حتى لا يسقط البرهان: على الشعب أن يصبر، وعلى الحكومة ألا تفعل شيئاً

 

قراءة في مقال محمد عبد القادر: «هل يكون البرهان آخر رئيس للسودان؟»

 

ثمة انقلاب لافت، وإن لم يكن مفاجئاً، في خطاب بعض أشد الكتاب المدافعين عن استمرار الحرب. فبعد أكثر من ثلاث سنوات ظلوا خلالها يطمئنون البرهان، ويؤكدون له أن الشعب كله يقف خلفه، وأن السودانيين مستعدون للصبر والتحمل والتضحية مهما طال أمد الحرب، بدأ بعضهم يكتشف فجأة أن هذا الشعب قد يخرج إلى الشارع، وأن الغضب من الأوضاع المعيشية قد يتحول إلى احتجاج يستهدف الحكومة والقيادة العسكرية نفسها، وربما يطالب بإسقاطها.

هذا التحول تجسّده بوضوح مقالة الأستاذ محمد عبد القادر، المنشورة بصحيفة «الكرامة» التي يرأس تحريرها، تحت عنوان مثير: «هل يكون البرهان آخر رئيس للسودان؟».

المفارقة أن المقال لا يأتي من معسكر «صمود»، ولا من الأصوات التي ظلت تطالب بإنهاء الحرب، وإنما من داخل المعسكر الإعلامي المدافع عن استمرارها. ولذلك فإن أهميته لا تكمن فقط في مضمون التحذيرات التي أطلقها، وإنما في التحول الذي يعكسه في خطاب هذا المعسكر. فبعد أن كانوا يطمئنون البرهان بأن الشعب كله خلفه، أصبحوا اليوم يحذرونه من أن الشعب قد يخرج ضده.

يقول محمد عبد القادر، مخاطباً القيادة العسكرية والمدنية: «عليهم إدراك أنهم فشلوا حتى الآن في إشعار المواطن بجديتهم في إعمار وإنقاذ البلاد». وهذا اعتراف بالغ الدلالة، خصوصاً إذا قورن بخطابهم الأصلي الذي ظلوا يطالبون فيه السودانيين بمزيد من الصبر وربط الأحزمة على البطون، ويصورون أي حديث عن الأوضاع المعيشية باعتباره انصرافاً عن معركة الكرامة، التي يقف خلفها الشعب ويؤيدها.

ومحمد عبد القادر لا يقف عند الاعتراف بالفشل، بل يذهب إلى التحذير من نتائجه، قائلاً إن الأزمات المتناسلة بسبب سوء إدارة الدولة «ستفضي إلى ما لا يُحمد عقباه إذا ضاق الناس وقرروا الخروج إلى الشارع أملاً في التغيير».

وبهذا فهو يكشف، بقصد أو من دونه، أن الخوف لم يعد محصوراً في خسارة معركة عسكرية أو استمرار سيطرة الدعم السريع على أجزاء من البلاد، وإنما أصبح هناك خوف من خسارة الشارع الذي ظل يُقال للقيادة إنه يقف خلفها بلا تحفظ.

والسؤال يفرض نفسه هنا: أين ذهب ذلك الشعب الذي كان الجميع يتحدث باسمه؟ أين ذهبت الحاضنة الشعبية التي قيل للبرهان إنها مستعدة لتحمُّل كل شيء حتى يتحقق النصر؟ هل نفد صبرها، أم أن الذين كانوا يتحدثون باسمها اكتشفوا متأخرين أنهم بالغوا في تقدير استعدادها لتحمل الفشل؟.

من «الشعب كله خلفك» إلى «احذر، سيخرج الشعب ضدك»؛ يا له من تحول في تقدير الموقف!.

والأكثر مدعاة للسخرية أن الكاتب، المؤيد لاستمرار الحرب والمعارض لأي هدنة، يعدد بنفسه مظاهر المعاناة التي يعيشها السودانيون: «الجوع والمسغبة، والفاقة، وانعدام الوقود والكهرباء والغاز، وارتفاع أسعار المعيشة، وانعدام وضعف خدمات الصحة والتعليم».

وهذه ليست تفاصيل ثانوية يمكن مطالبة الناس بتجاوزها بخطاب وطني أو بعبارات التعبئة. إنها مقومات الحياة الأساسية التي انهارت أو تراجعت بصورة قاسية. ملايين السودانيين يواجهون الجوع وانعدام الأمن الغذائي، وتؤكد بيانات برنامج الأغذية العالمي في أكتوبر 2026 أن نحو 19.5 مليون شخص يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي، بينهم خمسة ملايين في مستويات الطوارئ. كما تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن 37% من المرافق الصحية في البلاد توقفت عن العمل بحلول عام 2026.

وهنا نذكِّر محمد عبد القادر بما سقط عن قائمته: تعطل التعليم، وفقدان مصادر الدخل، وانهيار قيمة الجنيه، وتآكل المرتبات، وارتفاع تكاليف المعيشة، وأزمات المياه والصرف الصحي، وانهيار قطاعات واسعة من النشاط الاقتصادي، والملايين في معسكرات النزوح واللجوء. فهل كان هؤلاء الذين طالبوا الناس بالصبر، ومحمد عبد القادر واحد منهم، يتوقعون أن يتحول الصبر إلى مورد لا ينفد، وأن المواطن يستطيع أن ينتظر الانتصار العسكري وهو عاجز عن توفير الغذاء والدواء لأسرته؟.

المثير في المقال أن الكاتب، بدلاً من أن يجعل اعترافه بسوء الأوضاع مدخلاً لمساءلة الخطاب الذي ظل يبرر استمرار الحرب ويطالب الناس بالتضحية، ينتقل إلى تحذير المعارضة، وبالتحديد «قحت وصمود»، من استغلال الأزمة وتحريك الشارع، مستدعياً في استهزاء بالثورة ما أسماه تجربة «تسقط بس»، قائلاً، لا فض فوه، إن محاولة تحريض الشارع تنطوي على مخاطر لا تحتمل تكرار سيناريوهات «تسقط بس».

والمفارقة هنا أن المواطن الذي يُطلب منه أن يصبر على الجوع وانقطاع الكهرباء وانعدام العلاج، يُطلب منه أيضاً ألا يسمح لأحد بأن يستثمر غضبه، وكأن المشكلة ليست في وجود أسباب حقيقية للغضب، وإنما في احتمال أن يكتشف المواطن أن له حقاً في التعبير عنه.

ويقدم للمعارضة نصيحة بألا تضغط من أجل التغيير إلا بعد الحرب، وكأن الحرب موعد مفتوح يمكن تأجيل الحقوق السياسية والمعيشية إلى حين انتهائها، دون أن يكون هناك تاريخ محدد لذلك.

والأكثر إثارة للسخرية أن الكاتب يخاطب البرهان محذراً من أن يسجل التاريخ أنه كان آخر رئيس للسودان الموحد، ثم يخاطب الشعب مطالباً إياه بمزيد من الصبر والحكمة، ويحذر المعارضة من تحريضه على التغيير. وما يريد أن يقوله هنا: على الحكومة أن تنتبه، وعلى الشعب أن يصبر، وعلى المعارضة أن تنتظر!.

أما من الذي يتحمل مسؤولية الفشل، ومن الذي يدفع ثمنه يومياً، فهذه تفاصيل يمكن تأجيل مناقشتها إلى ما بعد الانتصار.

لقد ظل بعض مؤيدي استمرار الحرب، ومنهم محمد عبد القادر، يقدمون للقيادة العسكرية صورة وردية عن الجبهة الداخلية، ويصورون التأييد للجيش باعتباره تفويضاً سياسياً شاملاً، ويطالبون البرهان بالمضي في الحرب، مستندين إلى أن الشعب كله معه، وأنه مستعد لدفع أي ثمن. اليوم، يبدو أن بعض هؤلاء بدأوا يدركون أن تلك الصورة لم تكن دقيقة، وأن التأييد للجيش لا يعني بالضرورة تأييد الحكومة، وأن المواطن الذي يرفض الدعم السريع ليس ملزماً بالدفاع عن سوء الإدارة أو السكوت عن انهيار الخدمات.

إن أخطر ما في هذا التحول ليس أن بعض المدافعين عن استمرار الحرب أصبحوا يخشون خروج الشارع، وإنما أنهم اكتشفوا متأخرين أن الشارع الذي كانوا يتحدثون باسمه له احتياجات ومطالب وإرادة مستقلة، وأنه قد يحاسب السلطة التي أيدها عندما تعجز عن إدارة حياته. أمضوا أكثر من ثلاث سنوات يقولون للبرهان إن الشعب كله معه، واليوم يقولون له: احذر، فقد يخرج الشعب ضدك. وبين الرسالتين تكمن حكاية حرب استُهلك فيها رصيد الصبر، وتآكلت فيها قدرة الناس على الاحتمال، وبدأت فيها أصوات كانت تطالبهم بالتضحية تخشى من نفاد تضحياتهم.

فهل اكتشفوا أخيراً أن الشعب ليس شيكاً مفتوحاً باسم الحرب، أم أنهم يخشون فقط أن يفقد البرهان السلطة قبل أن يتحقق الانتصار الذي ظلوا يعدون به؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *