أونور حامد
مساء 8 يونيو 2026، في شارع كينيرد أفينيو، وقبل أن تتمكن الشرطة من الوصول إلى موقع الجريمة، شاهد المارة المتهم “هادي” (30 عامًا)، وهو طالب لجوء سوداني، عُرف في المحكمة باسم Hadi Alodid، ويبدو أن الأصح هو الهادي العبيد حسب ما تداولته مواقع التواصل الاجتماعي، وهو يعيش في نفس المبنى جالسًا فوق ضحيته. سارع ثلاثة رجال، أحدهم كان يحمل عصا “الهيرلينغ” الرياضية للتدخل ومواجهة المجرم الذي كان يصرخ ويغرز السكين بدم بارد في جسد ضحيته، وتمكنوا من سحبه بعيدًا عن الضحية وإسقاط السكين من يده، قبل أن تصل قوات الشرطة وتعتقله.
لقد تم توثيق تدخل هؤلاء المارة في العديد من التقارير الإخبارية والإجراءات القضائية. وللأسف، فقد أوجيلفي عينه اليسرى بالكامل، وتضررت عينه اليمنى بشدة، إضافة إلى طعنات غائرة في الرأس والوجه والظهر.
المتهم، الذي دخل إلى آيرلندا الشمالية عبر الحدود البرية من دبلن في جمهورية آيرلندا، بحسب ما أعلنت عنه السلطات، وحصل على حق البقاء حتى عام 2028، وُجّهت إليه تهمة محاولة القتل، بالإضافة إلى تهديده بقتل مسعفة حاولت إنقاذه لاحقًا. وقد أمر القاضي بحبسه احتياطيًا “لحمايته هو أيضًا”، من رد الفعل والغضب الشعبي.
تعتبر الجريمة التي وقعت في بلفاست مروِّعة وبشعة جداً ونتمنى عاجل الشفاء للضحية، وأن تتم محاكمة الجاني المجرم ويفتح تحقيق قانوني عادل من دون استغلال الجريمة وتصعيد خطاب مضاد للمهاجرين جميعاً.
رغم أنه سوداني إلا أن هادي يعبر عن سلوك شخصي قد تكون له دوافع شخصية، ولا يمكن بأي شكل من الأشكال أن يتم إلصاق فعل الجرم والوحشي كسلوك مجتمعي يتصف به السودانيون.
بين شنغن (آيرلندا الجنوبية) والمملكة المتحدة (آيرلندا الشمالية): الحدود المفتوحة، هل ستتغير؟!
تعيش جزيرة آيرلندا اليوم واحدة من أكثر لحظاتِها حساسية منذ توقيع اتفاقية الجمعة العظيمة عام 1998، تلك الاتفاقية التي أنهت عقودًا من العنف وفتحت الطريق أمام نموذج فريد من نوعه في أوروبا: حدود مفتوحة بين دولتين تتبعان نظامين سياسيين وقانونيين مختلفين تمامًا. ومع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ثم اعتماد إطار وندسور لتنظيم العلاقة بين آيرلندا الشمالية والاتحاد الأوروبي، أصبحت الجزيرة نقطة التقاء معقّدة بين منطقة شنغن من جهة، والمملكة المتحدة من جهة أخرى.
لكن حادثة بلفاست الأخيرة التي أعادت التوتر إلى الواجهة وفق توقعات محللين لم تكن مجرد حدث عابر، بل كشفت هشاشة التوازن الذي يقوم عليه هذا النظام الحدودي الفريد. لقد أعادت الحادثة طرح أسئلة جوهرية حول مسارات الهجرة، وقواعد التنقّل، ومدى قدرة الاتفاقيات الحالية على الصمود أمام الضغوط السياسية والأمنية المتصاعدة.
تسمح منطقة شنغن بحرية الحركة بين دول الاتحاد الأوروبي، بينما تعتمد المملكة المتحدة نظامًا مستقلًا للهجرة بعد خروجها من الاتحاد اللأوربي والذي يعرف باسم “بريكست”. ورغم هذا التناقض، بقيت الحدود بين آيرلندا الشمالية (UK) وآيرلندا الجنوبية (EU) مفتوحة بالكامل، دون نقاط تفتيش أو فحص جوازات. هذا الاستثناء التاريخي جعل الجزيرة ممرًا محتملًا للهجرة غير النظامية، وأثار مخاوف لدى لندن وبروكسل على حد سواء.
حادثة بلفاست الأخيرة جاءت لتُبرز هذه المخاوف بوضوح، إذ أعادت النقاش حول ما إذا كانت الحدود المفتوحة ما تزال آمنة، وكيف يمكن ضبط الحركة دون المساس بروح اتفاقية الجمعة العظيمة؟.
اتفاقية الجمعة العظيمة تحت ضغط جديد
الاتفاقية التي أنهت الصراع في آيرلندا الشمالية قامت على مبدأين أساسيين:
– إلغاء الحدود الصلبة بين الشمال والجنوب
– تقاسم السلطة بين المكوّنات السياسية
لكن مع تصاعد التوترات الأمنية، وتزايد الحديث عن استغلال الحدود المفتوحة في التنقّل غير القانوني، أصبح السؤال المطروح:
هل يمكن تعزيز الرقابة دون المساس بجوهر الاتفاقية؟
وهل تستطيع بريطانيا والاتحاد الأوروبي الحفاظ على هذا النموذج الفريد في ظل الضغوط المتزايدة؟.
حادثة بلفاست: مؤشر على أزمة أوسع
لم تكن الحادثة مجرد حدث أمني، بل تحوّلت إلى نقطة اختبار لفعالية الترتيبات الجديدة بين بروكسل ولندن. قد تعيد فتح ملفات متعددة وأهمها الاتفاق الحدودي:
– كيفية مراقبة الحركة بين الشمال والجنوب
– تأثير الهجرة على الأمن الداخلي
– قدرة إطار وندسور على حماية الحدود دون خلق حدود فعلية
– مستقبل التعاون الأمني بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة
وبينما يتبادل اليمين الحدث ويخلق منه حشداً شعبياً وتكبر كرة الثلج كلما ارتفع مستوى معدل الجريمة، يبقى الواقع أن الجزيرة تقف اليوم أمام مرحلة إعادة تقييم شاملة لقواعد التنقّل والهجرة. حيث أصبحت آيرلندا الجنوبية وجهة المهاجرين إلى بريطانيا عبر الحدود المفتوحة مع آيرلندا الشمالية، وهي من أكثر الطرق الآمنة للمهاجرين الذين لا يرغبون في العبور عبر قوارب البحر من فرنسا أو بلجيكا.
نحو مرحلة جديدة من النقاش الأوروبي البريطاني
من الواضح أن حادثة بلفاست لن تكون الأخيرة في سلسلة التوترات التي ستعيد أو من المتوقع أن تفتح النقاش لتشكيل العلاقة بين آيرلندا الشمالية وجمهورية آيرلندا. فالتوازن بين حرية الحركة والأمن أصبح أكثر هشاشة من أي وقت مضى، والاتحاد الأوروبي وبريطانيا مطالبان بإيجاد صيغة جديدة تضمن:
– حماية الحدود المفتوحة
– منع استغلالها في الهجرة غير النظامية
– الحفاظ على الاستقرار السياسي في آيرلندا الشمالية
إن ما يجري اليوم ليس مجرد نقاش حول الهجرة، بل هو اختبار لمستقبل الجزيرة بأكملها كما يرى اليمين المتطرف، وللقدرة على الحفاظ على السلام في منطقة لطالما كانت رمزًا للتوتر الأوروبي البريطاني. تصاعد خطاب اليمين الشعبوي منذ فترة وكان يتغذى ويترصد كل صغيرة وكبيرة من أجل الضغط على الحكومة التي تأرجحت كثيراً وتأثرت كثيراً حتى ظهرت سياسات هجرة متشددة مقارنة بالفترة التي سبقتها.
أعلنت الحكومة البريطانية اتفاقية مع فرنسا عرفت بـOne in one out، وهي اتفاقية تنظم الهجرة بين بريطانيا وفرنسا عبر الحدود البحرية، وهي أشبه باتفاقية قيد التجربة رغم تنفيذها، حيث تنظم وتهدف إلى القضاء على مسار الهجرة إلى بريطانيا عبر البحر لتكون عبر نظام تقديم رسمي له شروط، وأول الشروط أن يكون مقدم الطلب في فرنسا أو إحدى دول الاتحاد الأوروبي، وأن لا يكون حاملاً لأي وثيقة لجوء من هذا البلد أو الإقامة فيها.
خاتمة
الشاب الذي يظهر في المقطع المروع هو شاب سوداني رغم بعض الشكوك، لأني بعد متابعتي لمسارات الهجرة والجنقو وتحديداً بعد وصولي إلى ألمانيا عملت عن كثب مع مجتمع الجنقو وتتبع طرق التواصل وشبكات علاقتهم ولغتهم، وغيرها من الخصائص التي يمتاز بها مجتمع الجنقو، وحالياً أعمل على دراسة صغيرة لهذا المجتمع الذي يعاني في السودان والمجهر ويعيش نفسيات صعبة وتحديات الاندماج.
المهاجرون من دول غرب أفريقيا وتشاد والصومال وحتى الإثيوبيين وما إلى ذلك كلهم يستفيدون من وضع السودان بعد حرب 15 أبريل لكي يتحصلوا على إقامات إنسانية أسرع، وفق شرط التحدث باللغة العربية وأن تعرف بعض أسماء مدن وقرى السودان، وهنا يظهر التعاون بين الجنقو المهاجرين، ويأتي دور السودانيين في مد زملائهم بأسماء ومدن وقرى وأي معلومات تفيدهم لكي يتم التعامل مع ملف المهاجر كسوداني. وهذه المسألة لاحقاً تخلق صعوبة وتحدياً لإثبات الجنسية السودانية عند مرحلة التجنيس، وهذا أيضاً يعتمد على سياسات الدول في التجنيس، فمنها ما تتجاوز الأمر، ومنها ما تعتبر ضرورة إثبات الجنسية بأي صورة كانت.
ومع تزايد الجرائم التي يرتكبونها المهاجرون من مختلف الدول الأفريقية تتصاعد مع أصوات اليمين الرافض للهجرة، الذي يستفيد من هذه الاعتداءات بشكل أساسي. ويتصدر المهاجرون سلم الجريمة في بريطانيا، وهذا يجعل الصوت الرافض والذي يطلب تقييد وتضييق سياسات الهجرة صوتاً منطقياً على المستوى الداخلي، وقد يضغط حتى على الحكومة الحالية التي بدأت منذ فترة بتغييرات هيكلية في سياسة الهجرة طالت حتى إقامات الطلاب.
والتحدي الآن يقع على الجاليات السودانية والسفارات وجميع المنظمات السودانية التي تنشط في أوروبا وتحديداً بريطانيا، في إيصال صوت السودانيين الرافض للجريمة وأن لا يستغل اليمين غياب المنظمات السودانية وأن يكون الجهد منظماً وأن نقول بصوت واحد إن الجريمة فردية وليست ثقافة عنف مرتبطة بالمجتمع السوداني.. وهذا يتطلب جهداً دبلوماسياً وسياسياً واجتماعياً كبيراً من السودانيين في المهجر.