من الحرب إلى السلام: جهود القوى المدنية لوقف الحرب والمضي نحو مستقبل أكثر إشراقاً للسودان

 

 

الكلمة الرئيسية للدكتور عبد الله حمدوك رئيس الوزراء السوداني السابق رئيس التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة (صمود)

 

المؤتمر السنوي لرابطة الأساتذة السودانيين بالولايات المتحدة الأمريكية (ASAPA) 24 – 25 أكتوبر 2026

 

 

مقدمة

 

السيد رئيس رابطة الأساتذة السودانيين بالولايات المتحدة الأمريكية وأعضاؤها المحترمون،

السادة العلماء والأكاديميون والمهنيون الأجلاء،

السيدات والسادة،

الأصدقاء الأعزاء،

يسعدني ويشرفني أن أخاطب هذا الجمع المتميز من الأكاديميين والمهنيين السودانيين الذين حققوا نجاحات مشهودة في مجالات تخصصاتهم المختلفة، مع احتفاظهم بارتباط عميق بوطنهم والتزام راسخ تجاهه.

وأود أن أتقدم بالشكر إلى رابطة الأساتذة السودانيين بالولايات المتحدة الأمريكية على هذه الدعوة الكريمة، والأهم من ذلك على اهتمامها المتواصل بالتحديات التي تواجه السودان.

نلتقي اليوم في واحدة من أصعب اللحظات في تاريخ بلادنا. فالسودان يعيش حرباً مدمرة ألحقت بشعبنا معاناة لا يمكن وصفها، ووضعت وجود وطننا نفسه، بوصفه دولة موحدة، أمام خطر حقيقي. ومع ذلك، وحتى في أحلك هذه الظروف، ما زلت على قناعة بأن السودان يمتلك من الطاقات البشرية والخبرات التاريخية والإرادة الجماعية ما يمكّنه من تجاوز هذه المأساة.

إن وجود هذا العدد الكبير من العلماء والمهنيين السودانيين المتميزين بيننا اليوم يذكّرنا بالإمكانات الهائلة التي يزخر بها وطننا.

وأود أن أغتنم هذه الفرصة للتأمل في ثلاث أسئلة مترابطة:

أولاً: ماذا كشفت الحرب عن أزمة الدولة السودانية؟.

ثانياً: ما الذي قامت به القوى المدنية السودانية لوقف الحرب والدفع نحو تسوية سياسية سلمية؟.

ثالثاً: ما الدور الذي يمكن أن يضطلع به الأكاديميون والمهنيون السودانيون، ولا سيما المقيمون في الولايات المتحدة، في صياغة مستقبل أكثر إشراقاً للسودان؟.

 

  1. حرب السودان: مأساة وطنية وتهديد وجودي

 

السيدات والسادة،

لقد مضى أكثر من ثلاثة أعوام ونصف على اندلاع الحرب في السودان في 15 أبريل 2023، وكانت نتائجها كارثية. اضطر ملايين السودانيين إلى مغادرة منازلهم، وتشتت شمل الأسر، واقتُلعت مجتمعات بأكملها من جذورها، ودُمّرت مدن كاملة. كما أدى تدمير المؤسسات التعليمية والمرافق الصحية والبنية التحتية العامة والأصول الاقتصادية المنتجة إلى إرجاع بلادنا عقوداً إلى الوراء.

وأطلقت الحرب كذلك موجة من الانتهاكات الجسيمة بحق المدنيين، شملت العنف بدوافع إثنية، والعنف الجنسي، والهجمات العشوائية، وتدمير سبل كسب العيش.

ولعل الأمر الأكثر مأساوية هو أن جيلاً كاملاً من الأطفال والشباب السودانيين بات مهدداً بفقدان فرص التعليم والعمل والأمل في المستقبل.

لكن وراء هذه الكارثة الإنسانية يكمن خطر أشد عمقاً، وهو تفكك الدولة السودانية. فاستمرار الحرب، وانتشار الجماعات المسلحة، وظهور مراكز سلطة متنافسة، وتصاعد الاستقطاب الإثني والجهوي، كلها عوامل تهدد وحدة السودان وسلامة أراضيه.

علينا أن ندرك أن هذه الحرب ليست مجرد مواجهة بين تشكيلين عسكريين، بل هي التعبير العنيف عن أزمة أعمق بكثير، تمتد جذورها إلى عقود من الحكم الاستبدادي، وعسكرة السياسة، والإقصاء، والتنمية غير المتوازنة، والفشل في بناء دولة وطنية جامعة بحق. ولهذا السبب، لا يمكن فصل إنهاء الحرب عن معالجة الأسباب الجذرية للصراعات المتكررة في السودان.

علينا أن ننهي الحرب لإنقاذ الدولة، وأن نصلح الدولة حتى لا تعود الحرب.

وهذان وجهان لمسؤولية تاريخية واحدة.

 

  1. الاستجابة المدنية: رفض اعتبار الحرب قدراً محتوماً للسودان

 

الأصدقاء الأعزاء،

منذ بداية هذا الصراع، واجهت القوى المدنية السودانية تحدياً بالغ الصعوبة. فقد اندلعت الحرب في وقت كانت فيه البلاد لا تزال تحاول التعافي من انهيار انتقالها الديمقراطي عقب الانقلاب العسكري في أكتوبر 2021.

وأدى اندلاع القتال إلى مزيد من إضعاف المؤسسات السياسية المدنية، وتفتيت التحالفات السياسية، وتشريد القيادات والناشطين، والتضييق الشديد على مساحات العمل السياسي السلمي. ورغم هذه العقبات، واصلت القوى المدنية مقاومة محاولات جعل الحرب واقعاً طبيعياً ومقبولاً.

وفي مختلف أنحاء السودان، أظهرت التنظيمات القاعدية وغرف الطوارئ والمجموعات النسوية والنقابات المهنية والحركات الشبابية والقيادات الدينية والأهلية وشبكات المجتمعات المحلية قدرة استثنائية على الصمود.

فقد قدمت المساعدات الإنسانية، وحافظت على الخدمات المجتمعية الأساسية، وساندت النازحين، وأسهمت في صون روابط التكافل الاجتماعي.

ويمثل هذا العمل أحد أكثر الجوانب إلهاماً في استجابة السودانيين للأزمة.

وإلى جانب هذه الجهود المجتمعية، سعت التنظيمات السياسية المدنية إلى بناء بديل سياسي لاستمرار الصراع.

وفي هذا السياق نشأ تحالف (صمود) بوصفه تحالفاً مدنياً ديمقراطياً واسعاً يضم أحزاباً سياسية وتنظيمات مهنية ومجموعات من المجتمع المدني ولجان المقاومة وقوى أخرى ملتزمة بإنهاء الحرب واستعادة الحكم المدني الديمقراطي.

وقد ظل موقفنا الأساسي ثابتاً وواضحاً:

لا يوجد حل عسكري للأزمة السودانية.

فلا يستطيع أي من الطرفين تحقيق تسوية سياسية مستدامة من خلال الانتصار العسكري وحده.

وحتى إذا تمكن أحد الطرفين من تحقيق تفوق حاسم في ميدان القتال، فإن الأسباب السياسية والاجتماعية والمؤسسية الأعمق للصراع ستظل دون معالجة.

ولذلك فإن التحدي الحقيقي يتمثل في تغيير المنطق الذي يحكم الصراع: من المواجهة العسكرية إلى التفاوض السياسي، ومن التنافس على السلطة إلى التوافق على أسس مستقبل وطني مشترك.

 

  1. جهود القوى المدنية: من المبادئ إلى التحرك الدبلوماسي

 

السيدات والسادة،

انطلق نهج القوى المدنية من قناعة راسخة بأن إنهاء الحرب يتطلب الجمع بين العمل المدني المستمر، والجهود الدبلوماسية الدولية، وعملية سياسية ذات مصداقية يملك السودانيون زمامها.

وقد تركزت جهودنا على عدد من الأولويات.

 

الأولوية الأولى تمثلت في التمسك بمطلب واضح وثابت لوقف الأعمال العدائية فوراً وحماية المدنيين.

لقد حرصنا على التأكيد أن الكارثة الإنسانية لا يمكن أن تنتظر التوصل إلى تسوية سياسية نهائية. فالهدنة الإنسانية، وضمان وصول المنظمات الإغاثية بأمان ودون عوائق، وحماية المدنيين، واستعادة الخدمات الأساسية، كلها ضرورات عاجلة لا تحتمل التأجيل.

 

الأولوية الثانية كانت التواصل مع الأطراف الإقليمية والدولية لحشد الدعم للتوصل إلى تسوية تفاوضية.

وقد أجرينا اتصالات دبلوماسية مع الحكومات والمنظمات الإقليمية والمؤسسات الدولية والمنظمات العاملة في بناء السلام، لنقل وجهة نظر القوى المدنية والتأكيد على الحاجة الملحة إلى تحرك منسق. وانطلق تواصلنا من قناعة بأن الجهود الإقليمية والدولية يمكن أن تقدم إسهاماً مهماً، شريطة أن تعزز ملكية السودانيين لعملية السلام، لا أن تحل محلها.

 

أما الأولوية الثالثة فكانت العمل على تعزيز التقارب بين القوى المدنية السودانية.

نحن ندرك أن الساحة السياسية المدنية تعاني من التشرذم، وأن الخلافات المرتبطة بالتاريخ والآيديولوجيا والتجارب السياسية لا يمكن تجاوزها بمجرد التمني. لكننا نؤمن أيضاً بأن هذه الخلافات ينبغي ألا تحول دون الاتفاق على حد أدنى من الأجندة الوطنية، يتمحور حول إنهاء الحرب، وحماية المدنيين، والحفاظ على وحدة السودان، واستعادة عملية سياسية مدنية ذات شرعية.

ورغم ضخامة هذه التحديات، واصلت القوى المدنية السودانية جهودها لإنهاء الحرب واستعادة مسار الانتقال الديمقراطي السلمي. ويمثل التطور الذي بدأ بتأسيس تحالف (صمود)، مروراً بإعلان المبادئ، وصولاً إلى القوى غير المنحازة، خطوة مهمة في السعي نحو بناء توافق مدني واسع. ولا ينبغي النظر إلى هذه المبادرات باعتبارها مشروعات سياسية متنافسة، بل بوصفها جهوداً متمايزة تهدف إلى جمع القوى السودانية الملتزمة بإنهاء الحرب وصياغة مستقبل سلمي للبلاد.

 

الأولوية الرابعة تمثلت في تشجيع مزيد من التنسيق بين مبادرات الوساطة المختلفة.

لقد رحبنا بالمبادئ التي تضمنتها مبادرة الرباعية في سبتمبر 2025، ولا سيما إقرارها بعدم وجود حل عسكري قابل للتحقق، ودعوتها إلى هدنة إنسانية تفضي إلى وقف دائم لإطلاق النار، وتأكيدها على انتقال سياسي بقيادة مدنية، مع استبعاد حزب المؤتمر الوطني والجهات التابعة له فقط.

كما نقر بالأدوار المهمة التي يضطلع بها الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، والهيئة الحكومية الدولية المعنية بالتنمية (إيقاد)، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي. ويتمثل التحدي في تحويل هذه الأطر الدبلوماسية إلى عملية سلام منسقة وذات مصداقية وقابلة للتنفيذ.

 

إن مشكلة السودان ليست في نقص إعلانات السلام، وإنما في غياب التنفيذ الفعّال والإرادة السياسية المستدامة. وعلى المجتمع الدولي أن يتجاوز مجرد التعبير عن القلق إلى اتخاذ خطوات دبلوماسية منسقة تخلق حوافز حقيقية للسلام، وتفرض تبعات على استمرار الانتهاكات.

 

  1. العقبات أمام السلام: مواجهة الحقائق الصعبة

 

الحضور الكريم،

علينا أيضاً أن نعترف بالعقبات التي لا تزال تقوض جهود السلام.

العقبة الأولى هي استمرار اعتقاد الأطراف المسلحة بأن تحقيق تفوق عسكري يمكن أن يفضي إلى نتائج سياسية لصالحها. وقد أدى هذا الاعتقاد مراراً إلى تقويض فرص التفاوض.

العقبة الثانية تتمثل في استمرار تدفق الأسلحة والموارد والدعم الخارجي الذي يغذي الصراع. وعلى الأطراف الإقليمية والدولية أن تدرك أن انخراطها في هذا الصراع يرتب عليها مسؤوليات. يجب احترام سيادة السودان وسلامة أراضيه، ووقف الدعم العسكري الخارجي الذي يسهم في إطالة أمد الحرب.

 

العقبة الثالثة هي تشرذم القوى السياسية المدنية. فلا يمكننا أن ندعو بمصداقية إلى المصالحة الوطنية، بينما نعجز عن التعامل بصورة بناءة مع خلافاتنا السياسية. ولهذا، فقد أكدت المظلة الواسعة للقوى غير المنحازة أهمية الحوار والتعاون والتوصل إلى حد أدنى من البرنامج الوطني المشترك.

وهذا لا يتطلب إلغاء الخلافات السياسية، فالمجتمعات الديمقراطية تقوم أساساً على تنوع الآراء. والمطلوب هو الاتفاق على القواعد الأساسية التي تنظم التنافس السياسي، ورفض العنف وسيلةً للوصول إلى السلطة، والالتزام المشترك بالحكم المدني الدستوري.

 

العقبة الرابعة تتمثل في إرث الاستبداد، والعلاقة المتجذرة بين السلطة السياسية والمؤسسات المسلحة والمصالح الاقتصادية.

لقد أظهرت تجارب الانتقال المتكررة في السودان مدى صعوبة إقامة حكم ديمقراطي دون معالجة هذه العلاقات البنيوية. ولذلك، فإن السلام المستدام يجب أن يتضمن إصلاحاً حقيقياً للقطاع الأمني، وإصلاحات في حوكمة الاقتصاد، وعدالة انتقالية، ومساءلة مؤسسية.

 

وأخيراً، هناك الخطر المتزايد المتمثل في تفكك النسيج الاجتماعي.

فقد أدت الحرب إلى تعميق الاستقطاب الإثني، وانتشار خطاب الكراهية، وتزايد انعدام الثقة والتوترات بين المجتمعات المحلية. إن إعادة بناء الثقة بين المجتمعات السودانية لا تقل أهمية عن إعادة بناء الطرق والمدارس والمستشفيات.

فقد يكون من الممكن التفاوض سياسياً على إنهاء القتال، لكن السلام الدائم لا بد أن يُبنى في نهاية المطاف داخل المجتمع السوداني نفسه.

 

  1. خارطة طريق مدنية: من إنهاء الحرب إلى إعادة بناء الدولة

 

الأصدقاء الأعزاء،

كيف ينبغي إذن أن يبدو المسار المدني الموثوق نحو السلام؟

أعتقد أنه يجب أن يربط بين خمسة أهداف أساسية.

 

أولاً: هدنة إنسانية فورية تفضي إلى وقف شامل ودائم لإطلاق النار.

ويجب أن يتضمن هذا الاتفاق ترتيبات موثوقة للمراقبة والتحقق، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، واتخاذ التدابير اللازمة لمنع تجدد الأعمال العدائية.

 

ثانياً: عملية سياسية سودانية شاملة ومستقلة، يملك السودانيون زمامها.

لا يمكن أن يتحدد مستقبل السودان حصرياً على أيدي الأطراف التي تحمل السلاح. بل يجب أن تضطلع التنظيمات السياسية المدنية، والحركات النسوية، والمجموعات الشبابية، والنقابات المهنية، والتنظيمات القاعدية، وممثلو المجتمعات السودانية المتنوعة، بدور حقيقي ومؤثر في هذه العملية.

 

ثالثاً: استعادة الحكم المدني الشرعي.

يحتاج السودان إلى إطار انتقالي قادر على استعادة مؤسسات الدولة، وإعادة بناء الثقة، وتهيئة الأساس لنظام دستوري ديمقراطي. ويجب أن يستفيد هذا الانتقال من دروس التجارب السابقة، وأن يؤسس لترتيبات مؤسسية أكثر وضوحاً، وآليات للمساءلة والرقابة المدنية.

 

رابعاً: اتباع نهج شامل لإصلاح القطاع الأمني.

لا يمكن لدولة ديمقراطية مستقرة أن تقوم في ظل وجود جيوش متنافسة وتشكيلات مسلحة مستقلة. ويجب أن يكون الهدف النهائي هو بناء مؤسسة أمنية موحدة ومهنية، تعكس التنوع الوطني، وتعمل تحت سلطة مدنية دستورية.

 

خامساً: عقد اجتماعي جديد للسودان.

ولعل هذه هي المهمة الأهم على المدى الطويل. فلا يمكن حل أزمة السودان عبر صفقة سياسية مؤقتة أخرى تترك العلاقة الأساسية بين الدولة ومواطنيها على حالها. نحن بحاجة إلى ميثاق وطني جديد يقوم على المواطنة المتساوية، والمشاركة الديمقراطية، والعدالة، واحترام التنوع، والتنمية المتوازنة، والتوزيع العادل للسلطة والموارد.

ويجب أن ينطلق هذا الميثاق من الاعتراف بأن تنوع السودان الإثني والثقافي والديني واللغوي والجهوي يمثل مصدر ثراء وطني، وليس مشكلة ينبغي التعامل معها. كما يجب أن يعالج التهميش التاريخي الذي عانت منه الأقاليم والمجتمعات المختلفة، وأن يؤسس لعلاقة أكثر عدلاً بين المركز والأطراف.

لا ينبغي أن يكون طموحنا مجرد استعادة السودان الذي كان قائماً قبل الحرب، بل بناء سودان أكثر عدلاً وشمولاً وديمقراطية، وأكثر قدرة على ترسيخ السلام واستدامته.

 

  1. مسؤولية المجتمع الدولي

 

السيدات والسادة،

اسمحوا لي أن أتوقف قليلاً عند البعد الدولي للأزمة السودانية.

إن لهذه الحرب تداعيات عميقة تتجاوز حدود السودان. فآثارها تمتد إلى منطقة القرن الأفريقي والساحل والبحر الأحمر، وإلى الدول المجاورة التي استضافت بسخاء ملايين السودانيين النازحين واللاجئين.

ويهدد استمرار الصراع الاستقرار الإقليمي والتنمية الاقتصادية والأمن الدولي.

وللولايات المتحدة، بالتعاون مع شركائها الإقليميين والدوليين، دور مهم في دعم التوصل إلى تسوية تفاوضية. ونحن نرحب بالمبادرات الدبلوماسية الرامية إلى تحقيق هدنة إنسانية، وإنهاء الأعمال العدائية، والدفع نحو انتقال تقوده القوى المدنية.

لكن هذه المبادرات تحتاج إلى انخراط دبلوماسي مستمر وتنسيق فعّال. فقد أسهم تشتت جهود الوساطة، وتضارب المصالح الإقليمية، وتذبذب الاهتمام الدولي، في تعقيد مساعي السلام.

وهناك حاجة ملحة إلى نهج أكثر اتساقاً وتماسكاً. ويجب أن يمنح هذا النهج الأولوية لحماية المدنيين، وإيصال المساعدات الإنسانية، والتوصل إلى وقف موثوق لإطلاق النار، وتنسيق جهود الوساطة، وضمان مشاركة مدنية حقيقية. كما يجب أن ينطلق من حقيقة أن مستقبل السودان لا يمكن أن تحدده الأطراف الخارجية، مهما بلغت درجة نفوذها.

فالدعم الدولي ضروري، لكن ملكية السودانيين للعملية السياسية أمر لا غنى عنه.

يمكن للمجتمع الدولي أن يساعد في تهيئة الظروف اللازمة للسلام، لكن الشعب السوداني هو من يجب أن يقرر، في نهاية المطاف، المستقبل السياسي لبلاده.

 

  1. دور الأساتذة السودانيين في الولايات المتحدة: من التضامن إلى الإسهام الوطني

 

الحضور الكريم،

أود الآن أن أتوجه مباشرة إلى رابطة الأساتذة السودانيين بالولايات المتحدة الأمريكية.

لقد ظل الإنسان السوداني على الدوام أعظم موارد بلادنا. فعلى الرغم من عقود من عدم الاستقرار السياسي، والصعوبات الاقتصادية، والصراعات، استطاع السودانيون والسودانيات أن يحققوا نجاحات متميزة في الجامعات والمؤسسات البحثية والمستشفيات والمنظمات الدولية والمجالات المهنية في مختلف أنحاء العالم. ويمثل السودانيون في المهجر رصيداً استثنائياً من المعرفة والخبرات والتجارب وشبكات العلاقات الدولية.

والسؤال المطروح في هذه اللحظة الحرجة هو: كيف يمكن تحويل هذا الرصيد الكبير من الكفاءات إلى إسهام منظم في التعافي الوطني؟

أود أن أقترح على رابطة الأساتذة السودانيين النظر في إنشاء «شبكة المعرفة السودانية للسلام والتعافي وإعادة الإعمار»، تجمع الأكاديميين والمهنيين السودانيين في أمريكا الشمالية وخارجها.

ويمكن لهذه الشبكة أن تسهم في خمسة مجالات استراتيجية.

أولاً: دعم عملية السلام من خلال البحث والتحليل المتخصص للسياسات.

يمكن للخبرات الأكاديمية أن تسهم في إثراء النقاشات المتعلقة بحل النزاعات، والترتيبات الدستورية، والفيدرالية، وإصلاح القطاع الأمني، والعدالة الانتقالية، والمصالحة الوطنية.

 

ثانياً: التحضير للتعافي الاقتصادي بعد الحرب.

سيحتاج السودان إلى استراتيجيات موثوقة لاستعادة استقرار الاقتصاد الكلي، وتأهيل القطاع الزراعي، وإعادة بناء البنية التحتية، وإنعاش القطاعات الإنتاجية، وخلق فرص العمل. ويمكن لمجتمعاتنا الأكاديمية والمهنية أن تساعد في إعداد مقترحات عملية للسياسات العامة تستند إلى الأدلة والمعرفة العلمية.

 

ثالثاً: إعادة بناء مؤسسات التعليم والبحث العلمي.

يمثل تدمير الجامعات السودانية وتعطيل عملها أحد أخطر الآثار طويلة المدى للحرب. ويمكن للشراكات مع الجامعات الأمريكية أن تسهم في دعم الطلاب المتأثرين بالنزوح، واستعادة البرامج الأكاديمية، وتطوير منصات التعليم الرقمي، وإعادة بناء القدرات البحثية.

 

رابعاً: تعزيز المؤسسات العامة والحوكمة.

سيحتاج السودان إلى عملية واسعة لإعادة بناء مؤسساته، تشمل الإدارة العامة، والإدارة المالية، والنظم الصحية، والحكم المحلي، وقطاع العدالة. ويمكن للمهنيين السودانيين بالخارج أن يقدموا إسهامات قيّمة عبر التدريب، والمساعدة الفنية، والشراكات المؤسسية، وبرامج الإرشاد ونقل الخبرات.

 

خامساً: دعم الحوار الوطني وتطوير عقد اجتماعي جديد.

يمكن للمؤسسات الأكاديمية أن توفر مساحات مستقلة للنقاش الجاد حول القضايا الصعبة التي ظلت تقسم المجتمع السوداني لأجيال.

ويمكن للرابطة أن تساعد في تيسير بحوث وحوارات شاملة حول المواطنة والهوية واللامركزية والحكم الديمقراطي والتنمية العادلة.

وأشجع رابطة الأساتذة السودانيين على النظر في تنظيم منتدى متخصص حول التعافي وإعادة الإعمار في السودان بعد الحرب، يجمع العلماء السودانيين وممثلي المجتمع المدني وصناع السياسات ومؤسسات التنمية الدولية. ويمكن لهذا المنتدى أن يضع خارطة طريق عملية لإعادة الإعمار والإصلاح المؤسسي.

وأود أن أؤكد أن هذا الإسهام لا يحتاج إلى انتظار نهاية الحرب. يمكن أن يبدأ العمل التحضيري من الآن. بل إننا كلما بدأنا التخطيط للسلام مبكراً، كنا أكثر استعداداً عندما تحين فرصة التعافي الوطني.

 

  1. التعلم من ماضينا والاستعداد لمستقبلنا

 

الأصدقاء الأعزاء،

يحمل تاريخ السودان الكثير من مصادر الإلهام والدروس المهمة. فقد أثبتت ثورة أكتوبر 1964، وانتفاضة أبريل 1985، وثورة ديسمبر 2018، القدرة الاستثنائية للشعب السوداني على الحشد السلمي من أجل الحرية والكرامة والحكم الديمقراطي.

لكن تجارب الانتقال المتكررة كشفت أيضاً هشاشة المؤسسات الديمقراطية، وصعوبة تحويل تطلعات الثورات إلى نظم حكم مستدامة. وعلينا أن نكون مستعدين لمواجهة هذه الدروس بصدق وتواضع.

يجب أن نعترف بأخطاء تجارب الانتقال السابقة، بما في ذلك أخطاؤنا نحن.

ويجب أن ندرك أن الاتفاقات السياسية وحدها لا تكفي، ما لم تستند إلى مؤسسات فاعلة، وشرعية اجتماعية واسعة، وآليات واضحة للمساءلة.

وعلينا كذلك أن نتجاوز سياسات الإقصاء والتنافس الذي يقوم على أن مكسب طرف لا بد أن يكون خسارة لطرف آخر.

فلا يمكن أن يُحكم السودان بصورة مستدامة من خلال هيمنة إقليم واحد، أو آيديولوجيا واحدة، أو تنظيم سياسي واحد، أو فصيل مسلح واحد. إن مستقبلنا يتوقف على بناء دولة ينتمي إليها جميع مواطنيها على قدم المساواة.

وهذا يتطلب تحولاً جذرياً في ثقافتنا السياسية:

من المواجهة إلى الحوار.

ومن الإقصاء إلى الشمول.

ومن عسكرة السياسة إلى الحكم المدني.

ومن المحسوبية إلى المؤسسات الخاضعة للمساءلة.

ومن السعي إلى السلطة باعتبارها غاية في ذاتها، إلى فهم القيادة السياسية بوصفها خدمة عامة.

لن تتحقق هذه التحولات بين عشية وضحاها، لكن من دونها نخاطر بإعادة إنتاج الظروف نفسها التي أوصلت السودان إلى مأساته الراهنة.

 

  1. رسالة أمل

 

السيدات والسادة.

رغم الدمار الذي شهدته السنوات الثلاث والنصف الماضية، فإنني أرفض الاعتقاد بأن الحرب يجب أن تحدد مستقبل السودان.

لقد أظهر شعبنا شجاعة وقدرة استثنائية على الصمود.

رأينا متطوعين شباباً يخاطرون بحياتهم لإيصال الغذاء والدواء.

ورأينا نساءً ينظمن شبكات الإغاثة ويساندن المجتمعات النازحة.

ورأينا مهنيين يحافظون على استمرار الخدمات الأساسية في أصعب الظروف.

كما رأينا السودانيين في مختلف أنحاء العالم يحشدون الموارد والخبرات وروح التضامن.

وتذكرنا هذه الجهود بأن الأسس الأخلاقية والاجتماعية التي يقوم عليها وطننا لم تختفِ.

إن روح ثورة ديسمبر، وتطلعاتها إلى الحرية والسلام والعدالة، لا تزال حية. ومسؤوليتنا هي تحويل هذه الروح إلى مشروع وطني عملي قادر على إنهاء الحرب وبناء مستقبل ديمقراطي.

ونحن ملتزمون بمواصلة الإسهام في هذا الجهد من خلال الحوار، والعمل السياسي السلمي، والتعاون مع كل من يلتزم بصدق بإنهاء معاناة الشعب السوداني.

لا ندعي أننا نملك جميع الإجابات، ولا نزعم أن أي تحالف مدني واحد يستطيع بمفرده حل أزمة السودان.

لكننا نؤمن بأن الحل المستدام لا بد أن ينبع من جهد وطني واسع يضع مصالح الشعب السوداني فوق الاعتبارات السياسية أو المؤسسية الضيقة.

إن المهمة أكبر من أي تنظيم، وأكبر من أي فرد.

إنها مسؤولية وطنية تتطلب التعاون والتوافق والاستعداد لتقديم مستقبل السودان على انقسامات الماضي.

 

الخاتمة: دعوة إلى تحمل المسؤولية المشتركة

 

السادة العلماء والزملاء الأجلاء،

اسمحوا لي أن أختتم حديثي بثلاث رسائل.

رسالتي الأولى إلى القوى المدنية السودانية.

إن مسؤوليتنا هي تجاوز التشرذم، وتعزيز التعاون، وتطوير برنامج مشترك ذي مصداقية لإنهاء الحرب واستعادة الحكم المدني الديمقراطي.

 

فالتاريخ لن يحكم علينا بما نصدره من بيانات، وإنما بما نقدمه من إسهام في إنقاذ وطننا وتخفيف معاناة شعبنا.

 

رسالتي الثانية إلى شركائنا الإقليميين والدوليين.

يحتاج السودان بصورة عاجلة إلى انخراط دبلوماسي مستمر ومنسق.

إن ثمن استمرار التقاعس لا يُقاس بالمعاناة الإنسانية وحدها، بل أيضاً بتزايد خطر تفكك الدولة وانهيارها، وتهديد الاستقرار الإقليمي.

لقد حان الوقت للانتقال من بيانات التعبير عن القلق إلى الدعم الفعّال لعملية سلام ذات مصداقية.

 

رسالتي الثالثة إلى المجتمع الأكاديمي والمهني السوداني.

إن معارفكم وخبراتكم وتجاربكم وشبكات علاقاتكم الدولية عناصر لا غنى عنها لتعافي السودان.

ولا يمكن ترك مهمة إعادة بناء بلادنا للقادة السياسيين والحكومات وحدهم.

فهي تتطلب الإسهام الجماعي لعلمائنا ومعلِّمينا واقتصاديينا ومهندسينا وأطبائنا وباحثينا ورواد أعمالنا ومختلف كوادرنا المهنية.

إن خبراتكم ليست مجرد إنجازات شخصية، بل هي ثروة وطنية.

وفي هذه اللحظة التاريخية، يحتاج السودان إلى هذه الثروة أكثر من أي وقت مضى.

 

الأصدقاء الأعزاء،

نحن اليوم أمام خيارين: إما أن نترك الحرب تحدد مستقبل السودان، أو أن نعمل معاً حتى تصبح هذه المأساة نقطة تحول في تاريخنا الوطني.

إن السودان الذي ننشده هو وطن يعيش في سلام مع نفسه ومع جيرانه.

وطن تحكمه المؤسسات الديمقراطية وسيادة القانون.

وطن يحتفي بتنوعه ويضمن المواطنة المتساوية للجميع.

وطن يستطيع فيه الشباب أن يحلموا بمستقبل دون خوف.

وطن تشارك فيه النساء مشاركة كاملة، وعلى قدم المساواة، في صياغة الحياة الوطنية.

وطن تصبح فيه الجامعات ومؤسسات البحث العلمي ومراكز الابتكار محركات للتنمية والتقدم.

وفوق كل ذلك، وطن تُحَلُّ فيه الخلافات السياسية بالحوار والوسائل الديمقراطية، لا بقوة السلاح.

إن واجبنا العاجل هو وقف الحرب، ومسؤوليتنا التاريخية هي ضمان ألا تتكرر أبداً.

فلنعمل معاً لتحويل مأساة الحاضر إلى فرصة للتجدد الوطني.

ولنكرّم تضحيات شعبنا، لا بمجرد تذكرها، بل ببناء سودان يليق بتلك التضحيات.

ولنبقَ متحدين حول قناعة أساسية واحدة:

يجب أن يتشكل مستقبل السودان وفق تطلعات شعبه، لا وفق طموحات الذين يشعلون الحروب.

 

أشكركم على حسن استماعكم.

+++++++++++++++++++++++++++

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *