(ديسمبر) تحاور المنسق العام للشبكة الشبابية لمناهضة خطاب الكراهية
كمبالا: (ديسمبر)
في ظل استمرار الحرب في السودان منذ أبريل 2023، تصاعدت حدة الاستقطاب المجتمعي والسياسي، وبرز خطاب الكراهية بصورة أكبر على المنصات الرقمية وفي النقاشات العامة، مستنداً إلى الانتماءات العرقية والجهوية والقبلية والسياسية. وفي مواجهة هذا الواقع، تأسست الشبكة الشبابية لمناهضة خطاب الكراهية، بهدف التوعية والرصد والتوثيق والمساهمة في بناء خطاب بديل يقوم على التسامح والسلام والاعتراف بالتنوع.
في هذا الحوار، يتحدث صهيب سلمان، المنسق العام للشبكة الشبابية لمناهضة خطاب الكراهية، عن دوافع تأسيس الشبكة، وتأثير الحرب على الانقسامات الاجتماعية، ودور وسائل التواصل الاجتماعي في انتشار الخطاب المتطرف، إضافة إلى آليات الرصد والتوثيق، وحدود العلاقة بين مكافحة خطاب الكراهية وحرية التعبير، وما تسعى الشبكة إلى تحقيقه خلال عامها الأول.
تأسيس الشبكة في ظل الحرب
(ديسمبر): لماذا تأسست الشبكة الآن؟ وما الذي دفعكم للتحرك في هذا التوقيت؟
تأسست الشبكة الشبابية لمناهضة خطاب الكراهية كضرورة موضوعية للحد من انتشار هذا الخطاب. وانطلقت المبادرة من مقر المركز السوداني للإعلام الديمقراطي، الذي ساهم معنا في الأفكار والتأسيس، باعتبار أن الشبكة تأتي ضمن أنشطة المركز في مجال التثقيف المدني.
ومن الدوافع القوية التي شجعتنا على التحرك استمرار الحرب وانسداد الأفق بسبب المرارات التي خلفتها، وما أحدثته من ندوب في جسد الشعب السوداني. حرب أبريل المشؤومة عمّقت الجراح بين المكونات السودانية وزادت حدة الانقسامات، ولذلك تنادينا لمواجهة تفشي خطاب الكراهية، خصوصاً مع دخول عوامل جديدة مثل وسائل التواصل الاجتماعي وسرعة تدفق المعلومات وتمدد الخطابات المتطرفة.
المقصود بخطاب الكراهية في السودان
(ديسمبر): كيف تعرّفون خطاب الكراهية في السياق السوداني؟
بشكل مبسط، خطاب الكراهية هو تعبير يهاجِم أو يحطّ من كرامة أشخاص أو جماعة بسبب صفة أو هوية معينة، مثل العرق أو الإثنية أو الدين أو الجنسية وغيرها، وقد يتضمن تحريضاً أو تشجيعاً على التمييز أو العداء أو العنف.
لكن هذا التوصيف العلمي والأكاديمي قد يتفاوت وفقاً للفروقات الثقافية وسياقات اللغة المحلية. وليس كل كلام مسيء أو جارح أو صادم يُعتبر بالضرورة خطاب كراهية، لأن الزمان والمكان والسياق عناصر مهمة في تحديد طبيعة اللفظ والخطاب.
جذور تاريخية فاقمتها الحرب
(ديسمبر): إلى أي مدى أسهمت الحرب في تصاعد خطاب الكراهية والانقسام المجتمعي؟
الحرب الحالية تعتبر أحد تجليات هذا الخطاب القبيح، لكنها ليست بدايته. فالمجتمع السوداني منقسم تاريخياً، وهناك جذور لخطاب الكراهية تعود إلى رواسب مؤسسة الرق في القرنين السابقين، وما نتج عنها من تهميش للمناطق الطرفية وحرمانها من التنمية المتوازنة.
أدى ذلك إلى هجرة أعداد من سكان الأطراف بحثاً عن الأمان نحو المركز، وبدأت مرحلة جديدة من الصراع على السلطة. ومع كل مرحلة تاريخية كان الخطاب يتجدد، وظهرت أوصاف مثل: «مرتزقة»، و«تشاديون»، و«إريتريين»، و«أحباش»، و«حلب»، و«جلابة»، و«غرابة». كل هذه التعبيرات ساهمت في انقسام المجتمع، بل وتمزيقه، وحدّت من إمكانية بناء هوية وطنية جامعة.
خطاب الكراهية كسلاح في الحرب
(ديسمبر): هل أصبح خطاب الكراهية أداة من أدوات الحرب والتعبئة ضد الآخر؟
نعم. كل طرف في الحرب أسس سردية خاصة به لجمع أكبر عدد من الأنصار، وبالتالي تحول خطاب الكراهية الناتج عن الحرب إلى مادة تشكل عصبية عمياء وصلت إلى مستويات خطيرة.
وظهرت في الحرب مصطلحات جديدة مثل «الجغم» و«البل»، وتم توظيف فنانين وموسيقيين ودراميين ومنشئي محتوى رقمي متطرفين في نشر هذه الخطابات، إلى جانب بعض الأغنيات والخطابات التي تمجِّد العنف والسلاح.
المشكلة أن السلاح لا يحسم سوى حياة الإنسان، بينما المطلوب هو بناء خطاب جديد يقوم على التسامح وتضميد جراح الشعب السوداني. كا ساهم مضعف الوعي الجمعي بصورة كبيرة في انتشار خطاب العنف والكراهية، ولذلك أصبح من الضروري تبني نهج جديد، وهذا هو أحد واجبات الشبكة الشبابية لمناهضة خطاب الكراهية.
من التوعية إلى الرصد والتوثيق
(ديسمبر): كيف ستواجه الشبكة خطاب الكراهية عملياً، وليس عبر التوعية فقط؟
في الظرف الحالي لا توجد لدى الشبكة آليات لإنفاذ القانون لمواجهة الخطاب بالقانون، خصوصاً في ظل غياب المؤسسات القادرة على القيام بهذا الدور. لذلك يتركز دورنا حالياً في التثقيف والتوعية والرصد والتوثيق والاستفادة من تجارب الأمم الأخرى.
هل لديكم آلية لرصد وتوثيق خطاب الكراهية المنتشر في السودان والمنصات الرقمية؟
نعم. لدينا شباب يمتلكون قدرات معرفية وتقنية، ونعمل على توثيق ورصد وتحليل الخطابات المنتشرة إسفيرياً. نرصد ما ينشر عبر منصات التواصل الاجتماعي، وكذلك الندوات المباشرة والإسفيرية، ونعمل على إنتاج محتوى بصري يُنشر بصورة دورية عبر صفحات الشبكة الشبابية.
حرية التعبير في مواجهة خطاب الكراهية
(ديسمبر): أين تقفون بين مكافحة خطاب الكراهية وحماية حرية التعبير؟
الفرق الأساسي هو أن مكافحة خطاب الكراهية تهدف إلى منع التحريض والتمييز والضرر ضد الأشخاص أو الجماعات، بينما حماية حرية التعبير تهدف إلى ضمان حق الناس في إبداء آرائهم، بما فيها الآراء الصادمة أو الناقدة للسلطة.
والاثنان ليسا متعارضين بالضرورة، بل يمكن أن يعملا معاً. المطلوب هو حماية الحق في التعبير، وفي الوقت نفسه مواجهة الخطابات التي تتحول إلى تحريض على التمييز أو العداء والعنف.
دور الإعلاميين والشباب
(ديسمبر): ما الدور الذي سيلعبه الإعلاميون وصناع المحتوى الشباب في عمل الشبكة؟
الهدف الأساسي هو تنسيق جهود الإعلاميين والنشطاء المدنيين ومنتجي المحتوى لصناعة خطاب يعمل على الحد من انتشار خطاب الكراهية، من خلال التثقيف المدني الذي يؤثر بشكل مباشر على مراكز صناعة القرار في الدولة والمجتمع.
وعلى صعيد المجتمع، يتمثل الهدف في بناء المستقبل على أساس التصالح والتعافي، وعلى صعيد الدولة نعمل من أجل إصلاح المنظومة العدلية وإنصاف الضحايا وجبر الضرر.
وكيف ستواجهون خطاب الكراهية القائم على العرق والجهة والقبيلة والنوع الاجتماعي؟
السؤال كبير ومتشعب، لكن المواجهة تتم عبر مسارين أساسيين: التوعية والتمدن. هناك حاجة إلى إصلاح مؤسسي في دولاب الدولة، بالتوازي مع إصلاح ثقافي يقوم على الاعتراف بالتنوع والحقوق. ومن خلال هذين المسارين نستطيع، بالصبر والمثابرة، تجاوز التخريب المتراكم الذي ظهر بشكل أكثر حدة مع حرب 15 أبريل.
الشباب بين المسؤولية والضحية
(ديسمبر): ماذا ستفعلون تجاه الشباب الذين يساهمون في نشر خطاب الكراهية دون إدراك لخطورة ما ينشرونه؟
هؤلاء الشباب ضحايا لثورة المعلومات وأدواتها في جانب من الجوانب. لقد ورثوا من المجتمع خطاب كراهية متراكماً غذته الحروب والمظالم التاريخية، ومع ضعف الوعي الجمعي نشر بعضهم هذه الخطابات دون إدراك للمخاطر التي يمكن أن تترتب عليها وعلى مستقبلهم.
من جانبنا، نعمل على تصميم حوار شامل مع هذا الجيل، ونحاول المساهمة في الإصلاح بقدر الإمكان. نحن بحاجة إلى تغيير ما يمكن وصفه بـ«السوفت وير» الخاص بالجيل الجديد، من خلال المعرفة والحوار والتثقيف.
الاستقلالية في زمن الاستقطاب
(ديسمبر): كيف ستضمنون استقلالية الشبكة وحيادها في ظل الاستقطاب السياسي والعسكري في السودان؟
الضمان الحقيقي الذي نعمل عليه هو رهاننا على وعي الضرورة التاريخية. نحن أمام تحدٍ واضح، وهو أن الحرب يجب أن تتوقف، لأنها وقود لخطاب الكراهية وعدم التسامح.
لذلك نحن لا نخاف من الاستقطاب أياً كان اتجاهه. انطلقنا من مركز إعلامي حر يعبر عن المصلحة العامة للشعب السوداني، وضمن هذا السياق لن نحيد أو ننحرف عن أهدافنا ومسارنا المرسوم.
شراكة مع المركز السوداني للإعلام الديمقراطي
(ديسمبر): ما الذي قدمته الشراكة مع المركز السوداني للإعلام الديمقراطي للشبكة على أرض الواقع؟
قدم لنا المركز الوضع القانوني الذي نعمل من خلال مظلته، كما وفر التدريب والتأهيل والمكان الذي نمارس منه نشاطنا باستقلالية ودون تدخل في عملنا.
كذلك مدّنا بالأفكار والمهارات اللازمة لإنتاج الخطاب التثقيفي وبناء منظومة العمل والاستراتيجيات. هذا بإيجاز ما قدمته لنا الشراكة.
ماذا تريد الشبكة في عامها الأول؟
(ديسمبر): كيف ستقيسون نجاح الشبكة؟ وما الذي تريدون تحقيقه خلال عامها الأول؟
الشبكة الشبابية لمناهضة خطاب الكراهية مؤسسة حديثة الإنشاء، ولذلك فإن هدفنا خلال العام الأول، بعد اكتمال مرحلة التأسيس والبناء، هو الوصول إلى نحو 30% من الفاعلين في العمل العام، بدءاً من التيارات المدنية ووصولاً إلى نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي.
نريد أن نوسع دائرة الوعي وأن تصبح مواجهة خطاب الكراهية مسؤولية مشتركة، لا مهمة مجموعة محدودة من الناشطين.
السلام بوابة مواجهة الكراهية
(ديسمبر): هل يمكن لمواجهة خطاب الكراهية أن تكون مدخلاً حقيقياً للسلام في السودان؟ وكيف؟
بالطبع. مناخ السلام هو الحقل الحقيقي لنشاط الشبكة. ومن ضمن أهدافنا تعزيز ثقافة السلام والتسامح، وأي نتيجة تقود إلى الاستقرار ستنعكس إيجاباً على عملنا.
في ظل السلام نستطيع تنظيم الندوات الجماهيرية والمعارض الفكرية والزيارات الميدانية، وفتح حوارات مباشرة بين المستهدفين. كما يمكننا التواصل مع مؤسسات الحكم المدني الديمقراطي والتأثير في نصوص القوانين والتعديلات الإيجابية لصالح السواد الأعظم من الشعب السوداني.
في النهاية، لا يمكن بناء سلام مستدام في السودان من دون معالجة الخطابات التي تغذي الكراهية والانقسام. ومواجهة هذه الخطابات لا تعني إسكات الناس أو مصادرة آرائهم، وإنما فتح الطريق أمام تعبير مسؤول يحترم التنوع والكرامة الإنسانية، ويجعل من الشباب جزءاً من الحل بدلاً من أن يكونوا وقوداً لصراعات جديدة.