بقلم: صفاء الزين
قبل أن أصل إلى رواندا، كنت أعرف أن عام 1994م يحمل في تاريخها واحدة من أقسى المآسي الإنسانية في القارة الأفريقية، وأن الإبادة الجماعية حصدت أرواح مئات الآلاف خلال نحو مئة يوم، وأن رواندا أصبحت لاحقًا محورًا مهمًا في النقاشات المتعلقة بالعدالة والمصالحة وإعادة بناء الدولة بعد الكوارث الكبرى.
لكن الوقوف في كيغالي جعل السؤال مختلفًا؛ لم يعد الأمر متعلقًا بمعرفة ما حدث بقدر ما أصبح بحثًا في الطريق الذي قاد إلى تلك اللحظة: كيف يصل مجتمع إلى مرحلة يصبح فيها قتل الإنسان على أساس هويته ممكنًا؟ وكيف تتحول الخلافات السياسية والاجتماعية إلى مشروع منظم للعنف الجماعي؟.
كان هذا السؤال مدخلي إلى التاريخ الرواندي، لأن فهم الإبادة يقتضي العودة إلى الظروف التي سبقتها، والطريقة التي تشكلت بها الهويات، وعلاقة السلطة بالمجتمع، والدور الذي لعبته السياسة في تحويل الاختلاف إلى أداة للصراع.
من الاختلاف الاجتماعي إلى التصنيف السياسي
يتكون المجتمع الرواندي تاريخيًا من الهوتو والتوتسي والتوا، ولكل من هذه المجموعات موقعها في التاريخ الاجتماعي للبلاد. وقد شهدت العلاقات بينها تحولات متعددة، تأثرت بالبنية الاجتماعية والسلطة والصراع على الحكم. ومن المهم الحذر من التعامل مع هذه الهويات كجماعات متعارضة بطبيعتها، أو تصور الإبادة كحصيلة حتمية لاختلافات قديمة.
كان للاستعمار الألماني ثم البلجيكي أثر عميق في تشكيل النظام السياسي والاجتماعي في رواندا. فخلال الإدارة البلجيكية، تعززت التصنيفات العرقية وأصبحت أكثر صلابة، وارتبطت بالامتيازات والوصول إلى التعليم والمواقع الإدارية. كما أسهم استخدام بطاقات الهوية التي تحدد الانتماء الإثني في تثبيت هذه التصنيفات داخل مؤسسات الدولة والحياة اليومية.
وهنا تبرز إحدى أهم المسائل: كيف تتحول الهوية الاجتماعية إلى أداة سياسية؟. فالاختلاف بين الجماعات لا يقود تلقائيًا إلى العنف، لكن السلطة، عندما تثبِّت الفوارق، وتوزِّع الامتيازات على أساس الانتماء، وتصوِّر جماعة باعتبارها صاحبة الحق الحصري في الدولة، تحول الاختلاف إلى مدخل للإقصاء. ومع تراكم المظالم والصراعات، تصبح الهوية وسيلة لتحديد من ينتمي إلى الجماعة السياسية ومن يُدفع إلى خارجها.
هذا التحول ضروري لفهم التجربة الرواندية، كما أنه يفتح سؤالًا أوسع حول طبيعة الدولة: هل تقوم على مواطنة متساوية تحمي التنوع، أم تتحول مؤسساتها إلى أدوات تستخدمها جماعة للسيطرة على جماعات أخرى؟.
وفي رواندا، لم تتشكل الأزمة خلال عام واحد. فقد أسهمت التحولات السياسية التي شهدتها البلاد في منتصف القرن العشرين في إعادة ترتيب السلطة والعلاقات بين الجماعات، ومع اقتراب الاستقلال عام 1962م، تصاعدت التوترات والصراعات، ووقعت أعمال عنف أدت إلى مقتل أشخاص ونزوح آخرين، كما فر كثير من التوتسي إلى البلدان المجاورة.
ومع مرور الوقت، استمرت آثار الإقصاء والعنف والنزوح، وأصبحت مسألة العودة والحقوق والسلطة جزءًا من أزمة سياسية أوسع، ودخلت رواندا العقود التالية وهي تحمل تناقضات عجزت الأنظمة المتعاقبة عن معالجتها بصورة تمنع تجدد الصراع.
عندما تصبح السياسة صناعة للخوف
في عام 1990م، بدأت الجبهة الوطنية الرواندية هجومًا عسكريًا من أوغندا، ودخلت البلاد مرحلة جديدة من الحرب الأهلية. وتداخل الصراع العسكري مع مفاوضات سياسية وأزمات داخلية واستقطاب متزايد، بالتزامن مع تصاعد أعمال العنف ضد التوتسي.
كان يمكن للمفاوضات أن تفتح مساحة لمعالجة الأزمة، وقد أُبرمت اتفاقيات أروشا عام 1993م بهدف إنهاء الحرب وتشكيل ترتيبات لتقاسم السلطة، غير أن الاتفاق واجه مقاومة من قوى متشددة رأت في التسوية تهديدًا لمواقعها ومصالحها، واستمر التوتر مع ضعف الثقة وتصاعد الاستقطاب.
في هذه البيئة، أصبح خطاب الكراهية والتحريض عنصرًا مهمًا في تهيئة المجتمع للعنف. واستخدمت وسائل إعلام، من بينها إذاعة «راديو وتلفزيون الألف تلة الحرة»، خطابًا تحريضيًا استهدف التوتسي، واستهدف كذلك سياسيين من الهوتو عارضوا المتشددين. وأسهمت الدعاية في نشر الخوف، وتقديم جماعة بشرية كاملة باعتبارها تهديدًا ينبغي مواجهته.
وهنا توقفت طويلًا عند دور الإعلام؛ فالكلمات المستخدمة في أوقات الأزمات تملك أثرًا سياسيًا بالغًا. عندما يتكرر وصف جماعة بأنها عدو، أو تُحمَّل مسؤولية مشكلات المجتمع، أو يُقدَّم وجودها باعتباره خطرًا على الآخرين، يصبح التحريض أداة لإعادة تشكيل الوعي العام. وتبلغ الخطورة ذروتها عندما ينتقل الخطاب من نقد الأفعال والمواقف إلى نزع الإنسانية عن جماعة كاملة، فيصبح الفرد أسير تصنيف جماعي، وتُختزل حياته وحقوقه في هوية ينسبها إليه الآخرون.
ومع ذلك، لا يفسِّر الإعلام وحده ما وقع. فقد تداخل التحريض مع شبكات سياسية وتنظيمية، وتوافر السلاح، وتورط مسؤولين محليين وأجهزة ومجموعات مسلحة في تنظيم أعمال القتل. وهكذا تحول خطاب الكراهية إلى تعبئة وعنف منظمين.
والدرس هنا واضح: التحريض يصبح أشد خطورة عندما يجد سلطة تحميه، وتنظيمًا ينشره، ومؤسسات تسمح بتحويله إلى فعل. ولهذا فإن مواجهته تحتاج إلى مسؤولية إعلامية وقانونية ومجتمعية، ومؤسسات قادرة على حماية المواطنين ومحاسبة المسؤولين عن التحريض والعنف.
أبريل 1994م: انهيار الحماية وبداية الإبادة
في السادس من أبريل 1994م، أُسقطت الطائرة التي كانت تقل الرئيس الرواندي جوفينال هابياريمانا والرئيس البوروندي سيبريان نتارياميرا قرب كيغالي. ولم تُحسم بصورة نهائية المسؤولية عن إسقاط الطائرة، لكن الحادثة شكلت نقطة تحول مباشرة في اندلاع الإبادة الجماعية.
بدأت عمليات القتل على نطاق واسع، واستُهدفت جماعات التوتسي، إلى جانب الهوتو المعتدلين والمعارضين السياسيين الذين رفضوا المشاركة في العنف. وانتشرت الحواجز، واستُخدمت بطاقات الهوية لتحديد الأشخاص، وشارك مسؤولون ومجموعات مسلحة وأفراد في عمليات القتل، بينما عجزت مؤسسات الحماية عن وقف المجازر، وأسهمت عناصر من الدولة في تنظيم العنف أو تنفيذه.
وخلال نحو مئة يوم، قُتل ما يقدر بنحو 800 ألف شخص، وفق تقديرات شائعة لدى الأمم المتحدة، وكانت الغالبية العظمى من الضحايا من التوتسي، إلى جانب هوتو استُهدفوا بسبب مواقفهم السياسية أو رفضهم المشاركة في الإبادة.
تكشف هذه الوقائع أن ما جرى تجاوز انفجارًا عشوائيًا للعنف بين جيران اختلفوا فيما بينهم؛ فقد شهدت البلاد استهدافًا واسعًا ومنظمًا، شاركت فيه شبكات وأجهزة وقيادات محلية، واستُخدمت أدوات الإدارة والاتصال والتعبئة للوصول إلى الضحايا.
ومن هنا تبرز أهمية التمييز بين الصراع السياسي والإبادة الجماعية. فالحرب قد تنشأ عن تنازع على السلطة أو الأرض أو الموارد، بينما تقوم الإبادة على استهداف جماعة بقصد تدميرها كليًا أو جزئيًا بسبب هويتها القومية أو الإثنية أو العرقية أو الدينية، وفق التعريف الوارد في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948م.
هذا التمييز يحدد طبيعة المسؤولية القانونية، ويؤثر في مسارات التحقيق والمحاسبة وحماية الضحايا. كما أن فهم ما وقع يقتضي تحديد المسؤوليات على أساس الأدلة، والتمييز بين من خططوا ونظموا ونفذوا الجرائم، وبين من تعرضوا للإكراه أو رفضوا المشاركة فيها.
وبالنسبة لي، كشفت هذه التفاصيل كيف يمكن لمؤسسات يُفترض أن تحمي المواطنين أن تتحول، في ظروف معينة، إلى أدوات لاستهدافهم. وعندما تفقد الدولة قدرتها على حماية الإنسان، أو يصبح بعض أجهزتها جزءًا من منظومة العنف، تتعرض فكرة المواطنة نفسها لانهيار عميق.
ماذا تقول التجربة للسودان؟
أثناء قراءتي للتاريخ الرواندي، وجدت نفسي أعود إلى السودان، حيث تستمر الحرب في إلحاق خسائر فادحة بالمدنيين، وتتعرض المجتمعات للنزوح والتفكك، وتتسع المخاوف من الانقسامات الاجتماعية وخطابات الكراهية.
والاستفادة من رواندا تستوجب تجنُّب المقارنة الآلية بين البلدين. فتاريخ السودان وتركيبته الاجتماعية والسياسية مختلفان، كما أن مسارات الصراع فيه لها أسبابها وأطرافها وخصوصيتها. ومع ذلك، فإن اختلاف السياقات لا يمنع الاستفادة من الدروس المتعلقة بكيفية نشوء العنف، ودور المؤسسات، ومسؤولية الخطاب العام، وأهمية حماية المدنيين.
أول هذه الدروس أن الحرب تتجاوز المواجهة العسكرية. فخلف القتال توجد علاقات سلطة، ومظالم متراكمة، وصراعات على الموارد والتمثيل، وأزمات في بناء الدولة. وأي مشروع للسلام يحتاج إلى معالجة هذه الجذور بالتوازي مع وقف العمليات العسكرية وحماية المدنيين.
والدرس الثاني أن خطاب الكراهية قضية سياسية وأمنية وحقوقية في الوقت نفسه. والتعامل معه يحتاج إلى رصد التحريض، وحماية الفئات المستهدفة، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم وفق القانون، مع صون حرية التعبير ومنع استخدام مكافحة الكراهية ذريعة لإسكات النقد السياسي المشروع.
أما الدرس الثالث فيتعلق بالمؤسسات. فالدولة القادرة على حماية مواطنيها تحتاج إلى مؤسسات تخضع للقانون والمساءلة، وتعامل المواطنين على أساس حقوقهم، وتحول دون استخدام الأجهزة العامة في الاستهداف الجماعي. وإعادة بناء المؤسسات بعد الحرب ينبغي أن تشمل مراجعة أسباب الفشل والانتهاكات، وإصلاح البنى التي ساهمت في إنتاج العنف أو سمحت باستمراره.
ويأتي درس رابع من أهمية توثيق الجرائم وحفظ ذاكرة الضحايا. فالتوثيق يوفر أساسًا للتحقيق والمحاسبة، ويساعد على مواجهة الإنكار والتضليل، ويحفظ شهادات الناجين للأجيال المقبلة. وينبغي أن تتم هذه العملية بمهنية، مع حماية الشهود والناجين، واحترام كرامتهم، وضمان سلامة الأدلة.
هذه الدروس تطرح أسئلة ينبغي أن يبدأ السودان في مناقشتها منذ الآن، بالتوازي مع الجهود الرامية إلى وقف الحرب. فالتفكير في المستقبل يمكن أن يبدأ أثناء القتال عبر حفظ الأدلة، ودعم الناجين، ورصد خطاب التحريض، وتطوير تصورات إصلاح المؤسسات، وإعداد مسارات للعدالة.
من فهم الكارثة إلى التفكير في المستقبل
كلما تعمّقتُ في التجربة الرواندية، أدركتُ أن فهم الإبادة شرط لفهم ما جاء بعدها. فإعادة بناء الدولة تحتاج إلى معرفة كيف انهارت الحماية، وكيف استُخدمت الهوية في الصراع، وكيف تحولت الدعاية إلى تعبئة، وكيف استطاعت شبكات منظمة أن تنقل المجتمع إلى كارثة بهذا الحجم.
لكن فهم الماضي يفتح أسئلة أخرى: ماذا يحدث بعد توقف القتل؟ كيف يُحاسب المسؤولون عن الجرائم؟ كيف تُستعاد حقوق الضحايا؟ كيف يُعاد بناء المؤسسات؟ وكيف يتعامل المجتمع مع ذاكرة تحمل آثارًا عميقة من الخوف والفقد؟.
هذه الأسئلة قادتني إلى المحطات التالية في زيارتي، حيث بدأت أقترب من تجربة رواندا في العدالة وإعادة بناء المؤسسات والمصالحة، وأتأمل في الخيارات التي اتخذتها والتحديات التي واجهتها.
لم أعد أنظر إلى رواندا كبلد ارتبط اسمه بالإبادة وحدها؛ أصبحت أراها تجربة تضع أمامنا مسؤولية دراسة الأسباب التي قادت إلى الكارثة، وفهم القرارات التي اتُخذت بعدها، والتفكير النقدي في نتائجها.
وبالنسبة إلى السودان، فإن القيمة الحقيقية لهذه القراءة تكمن في أن بناء السلام يحتاج إلى استعداد مبكر لفهم جذور الصراع، وحماية المجتمع من التحريض، وإقامة مؤسسات تحترم الحقوق، ووضع العدالة في قلب أي تصور للمستقبل.
فالسؤال الذي بدأت به رحلتي في كيغالي لم يعد متعلقًا بكيفية وصول رواندا إلى الإبادة وحدها، وإنما بكيفية بناء دولة تمنع تكرار الكارثة، وتحمي الإنسان، وتجعل المواطنة أساس العلاقة بين المجتمع والسلطة.
ومن هذا السؤال أنتقل إلى المحطة التالية من الرحلة: كيف بدأت رواندا إعادة بناء الدولة بعد الإبادة، وما الدور الذي لعبته العدالة في هذا المسار؟.