صفاء الزين
تواصل هذه السلسلة قراءة التجربة الرواندية بعد الإبادة الجماعية، بحثًا في أسئلة العدالة وإعادة بناء الدولة والمصالحة، والدروس التي يمكن أن يستفيد منها السودان في سعيه إلى الخروج من الحرب وتأسيس سلام مستدام.
في المجتمعات الخارجة من الإبادة الجماعية، تبدأ العدالة بمواجهة المجتمع لأسئلة الجريمة والمسؤولية والحقيقة، وتمتد إلى قاعات المحاكم والمؤسسات التي تتولى تحديد المسؤولية وإنصاف الضحايا. لكن كيف يمكن محاسبة أعداد هائلة من المتهمين في بلد فقد جانبًا كبيرًا من مؤسساته القضائية؟ وكيف يمكن إنصاف الضحايا إذا تجاوزت أعداد القضايا قدرة المحاكم التقليدية، وأصبح تأجيل المحاسبة عبئًا إضافيًا على مجتمع يحاول استعادة حياته؟.
واجهت رواندا هذه المعضلة بعد الإبادة الجماعية ضد التوتسي عام 1994م؛ فقد قُتل قضاة ومحامون وموظفون قضائيون، وتضررت مؤسسات الدولة، واحتُجز عشرات الآلاف من المشتبه في تورطهم في الإبادة داخل سجون مكتظة، بعضهم لسنوات قبل الفصل في قضاياهم. وكانت الحاجة إلى المحاسبة ملحّة، بينما عجز النظام القضائي عن التعامل مع الحجم الهائل للجرائم والمتهمين والضحايا.
أمام هذا الواقع، اتجهت الدولة إلى توسيع نطاق العدالة عبر محاكم غاكاكا (Gacaca Courts)، التي استلهمت تقاليد محلية في تسوية النزاعات، وأعادت توظيفها لمحاكمة المتهمين بجرائم مرتبطة بالإبادة. وقد مثّلت التجربة نموذجًا استثنائيًا للعدالة المجتمعية (Community-Based Justice)، سعى إلى معالجة عدد هائل من القضايا، وإشراك المجتمعات المحلية في كشف الوقائع، وتخفيف الضغط على السجون، وفتح طريق نحو التعايش بعد المذبحة.
لكن تجربة غاكاكا تطرح سؤالًا يتجاوز قدرتها على الفصل في القضايا: هل تستطيع العدالة تحقيق الإنصاف عندما تعمل تحت ضغط الوقت واتساع حجم الجرائم؟ وهل تكفي معرفة ما حدث لبناء الثقة إذا ظلت بعض الحقوق عرضة للتجاوز؟.
تكمن أهمية هذا السؤال في التمييز بين قدرة المؤسسات على إنجاز المحاكمات، وقدرتها على إنتاج عدالة تحظى بالثقة وتؤسس لسلام مستدام؛ فالأولى يمكن قياسها بالأرقام والملفات المغلقة، بينما تتحدد الثانية بنزاهة الإجراءات، وحقوق الضحايا والمتهمين، واستقلال المؤسسات، وما تتركه الأحكام في وعي المجتمع وعلاقته بالدولة.
عندما تصبح العدالة أكبر من قدرة المحاكم
بدأت محاكم غاكاكا عملها على نطاق تجريبي عام 2002م، ثم توسعت محاكماتها المجتمعية عام 2005م، قبل أن تختتم أعمالها رسميًا في يونيو 2012م. وخلال سنوات عملها، نظرت في نحو 1.9 مليون قضية، وفق تقديرات منشورة عن التجربة، لتصبح واحدة من أوسع تجارب العدالة المجتمعية في التعامل مع إرث جريمة جماعية بهذا الحجم.
اعتمدت المحاكم على قضاة محليين انتخبتهم المجتمعات، واستندت بدرجة كبيرة إلى شهادات السكان ومعرفتهم بما جرى في مناطقهم، بينما أُحيلت القضايا الأشد خطورة إلى المحاكم التقليدية، وتولت غاكاكا جانبًا واسعًا من القضايا الأخرى المرتبطة بالإبادة.
منح هذا الأسلوب العدالة قدرة على الوصول إلى مجتمعات يصعب على المؤسسات المركزية وحدها التعامل مع حجم قضاياها، وأتاح لبعض الناجين معرفة مصير أقاربهم، والاستماع إلى اعترافات بشأن الجرائم، وتحديد أماكن دفن بعض الضحايا، واستعادة جزء من الحقيقة التي ظلت غائبة عن أسرهم.
وتكمن أهمية هذه النتائج في أن الجريمة الجماعية تترك وراءها خسائر تتجاوز الأرواح والممتلكات؛ فهي تنتج فراغًا في المعرفة، وتقطع الروابط بين الناس، وتترك الأسر معلقة بين الشك والانتظار. وفي مثل هذه الظروف، تصبح معرفة مصير المفقودين جزءًا أساسيًا من استعادة الكرامة الإنسانية، ويكتسب كشف الحقيقة(Truth-telling) وظيفة تتصل بالإنصاف وإعادة بناء الثقة داخل المجتمع.
غير أن اتساع نطاق المحاكمات يختلف عن تحقق العدالة بالقدر نفسه؛ فعدد القضايا التي أُنجزت يقيس حجم العمل القضائي، لكنه يعجز وحده عن الكشف عن جودة الأحكام، أو مدى الإنصاف الذي شعر به الضحايا، أو قدرة المتهمين على الدفاع عن أنفسهم.
وهنا تظهر المفارقة الأولى في تجربة غاكاكا: فقد نجحت في توسيع الوصول إلى القضاء بصورة يصعب تجاهلها، لكنها فتحت في المقابل نقاشًا عميقًا حول العلاقة بين الكفاءة الإجرائية والشرعية القضائية. فالقدرة على إغلاق الملفات تمنح المؤسسة إنجازًا قابلًا للقياس، أما قدرة المجتمع على الوثوق بما انتهت إليه تلك الملفات، فهي الاختبار الأعمق لاستدامة العدالة.
الحقيقة أمام المجتمع: بين الاعتراف والخوف
من أبرز جوانب تجربة غاكاكا نقل جزء من إجراءات المحاكمة إلى المجال المجتمعي؛ إذ أُتيحت للسكان فرصة الإدلاء بشهاداتهم بشأن ما شاهدوه أو عرفوه، ومواجهة بعض المتهمين بالأفعال المنسوبة إليهم. وأصبح المجتمع المحلي حاضرًا في عملية البحث عن الحقيقة، بعدما كانت القضايا تُدار أساسًا عبر العلاقة بين المتهم والمحكمة وأجهزة الدولة.
أتاح هذا الأسلوب الكشف عن معلومات ظلت غائبة عن التحقيقات، وساعد بعض الأسر على معرفة ما جرى لأفرادها. وفي حالات، أقر متهمون بمسؤوليتهم وطلبوا المغفرة، وصدر بحق بعضهم حكم يتضمن أداء خدمة للمجتمع. وقد أسهمت هذه الإجراءات في فتح مساحات للتعامل مع الماضي، وتمكين بعض الناجين من مواصلة الحياة داخل مجتمعات تجمعهم بأشخاص ارتكبوا جرائم بحق أسرهم.
لكن الشهادة أمام المجتمع تحمل احتمالات متعارضة؛ فقد تساعد على كشف الحقيقة، وقد تتأثر بالخوف والضغوط الاجتماعية والخصومات الشخصية. وعندما يكون الشاهد والمتهم والضحية جزءًا من شبكة علاقات محلية متشابكة، يصبح ضمان استقلال الشهادة مهمة شديدة التعقيد، خاصة إذا ارتبطت الوقائع بعلاقات النفوذ أو المصالح أو الخوف من الانتقام.
وقد وثقت منظمة هيومن رايتس ووتش(Human Rights Watch) انتهاكات إجرائية في بعض محاكمات غاكاكا، شملت ترهيب شهود الدفاع، واتهامات بالفساد، وضعف الأدلة في بعض القضايا، وتأثر الإجراءات بعلاقات محلية، إلى جانب مخاوف بشأن قدرة المتهمين على ممارسة حقهم في الدفاع بصورة كافية.
وهنا تظهر إحدى مفارقات العدالة المجتمعية؛ فقرب المحكمة من الناس يمنحها قدرة أكبر على الوصول إلى المعرفة المحلية، لكنه قد يجعلها أكثر تعرضًا لتأثير العلاقات والضغوط. وهذه الميزة نفسها قد تتحول إلى مصدر اختلال إذا غابت الضمانات التي تحمي استقلال الشهادة وسلامة الأدلة.
لذلك، فإن إشراك المجتمع في العدالة يحتاج إلى إطار مؤسسي وقانوني يحمي الشهود والضحايا والمتهمين، ويتيح تقديم الأدلة ومناقشتها بعيدًا عن الترهيب والتحيز. وتصبح المشاركة المجتمعية أكثر قدرة على خدمة الحقيقة كلما ارتبطت بضمانات مستقلة تمنع تحول المعرفة المحلية إلى سلطة اتهام يصعب مساءلتها.
المحاسبة لا تكتمل بتقليص الزمن
تقدم غاكاكا درسًا مهمًا في إدارة العدالة بعد الجرائم الجماعية، لكنها تكشف في الوقت نفسه مخاطر تحويل سرعة الإجراءات إلى معيار رئيسي للنجاح.
فقد أُثيرت انتقادات بشأن محدودية الضمانات الإجرائية، وضعف التدريب القانوني لبعض القضاة، وعدم تمتع المتهمين بإمكانية كافية للاستعانة بمحامين، إلى جانب قصور في إتاحة الوقت اللازم لإعداد الدفاع ومناقشة الشهود.
وتتصل هذه الانتقادات بجوهر الحق في المحاكمة العادلة (Right to a Fair Trial)، وما يرتبط به من ضمانات الإجراءات القانونية الواجبة (Due Process)، التي تشمل قدرة المتهم على معرفة التهم المنسوبة إليه، ومناقشة الأدلة، والاستعانة بالدفاع، والحصول على حكم يستند إلى القانون وإجراءات منصفة.
وتظل فداحة الجرائم المرتكبة في رواندا وحقوق الناجين في المحاسبة والإنصاف حقائق لا تنتقص منها هذه الانتقادات؛ لكنها تؤكد أن خطورة الجريمة لا تلغي حقوق المتهم، وأن الغاية المتمثلة في تحقيق العدالة لا تبرر إضعاف الأسس التي تستمد منها الأحكام شرعيتها.
فالعدالة التي تستعجل الوصول إلى الحكم قد تنتهي إلى إدانة شخص بناءً على شهادة غير كافية، أو إلى إهمال أدلة تنفي مسؤوليته، وقد تتحول المحكمة في مثل هذه الحالات إلى مصدر جديد للمظالم، بعدما أُنشئت لمعالجة ظلم سابق.
ويمتد الخطر إلى المجتمع كله؛ فعندما تتراجع الثقة في نزاهة المحاكم، تصبح الأحكام نفسها موضع تشكيك، وتتضاءل قدرة الناس على التعامل مع الماضي وفق قواعد مشتركة. ولهذا، فإن ضمانات المحاكمة العادلة تتصل بحقوق الضحايا والمتهمين والمجتمع معًا في الوصول إلى حقيقة موثوقة ومسؤولية محددة.
وتكشف التجربة هنا عن معادلة دقيقة: العدالة المؤجلة قد تُبقي الضحايا أسرى الانتظار، والعدالة المتعجلة قد تنتج أحكامًا تفتقر إلى الإنصاف. وتحتاج الدولة الخارجة من العنف الجماعي إلى بناء قدرة مؤسسية تستجيب لاتساع الجرائم دون التضحية بالحقوق التي تمنح العدالة معناها ومشروعيتها.
هل تقود المحاسبة إلى المصالحة؟
ارتبطت تجربة غاكاكا بهدف أوسع من معاقبة المتورطين، تمثل في إعادة بناء العلاقات داخل المجتمعات التي مزقتها الإبادة؛ فقد أتاح الاعتراف ببعض الجرائم، ومعرفة مصير الضحايا، وإصدار الأحكام، فتح مساحات للتعامل مع الماضي. غير أن المصالحة بقيت مسارًا متفاوت النتائج، ولم تكن المحاكم وحدها كافية لحسم آثار الجريمة أو إزالة انعدام الثقة.
فالمصالحة لا تعني مطالبة الضحية بنسيان ما حدث، أو تحويل المغفرة إلى واجب اجتماعي، أو التعامل مع الاعتراف باعتباره بديلًا عن المحاسبة. إنها عملية تحتاج إلى الاعتراف بالضرر، وضمان عدم تكرار الانتهاكات، وإتاحة الفرصة للضحايا للتعبير عن احتياجاتهم، وتوفير سبل لجبر الضرر المادي والمعنوي.
وقد واجهت التجربة أسئلة متصلة بإنصاف الناجين وتعويضهم، وبمدى قدرة الإجراءات القضائية على تلبية احتياجاتهم بعد انتهاء المحاكمات. فالمصالحة المستدامة تحتاج إلى شعور بأن القانون يعترف بكرامة الضحايا، وأن المسؤولية عن الجرائم تُحدد على أساس الأدلة، وأن المؤسسات لا تمنح الحماية لأحد بسبب موقعه أو انتمائه.
وتبرز هنا أهمية المقاربة المرتكزة على الضحايا (Victim-Centered Approach)، التي تنطلق من حقوق المتضررين واحتياجاتهم، وتحافظ على حقهم في المعرفة والمشاركة والحماية وجبر الضرر، دون تحميلهم مسؤولية تحقيق المصالحة أو مطالبتهم بالتنازل عن حقوقهم باسم الاستقرار.
وتكشف هذه المسألة حدود قدرة المحاكمة الجنائية على معالجة آثار الجريمة الجماعية؛ فالحكم القضائي يستطيع تحديد المسؤولية والعقوبة، لكنه يعجز وحده عن إعادة بناء الثقة، أو تعويض الخسائر، أو معالجة الصدمات النفسية والاجتماعية، أو ضمان عودة العلاقات بين الناس إلى وضع يسمح بالتعايش.
ومن هنا تتسع العدالة الانتقالية(Transitional Justice) لتشمل توثيق الانتهاكات، وحفظ الذاكرة، وكشف مصير المفقودين، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات التي سمحت بوقوع الجرائم أو عجزت عن منعها. ولكل مسار وظيفته وأدواته، ويقتضي نجاحها التكامل بينها، مع المحافظة على استقلال المحاسبة الجنائية عن ترتيبات التسوية والمصالحة الاجتماعية.
حدود العدالة عندما تتصل بالسلطة
تثير تجربة غاكاكا سؤالًا إضافيًا يتعلق باستقلال المحاسبة عن السلطة السياسية. فنجاح أي نظام للعدالة بعد الجرائم الجماعية يتوقف على قدرته على تحديد المسؤولية الفردية وفق الأدلة والقانون، بصرف النظر عن موقع المتهم أو انتمائه.
وقد انتقدت منظمات حقوقية اقتصار المحاسبة على نطاق معين من الجرائم، وأشارت إلى أن انتهاكات ارتكبتها قوات الجبهة الوطنية الرواندية لم تخضع للمحاسبة داخل محاكم غاكاكا. وتكشف هذه الانتقادات إشكالية أوسع تتصل بما يُعرف بالعدالة الانتقائية (Selective Justice)، وما تتركه من أثر على ثقة المجتمع في المؤسسات التي تتولى تحديد المسؤولية وإنصاف الضحايا.
كيف يمكن بناء ثقة عامة في العدالة إذا بقيت بعض الانتهاكات خارج نطاق المساءلة؟.
إن التعامل الجاد مع هذا السؤال يقتضي التمييز بين الإبادة الجماعية وغيرها من الجرائم، مع الإقرار بأن اختلاف طبيعة الجرائم لا يلغي حق ضحايا الانتهاكات الأخرى في العدالة. فالمحاسبة تستمد مشروعيتها من إخضاع الأفعال للقانون، وتحديد المسؤولية الفردية وفق الأدلة، بعيدًا عن هوية مرتكب الجريمة أو موقعه السياسي.
وتحتاج الدولة التي تسعى إلى تجاوز إرث العنف إلى نظام قضائي مستقل، يمتلك القدرة على التحقيق في الجرائم دون حماية للمتهمين النافذين، ودون تحويل القضاء إلى وسيلة لتصفية الحسابات.
وهنا تتجاوز المسألة حدود النزاهة الإجرائية إلى طبيعة الدولة التي يجري بناؤها بعد العنف؛ فالقضاء الذي تتحدد صلاحياته وفق موازين النفوذ السياسي قد ينجح في إصدار الأحكام، لكنه يواجه صعوبة في تأسيس قاعدة عامة للمساواة أمام القانون. وتصبح المحاسبة، في هذه الحالة، عرضة لأن تعكس اختلالات السلطة بدلًا من تصحيحها.
لذلك، فإن المساواة أمام القانون هي الاختبار الذي يحدد ما إذا كانت المحاسبة تؤسس لمرحلة جديدة أم تعيد إنتاج اختلالات الماضي، وتمنح الدولة شرعية تستند إلى الإنصاف والحقوق، أو تُبقي العدالة رهينة لموازين القوة السياسية.
ما الذي ينبغي أن يتعلمه السودان؟
بالنسبة إلى السودان، تكمن قيمة تجربة غاكاكا في فهم المعضلة التي حاولت معالجتها، واستخلاص حدود النجاح والإخفاق فيها، بعيدًا عن استنساخ محاكمها أو افتراض صلاحية النموذج الرواندي للتطبيق المباشر.
فالسؤال الذي يواجه السودان اليوم هو: كيف يمكن توسيع نطاق العدالة في مجتمع أنهكته الحرب، بينما تعاني مؤسسات الدولة من الضعف، وتتراكم القضايا، وتتعرض الأدلة لخطر الضياع، ويعيش الضحايا والناجون في ظروف إنسانية واجتماعية قاسية؟.
يحتاج السودان إلى مسار للعدالة الانتقالية يستجيب لطبيعة الجرائم المرتكبة خلال الحرب، ولتاريخ طويل من الانتهاكات والإفلات من العقاب. ويبدأ ذلك بحفظ الأدلة، وتوثيق الشهادات، وتأمين السجلات ومواقع الجرائم، وحماية الشهود والناجين، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للمتضررين، إلى جانب بناء مؤسسات قضائية مستقلة تمتلك القدرة على التحقيق والمحاكمة وفق القانون، مع ضمان حق الدفاع وافتراض البراءة إلى أن تثبت المسؤولية.
وتكمن الأولوية الاستراتيجية في بناء منظومة متكاملة للعدالة الانتقالية (Transitional Justice Framework)، تستطيع التعامل مع تعدد الجرائم والضحايا والمناطق والجهات المتهمة، وتربط بين المساءلة القضائية وكشف الحقيقة وجبر الضرر والإصلاح المؤسسي، دون أن تتداخل اختصاصات هذه المسارات على نحو يضعف حقوق المتضررين أو ضمانات المحاكمة.
ولا ينبغي أن تتحول محدودية الموارد أو اتساع نطاق الجرائم إلى مبرر لإقامة إجراءات تفتقر إلى ضمانات المحاكمة العادلة. ويمكن تطوير آليات متخصصة، وتعزيز قدرات القضاء، والاستفادة من الخبرات السودانية والدولية، وإنشاء برامج لجبر الضرر، مع إشراك المجتمعات المتضررة في توثيق الوقائع واستعادة الذاكرة.
لكن المشاركة المجتمعية ينبغي أن تدعم القضاء المستقل، وتحافظ على دور المجتمعات المحلية في كشف الحقيقة وتحديد الاحتياجات والمساهمة في التعافي، مع بقاء تحديد المسؤولية الجنائية واختصاص إصدار الأحكام والعقوبات خاضعين للمؤسسات القضائية المختصة وضماناتها القانونية.
وتكتسب هذه الحدود أهمية خاصة في مجتمع تتداخل فيه آثار الحرب مع العلاقات المحلية والقبلية والسياسية، وتتعرض فيه المؤسسات لضغوط النزاع والاستقطاب. فإتاحة المشاركة المجتمعية دون ضمانات قد تُدخل الخصومات المحلية إلى مسار العدالة، بينما يؤدي إقصاء المجتمعات المتضررة إلى إضعاف قدرة المؤسسات على الوصول إلى الوقائع وفهم طبيعة الضرر الذي تعرض له المواطنون.
ولهذا يحتاج السودان إلى بناء علاقة واضحة بين العدالة الرسمية والمعرفة المجتمعية، بحيث تستفيد المؤسسات القضائية من الشهادات والذاكرة المحلية، مع إخضاع الأدلة للفحص والتحقق، وحماية الشهود والمتهمين والضحايا من الضغوط والانتقام.
ويحتاج هذا المسار أيضًا إلى معالجة الجرائم المرتكبة عبر فترات مختلفة، دون انتقائية تحمي أصحاب النفوذ أو تستثني الضحايا بسبب هويتهم أو مناطقهم. فالمحاسبة لا تقتضي مساواة جميع الجرائم في طبيعتها أو حجمها، وإنما إخضاع كل جريمة للتحقيق القانوني المناسب، وتحديد المسؤولية عنها وفق الأدلة والمعايير القانونية.
أما المصالحة، فلا يمكن أن تسبق الاعتراف بالضرر، أو تُفرض على المجتمعات المتضررة باسم الاستقرار؛ فالسلام الذي يطلب من الضحايا الصمت، أو يقايض حقوقهم بتسوية سياسية، قد يوقف بعض مظاهر العنف مؤقتًا، لكنه يترك أسباب انعدام الثقة قائمة.
وتكتسب مشاركة النساء والناجين والمجتمعات المحلية أهمية خاصة في هذه العملية، سواء في توثيق الانتهاكات، أو تحديد احتياجات التعويض والتعافي، أو صياغة السياسات التي تمنع تكرار الجرائم. فهؤلاء أصحاب حقوق ومصالح مشروعة في تشكيل مستقبل البلاد، وتمتد مساهمتهم إلى صياغة مفهوم العدالة نفسه، وتحديد ما يحتاجه المجتمع لاستعادة الثقة والكرامة والشعور بالأمان.
ومن المنظور الاستراتيجي، يواجه السودان اختبارًا يتجاوز قدرة المؤسسات على محاكمة المتهمين؛ إذ يتعلق بقدرة العدالة على الإسهام في إعادة تأسيس العلاقة بين الدولة والمواطن، وإصلاح الأجهزة والمؤسسات التي سمحت باستمرار الانتهاكات أو عجزت عن منعها.
وتصبح ضمانات عدم التكرار(Guarantees of Non-Recurrence) إحدى أهم نتائج هذا المسار، لأنها تنقل أثر المحاسبة إلى طبيعة المؤسسات والقواعد التي تحكم ممارسة السلطة، وتربط حماية الحقوق بإصلاح الدولة واستقلال القضاء وخضوع المؤسسات العامة للقانون.
العدالة التي تمنع تكرار المأساة
تكشف تجربة غاكاكا أن المجتمعات الخارجة من الإبادة تحتاج إلى حلول تتناسب مع حجم الجرائم، وأن الأدوات القضائية التقليدية قد تعجز وحدها عن الاستجابة لجميع الاحتياجات. لكنها تكشف كذلك أن توسيع نطاق المحاكمات لا يعفي الدولة من ضمان الإنصاف، وأن سرعة الفصل في القضايا لا تكفي لإثبات نجاح العدالة.
لقد أتاحت التجربة الرواندية محاكمة عدد هائل من القضايا، ووفرت لبعض الناجين فرصة لمعرفة مصير أقاربهم، وأسهمت في معالجة جانب من إرث الإبادة. وفي المقابل، أظهرت أوجه قصورها أن العدالة قد تتعرض للاختلال إذا تراجعت ضمانات الدفاع، أو تأثرت المحاكم بالضغوط المحلية والسياسية، أو ظلت بعض الانتهاكات خارج نطاق المحاسبة.
وتتحدد القيمة الأعمق للتجربة في هذا التوتر بين اتساع الوصول إلى العدالة وضمان جودتها؛ فقد أثبتت غاكاكا قدرة المؤسسات المجتمعية على التعامل مع حجم استثنائي من القضايا، لكنها كشفت كذلك أن المشاركة الواسعة والسرعة والإنجاز الكمي تحتاج إلى ضوابط قانونية ومؤسسية تحمي الحقوق وتمنع تحول العدالة إلى مصدر جديد للنزاع.
وبالنسبة إلى السودان، فإن التحدي يتجاوز محاسبة المسؤولين عن الجرائم الراهنة، ويمتد إلى بناء مؤسسات تحول دون تكرارها، وتمنع احتكار القوة والإفلات من العقاب. فالعدالة التي يستحقها الضحايا تتجاوز صدور الأحكام إلى استعادة الحقوق وبناء مؤسسات تحمي المجتمع من العنف والتعسف، وتضمن أن يكون القانون مرجعية للجميع.
وتبرز أهمية هذا الدرس في أن الدولة الخارجة من الحرب تحتاج إلى استعادة ثقة المواطنين في قدرتها على حمايتهم، وهي ثقة تتأثر بما إذا كانت المؤسسات قادرة على الاعتراف بالحقيقة، والتحقيق في الجرائم، وحماية الضحايا والشهود، ومحاسبة المسؤولين، وتوفير الضمانات التي تمنع تكرار الانتهاكات.
بعد الإبادة، تصبح العدالة اختبارًا لقدرة الدولة على الاعتراف بالحقيقة دون انتقائية، ومحاسبة المسؤولين دون انتقام، وفتح طريق للمصالحة دون التضحية بحقوق الضحايا. وبين هذه المطالب تتحدد قيمة أي تجربة للعدالة الانتقالية، وفق ما تحققه من إنصاف وثقة وإصلاح مؤسسي، وما تتركه من قدرة لدى المجتمع على مواجهة ماضيه دون إعادة إنتاج مظالمه.
فالعدالة التي تُغلق ملفات الجرائم دون معالجة الأسباب التي سمحت بوقوعها قد تُنهي إجراءات المحاكمة، لكنها تترك مستقبل الإنصاف معلقًا. أما العدالة التي تصل بين الحقيقة والمحاسبة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات، فإنها تمنح المجتمع فرصة لتأسيس علاقة جديدة مع الدولة، يكون فيها القانون ضمانة للحقوق، وتصبح حماية الإنسان معيارًا لمشروعية السلطة.
وهنا يكمن الدرس الذي يستحق أن يحمله السودان من التجربة الرواندية: نجاح العدالة يُقاس بقدرتها على إنصاف الضحايا وحماية الحقوق ومنع تكرار المأساة، وبما تؤسسه من مساواة أمام القانون وثقة في مؤسسات الدولة، أكثر مما يُقاس بعدد القضايا التي أُغلقت والأحكام التي صدرت.