نسير.. لكن إلى أين؟

نسير.. لكن إلى أين؟

أماني أبوسليم

نمضي بخطىً تتفاوت بين العجلة والتعب. نرفع أعيننا نحو الهدف، فنجد كلمات أكثر مما نجد ملامح. عدالة، حرية، دولة مدنية، عناوين واسعة، تتشكل في أذهاننا بصور مختلفة. بعضنا يختصرها حتى تبهت، وبعضنا يحمّلها أكثر مما تحتمل، فتغدو بعيدة عن التحديد. وبين هذا وذاك، يتعدد الطريق، ويتشعب المسار.
يبدو الهدف كأنه مجموعة أهداف، تلتقي أحياناً وتتباعد أحياناً أخرى. نسير جميعاً، لكن ليس بالضرورة نحو نفس الوجهة. ومع كل عقبة، يتجدد السؤال: هل نواجهها أم نتجاوزها؟ نستهلك الوقت في المفاضلة، ثم نلتفت لنجد أن المسافة لم تقصر، كما ظننا.
المسافة ليست دائماً هي المشكلة. حين لا تتضح ملامح الهدف، يصبح من الصعب أن نعرف إن كنا نقترب أم نبتعد. الطريق يفقد بوصلته، ويمكن لأي اتجاه أن يبدو مقنعاً في لحظته.
في هذا السياق، يحدث انزلاق هادئ في تعريف أفعالنا. نصير أكثر تركيزاً على ما نريد إزالته، وأقل تركيزاً على ما نريد أن نقيمه. تتحول خطواتنا إلى ردود فعل، نقيسها بحجم ما واجهناه، لا بما أنشأناه. نعدّ العقبات التي تراجعت، ولا نلتفت بالقدر نفسه إلى ما أصبح قائماً وثابتاً.
الهدم يستنزف طاقة مستمرة، والبناء يعيد تشكيلها. ومع ذلك، تميل الكفة نحو المواجهة وحدها. تُزال عقبة، فينشأ فراغ. يتأخر ملؤه، فنفقد زمناً إضافياً. يتكرر التأخير، مرة بعد مرة، حتى يصبح جزءاً من المسار نفسه.
وعندما نختار تجاوز العقبات، يتغير الاتجاه بهدوء. انحراف صغير يتبعه آخر، ثم نجد أنفسنا في طريق لم نقصده. نظن أننا ما زلنا نسير نحو الهدف، بينما المسار يقود إلى مكان آخر.
المسألة تتعلق بكيفية تعريف الفعل، لا بنوعه فقط. أن تكون كل خطوة مرتبطة بما تبنيه، لا فقط بما تعارضه. أن تتشكل المواجهة وفي داخلها ملامح بديل واضح.
في ساحة العمل العام، حين تتعثر مؤسسة خدمية مثلاً، مستشفى، مدرسة، أو مرفق أساسي، ينصرف الجهد غالباً إلى كشف الخلل ومقاومته. تتكاثر الشكاوى، تتصاعد الحملات، ويُبذل جهد كبير في توصيف الأزمة. لكنّ مساراً آخر يُفتح حين يتجه التفكير إلى نموذج تشغيل مختلف، إدارة واضحة، آلية تمويل، معايير أداء، وتجربة قابلة للتطبيق. هنا يتحول الجهد من استنزاف في توصيف المشكلة إلى بناء شيء يمكن أن يُعمل، ويقاس، ويُحتذى.
بهذا المعنى، يتغير شكل الطريق. لا يعود سلسلة من ردود الفعل، بل مساراً تتراكم فيه نتائج ملموسة. يتغير الحساب من متابعة ما تراجع، إلى تثبيت ما قام.
في السودان، تبدو الطاقة حاضرة في المواجهة، عالية في رفض ما هو قائم. لكن صورة ما نريد بناءه لم تكتمل بعد بما يكفي لتجمع هذه الطاقة في اتجاه واحد. لذلك تتعدد المسارات، وتتفاوت الخطوات، ويطول الطريق.
الدولة التي تحلم بها الشعوب لا تظهر دفعة واحدة بعد زوال ما قبلها. تتشكل ملامحها تدريجياً، في كل نموذج ناجح، في كل فكرة قابلة للتطبيق، في كل بناء يصمد ويُضاف إلى ما قبله.
نحن بحاجة إلى أن نرى ما نريده بوضوح يكفي لقيادة الخطوة التالية. أن نتحرك نحو صورة تتشكل، لا فقط بعيداً عمّا نرفض. الطريق يرسمه ما نقيمه على امتداده، لا ما نتجاوزه فقط.
وحين تتضح الملامح، يصبح السؤال مختلفاً: ماذا أصبح قائماً بين أيدينا ويمكنه أن يحملنا إلى الأمام؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *