخر لقاء جمعه بالفقيد بمنزله بالمعادي بالقاهرة وخشيته أن تكون تلك المرة الأخيرة التي يراه فيها، ولذلك فقد حرص خلال ذلك اللقاء أن يجلس بالقرب منه ويستمع إليه، وقال: “وأشكر الله أن قيّض لنا أن نعيش زماناً عاش فيه د.حيدر إبراهيم”، واختتم البوست المنشور: “في أمان الله يا د.حيدر.. ظلّلك الله برحمته الواسعة بقدر ما أعطيت لبلادك وشعبك.. ولا حول ولا قوة إلا بالله. إنا لله وإنا إليه راجعون”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *