أماني أبوسليم
دفعت الحرب أزمة التعليم إلى مستوى يصعب حتى حصره وقياسه، رغم ما كان يعانيه من أزمات مزمنة قبل اندلاعها، حين كان ملايين الأطفال خارج المدارس. بحسب تقديرات اليونيسف، كان نحو 6.9 مليون طفل خارج المدرسة قبل الحرب، وارتفع العدد إلى نحو 14 مليون طفل خارج التعليم النظامي في أغسطس 2025. ورغم عودة بعض المدارس وتفاوت الأوضاع بين الولايات، يظل الانقطاع كارثياً.
وأثر الحرب على التعليم ليس خفياً يصعب إدراكه أو معرفة أثره. فكل أسرة لديها أبناء في مراحل الدراسة تعرف، من تجربتها، ما أصاب تعليمهم من انقطاع واضطراب وتعثر، وما واجهوه من صعوبة في مواصلة الدراسة أو الانتقال إلى مرحلة جديدة. ويمكن لكل أسرة مقارنة المسار الذي كان يفترض أن يسير فيه أبناؤها بما آل إليه واقعهم. إنها تجربة تكشفها حياة الناس كل يوم، دون الحاجة إلى قراءة تقارير.
لكن ماذا تعني هذه الأرقام والتجارب خارج حدود الإحصاء؟.
إن توقف التعليم يعني انقطاع سلسلة متصلة من اكتساب المعرفة والخبرة والمهارات، وهي سلسلة تتكون عبر الأجيال ويعتمد عليها المجتمع في إعداد كوادره.
فالطفل الذي لا يجد مدرسة قد يُحرم من أساسيات التعليم ويظل أمياً وجاهلاً، والطفل المنقطع عن المدرسة تتأثر فرص تقدمه في المراحل التعليمية، والطالب الذي تتوقف دراسته قد يفقد فرصة التخصص والتأهيل. أما في التخصصات التي تعتمد على التدريب والممارسة العملية، كالطب والتمريض، فإن انقطاع الدراسة والتدريب يترك فجوات يصعب تعويضها.
وهكذا نخسر كل يوم فرصاً جديدة لاكتساب المعرفة وتطوير المهارات وتوسيع الوعي ومواكبة ما يشهده العالم من تطور.
وفي الوقت نفسه، يغادر المعلمون وأصحاب الخبرات البلاد، أو يضطرون إلى ترك مهنهم، وهكذا تتسع فجوة التعليم والمعرفة، وتمتد آثارها إلى أجيال وأجيال تالية.
التعليم عملية متواصلة لإنتاج المعرفة ونقل الخبرة وتطوير الوعي. ومن دونه تتراجع قدرة الناس على التفكير والتحليل والتمييز، وتضعف قدرة المجتمع على فهم ما يجري حوله ومساءلة من يديرون شؤونه والمشاركة في تقرير مستقبله، أو باختصار، من دونه تغوص المجتمعات في الجهل وآثاره التي لا تخفى على أحد.
يقدم بيان لجنة المعلمين السودانيين الصادر في 27 أكتوبر 2026 صورة مما يحدث. إذ تحدث عن تناقص أعداد التلاميذ والطلاب، خاصة في المدارس الطرفية، وعن معلمين يعجز بعضهم عن الوصول إلى مدارسهم بسبب تكلفة المواصلات، إلى جانب تدهور أوضاع المعلمين وما يصاحبه من إحباط وزهد في المهنة. وحذّر البيان مما وصفه بتجفيف التعليم الحكومي. وهي مؤشرات على ضياع القدرة على الحفاظ على المؤسسات التعليمية وإعداد الأجيال.
القوى البشرية هي الثروة القومية الأهم، وهي التي تمنح بقية الموارد قيمتها. فإذا كان السودان يمتلك النيل والأراضي الزراعية والذهب والمعادن والثروة الحيوانية ومصادر الطاقة، فما قيمة هذه الموارد من دون عقول وخبرات ومهارات قادرة على استثمارها وإدارتها وحمايتها؟.
لقد عانى السودان، حتى قبل الحرب، من ضعف قدرته على توظيف المعرفة والخبرات في استثمار موارده وإدارة ثرواته، فكيف سيكون الحال مع استمرار الحرب وما تسببه من تراجع مريع في التعليم وفقدان للكفاءات؟.
فالنيل لا يصنع وحده اقتصاداً زراعياً متقدماً، والذهب لا يتحول تلقائياً إلى ثروة. العلم والمعرفة والخبرة والعمل هي ما يحوّل الموارد إلى قيمة.
هنا سؤال مهم لا يمكن تجاهله: هل يصبح تجهيل المجتمع وإضعاف قدرته على العمل والوعي والنقد وسيلة للسيطرة عليه؟.
فالمجتمع الذي تتراجع فيه فرص التعليم وتضعف فيه أدوات المعرفة والمساءلة، يصبح أقل قدرة على حماية موارده وحقوقه، وأقل قدرة على محاسبة القوى التي تدير حاضره وتقرر مستقبله.
ومن هنا، لا يتعلق الأمر بخسارة التعليم وحده، بل بما قد تتيحه هذه الخسارة من فرص للتضليل والاستغلال والسيطرة. فمن الذي يستفيد من مجتمع أضعف تعليماً، وأقل قدرة على المساءلة؟.
ومن يؤيدون استمرار الحرب بدافع الانتصار على الباغي أو سعياً إلى الانتقام، عليهم أن ينظروا إلى ما يحدث خارج ساحات القتال. فمع كل ما أصاب الأمن والغذاء والصحة من دمار، إذا وجهنا أنظارنا إلى التعليم وحده، فهل ننتقم من الطرف الآخر أم من أنفسنا ومن أجيال قادمة لم تشارك في الحرب وستدفع ثمنها سنوات طويلة؟.
كيف يمكن لعاقل أن يرى ما يحدث للتعليم، وما يترتب عليه من فقدان للمعرفة والخبرات والكفاءات، ثم يواصل تأييد استمرار الحرب دون أن يجعل وقفها أولوية؟ وأي مكسب، مهما كان حجم الانتصار الذي يتطلع إليه، يمكن أن يعادل خسارة أجيال من المتعلمين، وتبدد الخبرات، وتراجع قدرة البلاد على بناء مؤسساتها وإدارة مواردها؟.
ما يعنيه أن تستمر الحرب يوماً إضافياً هو أن تتسع الفجوة المعرفية، وأن تُضاف أجيال جديدة إلى قائمة المحرومين من التعليم، وأن تُدفع أجيال جديدة إلى ظلام الأمية والجهل، فضلاً عن مغادرة مزيد من أصحاب الخبرات أو ابتعادهم عن مهنهم، وأن تصبح استعادة ما فُقد أصعب وأكثر تكلفة وتعقيداً.
وقف الحرب الآن يوقف إضافة خسائر جديدة، ويتيح إنقاذ ما تبقى من المؤسسات والكفاءات، وإعادة الأجيال المتضررة إلى مسارات التعليم، ومعالجة الفاقد التعليمي، ووقف الاستنزاف المستمر.
وقف الحرب دفاع عن حق الناس في التعليم، وقبله في الحياة نفسها والأمن والغذاء والصحة، وعن حق الأجيال القادمة في فرص الحياة والتطور والمواكبة.
إننا كل يوم نخسر جزءاً عزيزاً من حاضرنا، ونخسر معه القدرة على استعادته، وكل يوم إضافي في الحرب ينتزع من أجيال كاملة ما كان يمكن أن تصنعه لمستقبلها ولمستقبل البلاد.