وليد عنبوور
لا تكتمل حروب السودان إلا بإدارة روايتها؛ فبينما كانت 31 دولة تحذر، في 24 أكتوبر 2026، من مجاعة تهدد 19.5 مليون شخص، كانت خارجية سلطة الأمر الواقع تصدر، في 27 من الشهر نفسه، بياناً يقول إن الوضع الغذائي في البلاد مطمئن، وإن المخزون الاستراتيجي والعمليات الزراعية الجارية تكفي لسد الاحتياجات.
وبين التحذير والبيان مسافة بين عالمين، لا بين تاريخين؛ عالم يعدّ الجوعى، وعالم يعدّ البيانات التي تنفي وجودهم. وقدّر البيان الدولي المشترك أن خمسة ملايين من هؤلاء يواجهون مستويات طارئة، وأن عدد الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد الوخيم قد يتجاوز 825 ألف طفل، فيما يُتوقع أن يتضاعف عدد المناطق التي تعاني انعدام الأمن الغذائي، والمقدرة مبدئياً بـ14 منطقة.
خارجية تتجاوز اختصاصها: شح الأمطار والجنيه المنهار وإعفاءات تائهة
يبدأ التفكيك من الاختصاص المؤسسي؛ فسلامة الغذاء والتغذية والمخزون الاستراتيجي مسائل لا تحسمها وزارة الخارجية ببيان سياسي، إذ يقع التقييم الفني على عاتق الجهات الزراعية والاقتصادية والإحصائية، إلى جانب المنظومات الدولية التي تنتج بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي. لذلك، فالمشكلة ليست في إصدار البيان، بل تتمثل في إعلان أن الوضع مطمئن دون عرض بيانات تفصيلية لمقارنة هذا الحكم بالتقديرات الدولية، أو توضح حجم المخزون ومواقع وجوده وقدرة إيصاله إلى المناطق المتضررة.
ويكشف البيان نفسه تناقضاً يحتاج إلى تفسير حين يقر بأن سلطة الأمر الواقع تقيّم آثار شح الأمطار في بعض المناطق المتضررة، وبدأت في اتخاذ تدابير لسد الفجوات الغذائية فيها، ثم يصف الوضع العام بأنه مطمئن. فوجود فجوات محلية لا يثبت وحده عدم كفاية المخزون الوطني، لكنه يفرض توضيح حجمها ومواقعها وسبل معالجتها، بدلاً من الاكتفاء بعبارات عامة لا يمكن اختبارها.
ويقر البيان بأن شح الأمطار يرتبط بظاهرة النينيو والتغير المناخي واتساع التصحر، ويضيف قتل المواطنين ونزوحهم القسري من مناطق الزراعة؛ وهذه عوامل تهدد الإنتاج الزراعي وقدرة الأسر على الوصول إلى الغذاء. وحذر البيان الدولي من أن انخفاض الأمطار وزيادة الجفاف في أكثر من نصف السودان يتزامنان مع النزاع الذي شرّد ملايين الأشخاص، وألحق الضرر بالبنية التحتية، وعطّل الرعاية الصحية والإنتاج وسلاسل الإمداد والأسواق. لذلك، يحتاج القول إن العمليات الزراعية الجارية ستوفر احتياجات البلاد إلى أدلة عن المساحات المزروعة والإنتاج المتوقع وتوافر المدخلات، لا إلى تأكيد سياسي مجرد، خصوصاً أن دعوة الشركاء الدوليين إلى دعم موسم الزراعة الشتوية تشير إلى حاجة الإنتاج إلى مساندة عاجلة. وحين تعترف سلطة الأمر الواقع بذلك، يصبح واجبها تقديم حساب واضح لكيفية سد تلك الفجوات، لا تحويل النقاش إلى اتهام التحذيرات الدولية بتسييس الوضع الإنساني.
وتزداد أهمية ذلك حين تُقرأ الفجوات الغذائية إلى جانب المؤشرات الاقتصادية التي تحكم قدرة الدولة على سدها؛ ففي 20 أكتوبر 2026، بلغ الدولار الأمريكي في السوق الموازية نحو 10,100 جنيه سوداني، بعد أن قفز خلال يومين من 8,700 إلى 9,300 جنيه، ثم إلى هذا المستوى، وما زال يرتفع. ولا يُقاس الرقم منفرداً، بل بما يفعله بسلة السلع يومياً وبالمرتبات التي لم تعد تكفي أسبوعاً من الإنفاق الأسري.
فحين ينهار سعر الصرف بهذا الشكل، ترتفع كلفة الدقيق والسكر والزيت والوقود والأسمدة، ويصبح الغلاء عاملاً مباشراً في تفكيك كرامة الإنسان، وهي الكرامة التي يرفعها القائد العام وحاشيته في خطاباتهم. ولم يشر بيان خارجية سلطة الأمر الواقع إلى سعر الصرف، ولم يوضح كيف يمكن للمخزون الاستراتيجي أن يصمد أمام عملة تفقد قيمتها بهذه السرعة، أو كيف ستوفر العمليات الزراعية احتياجات البلاد، بينما يشتكي المنتجون من أن كيسين من القمح يعادلان تقريباً كيساً من سماد اليوريا، وأن سعر الديزل ارتفع بصورة كبيرة، وأن قطوعات الكهرباء تفاقم أوضاع من يعتمدون على مضخات الري.
ويعمل الاقتصاد في المناطق الخاضعة لسلطة الأمر الواقع بمنطق الحرب؛ عرض محدود، وطلب تغذّيه المضاربة والمخاوف، وسلاسل إمداد يسيطر عليها كبار التجار، فيما يدفع المواطن الفاتورة. وتلتقي هذه الحلقة مع قرارات الإعفاء المتأخرة، وكأنها ترميم لسطح مبنى يتصدع من أساسه. ففي 21 أكتوبر 2026، أصدر البرهان قراراً بإعفاء الدقيق والأرز والبقوليات والعدس وزيوت الطعام من الرسوم الجمركية، وإعفاء الخضروات والفواكه، وفتح استيرادها أمام جميع التجار. وجاء القرار بعد اجتماع مع وزارتي المالية والتجارة، وكان رئيس الوزراء المعين من البرهان حاضراً في المشهد السياسي. ومع ذلك، صدر القرار الاقتصادي الأهم من قائد الجيش، في تأكيد على انتقال الصلاحيات التنفيذية من الحكومة التي يُفترض أنها مدنية إلى القيادة العسكرية. ولا تقف المشكلة عند مصدر القرار، بل تمتد إلى جدواه في ظل انهيار سعر الصرف وارتفاع الدولار الجمركي؛ فالإعفاء من الرسوم الجمركية والضرائب قد يخفض تكلفة استيراد السلع المشمولة به، لكنه لا يضمن انتقال هذا التخفيض إلى المستهلك، ما دامت تكلفة شراء النقد الأجنبي والشحن والنقل والتخزين والتمويل تواصل الارتفاع.
وقد ارتفع الدولار الجمركي في أكتوبر بنسبة تجاوزت 29%، وفق بيانات الجمارك، ما يزيد الأعباء على الواردات الخاضعة للرسوم والضرائب المحسوبة على أساسه، بينما لا ينطبق هذا الأثر الضريبي المباشر على السلع المعفاة من الالتزامات التي يشملها الإعفاء. فالمستورد الذي يشتري الدولار بسعر يقترب من 10,000 جنيه يتحمل تكلفة مرتفعة للعملة الأجنبية، والتاجر الذي يتوقع استمرار تراجع الجنيه قد يرفع أسعاره تحسباً لتكلفة إعادة الاستيراد. وبذلك، لا تصبح الإعفاءات عديمة الجدوى، لكنها تفقد قدرتها على تحقيق انخفاض ملموس في الأسعار ما لم تقترن باستقرار نسبي في سعر الصرف، وتيسير الاستيراد، وضبط تكاليف التوزيع، والرقابة على الهوامش. وهكذا يتحول القرار إلى معالجة جزئية لأزمة أوسع تتجاوز الرسوم الجمركية إلى بنية الاقتصاد الذي تحكمه الحرب.
كارتلات اقتصاد الحرب والبطالة وأزمة الوقود وشعار الكرامة: الحلقة المفقودة
خلف أرقام الدولار والأسعار تعمل منظومة اقتصادية موازية تناولها تقرير صادر عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لحقوق الإنسان في يوليو 2026، وأشار إلى اعتماد أطراف النزاع على السيطرة على الأراضي وطرق التجارة والموارد الطبيعية لتمويل العمليات العسكرية، بينما يدفع المواطن الثمن بأسعار مرتفعة وخدمات منهارة وفرص عمل ضائعة.
يمثل الصمغ العربي والذهب وطرق التهريب عصباً للتمويل يستفيد منه من يملك القوة. وتفرز هذه المنظومة طبقة جديدة من المستفيدين، لا تنتج سلعة ولا تقدم خدمة، وتتقاسم هوامش الربح مع من يحمي طرقها ومعابرها؛ فالحماية صارت تجارة، والابتزاز صار رسماً يُدفع على كل شاحنة تعبر الطريق. وكان البيان الدولي المشترك قد حث الأطراف على الامتناع عن ضرب البنية التحتية المدنية، بما في ذلك الزراعة وأنظمة الغذاء، وعلى تعزيز التنسيق المدني والعسكري لحماية العاملين في المجال الإنساني، ورفع العوائق أمام المساعدات وضمان وصولها الكامل والآمن والسريع عبر خطوط النزاع والحدود، وتقليل التأخيرات في التأشيرات والتخليص الجمركي، وإزالة العوائق البيروقراطية التي تبطئ إيصال المساعدات.
ويبدو بيان خارجية سلطة الأمر الواقع كأنه يتحدث عن بلد آخر؛ فتوقعات صندوق النقد الدولي تشير إلى أن معدل البطالة في السودان يبلغ نحو 61.3% في عام 2026، وهو أعلى معدل في العالم بفارق كبير عن أقرب دولة، بعد تقدير بلغ 60.6% في 2025. وتعكس هذه الأرقام أزمة واسعة في فرص العمل، حيث يواجه الشباب أبواباً مغلقة في اقتصاد تحول فيه القتال إلى مهنة، والتهريب إلى تجارة، والمساعدات الإنسانية إلى ساحة تنافس على النفوذ.
ولا يمكن فهم تعثر الموسم الزراعي بمعزل عن أزمة الوقود؛ فالاعتماد على الأمطار في موسم شحيح يدفع المنتجين إلى الري بمضخات تعمل بالديزل، الذي ارتفع سعره، فيما ارتفعت الأسمدة بنسبة 67% مقارنة بالعام السابق، ما دفع كثيرين إلى تقليص المساحات المزروعة أو ترك الأرض بوراً. وتضاعِف أزمةُ الوقود كلفةَ النقل من بورتسودان إلى الأسواق الداخلية، فتصل السلعة إلى المستهلك وقد حملت في طريقها أعباء لم تكن في حساب المنتج ولا في حساب البيان. وكلما ابتعد السوق عن الميناء، تضاعفت الكلفة. ومع ذلك، يتحدث البيان عن عمليات زراعية جارية وكأنها تنتظم في ظروف طبيعية، بينما تعتمد على وقود مرتفع التكلفة، وأمطار شحيحة، وبنية تحتية متهالكة. فالجفاف قادر على إحداث فجوة غذائية، وارتفاع الوقود قادر على تعطيل الري، وانهيار العملة يرفع تكلفة المدخلات. فكيف إذا اجتمعت هذه العوامل في موسم واحد، ثم يقال إن الوضع مطمئن؟.
خطاب الكرامة الذي يرفعه القائد العام وحاشيته يقول للشعب إن الجيش يقاتل من أجل السيادة وكرامة السودانيين، بينما تشير الوقائع إلى أن الكرامة المعلنة تحولت إلى غطاء لبقاء البرهان وحلفائه من الإسلاميين بقيادة علي كرتي، وشبكات اقتصاد الحرب التي تتعامل مع الإنسان السوداني كرقم في معادلة الصراع. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، تحول الخطاب الرسمي إلى شعارات تبرر استمرار القتال، وفي قلبها شعار الكرامة والسيادة الذي يغطي على تحالف متشابك بين المؤسسة العسكرية والحركة الإسلامية التي وجدت في الحرب فرصة لاستعادة نفوذها بعد أن فقدته عقب ثورة ديسمبر 2018 المجيدة. ووجدت في البرهان حامياً لوجودها السياسي والاقتصادي، بينما يجد البرهان في الحركة وشبكاتها سنداً وتمويلاً يحميان سلطته. أما المواطن الذي يُقتل أو يُهجّر أو يفقد مصدر رزقه، فليس شريكاً في هذه الكرامة المعلنة، وهو ضحية تُقدَّم قرباناً لاستمرار ترتيب السلطة.
وفي الوقت الذي تنشغل فيه سلطة الأمر الواقع بحسابات السلطة، يواجه السودانيون أزمة تتجاوز توافر الغذاء إلى انهيار قدرتهم على شرائه؛ فالرغيف والوقود والدواء وتكاليف تعليم الأطفال والمواصلات أصبحت أعباء يومية تثقل كاهل الأسر، فيما تختصر مشاهد المواطنين الذين يلجؤون إلى البليلة حجم التدهور الذي أصاب شروط الحياة الأساسية. ولا تكمن المفارقة في أن الأسواق تخلو بالضرورة من كل السلع، بل تتمثل في أن وجودها لا يعني قدرة المواطنين على الوصول إليها، حين تتراجع قيمة الجنيه وتتآكل المرتبات وترتفع تكاليف المعيشة.
لذلك، لا يكفي أن تتحدث خارجية سلطة الأمر الواقع عن المخزون الاستراتيجي والعمليات الزراعية الجارية لتثبت أن الوضع الغذائي مطمئن؛ لأن الأمن الغذائي لا يُقاس بتوافر المحاصيل والمخزونات وحدها، بل يُقاس أيضاً بقدرة الأسر على الحصول على الغذاء بصورة منتظمة، وبسلامة طرق الإمداد وإمكانية وصول المساعدات إلى المتضررين. وأي تقييم رسمي يتجاهل هذه الأبعاد يقدم صورة ناقصة عن الأزمة، حتى لو كان المخزون المتاح كافياً في بعض المناطق.
يبدو عرض البرهان على موسكو بإقامة منطقة اقتصادية حرة على ساحل البحر الأحمر، تُستخدم لإنشاء منشآت لتخزين الوقود والقمح الروسيين، محاولةً لتحويل الجغرافيا إلى ورقة تفاوض أخيرة؛ ففي الوقت الذي تعجز فيه سلطة الأمر الواقع عن تأمين الغذاء والوقود لمواطنيها، تعرض على روسيا موقعاً استراتيجياً يخدم نفوذها، مقابل دعم سياسي قد يمدد عمر سلطته. وهو النموذج نفسه الذي سلكه البشير في أيامه الأخيرة، حين عرض قاعدة بحرية مقابل حماية، قبل أن تُطيح به ثورة ديسمبر.
التحذير الدولي وسياسة النفي: من يحمي من؟
جاء بيان خارجية سلطة الأمر الواقع رداً على تحذير دولي من تدهور الأمن الغذائي وخطر المجاعة في الأشهر المقبلة، ودعوة إلى رفع العوائق أمام المساعدات الإنسانية والسماح بوصولها الكامل والآمن والسريع، والامتناع عن ضرب البنية التحتية المدنية، بما فيها الزراعة وأنظمة الغذاء، وتعزيز التنسيق المدني والعسكري. وردت خارجية سلطة الأمر الواقع باتهام بعض الدول والمنظمات بتوظيف الأوضاع الإنسانية سياسياً، وبالسعي إلى فرض هدنة إنسانية تنقذ المليشيا المتمردة من هزائمها. بهذا الرد، توضع الأزمة الغذائية في خانة الصراع السياسي، وتؤجل الاستجابة الإنسانية إلى ما بعد الحسم العسكري.
وتخلق هذه المقاربة ضحية إضافية فوق ضحايا الجفاف والحرب؛ فعندما تنفي خارجية سلطة الأمر الواقع وجود أزمة، وتصف الوضع بالمطمئن، وتتحدث عن مخزون استراتيجي كافٍ، فإنها تقدم رواية تتعارض مع تقارير الوكالات المتخصصة والبيان الدولي المشترك، وتضع المواطن أمام خيارين: تصديق بيان لا يعرض أدلة تفصيلية تسنده على الأرض، أو تصديق تقارير تصف واقعاً يعيشه يومياً. والفجوة بين الخطاب والواقع تتحول إلى غضب شعبي وفقدان للثقة ومزيد من العزلة الدولية.
وتكشف محصلة تفكيك البيان أن جهة رسمية تنفي أزمة تحذر منها 31 دولة استناداً إلى التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي، من دون أن تعرض أرقاماً وتقارير تفصيلية تسمح بالتحقق من ادعاءاتها، بينما تتراكم مؤشرات الجفاف وتعثر الإنتاج وانهيار العملة التي وصل الدولار معها إلى أكثر من 10,000 جنيه، والغلاء الذي يطحن المرتبات، وتغوّل القائد العسكري على صلاحيات رئيس الوزراء الذي عيّنه بنفسه، وسيطرة كارتلات الحرب على موارد الاقتصاد، ومعدل بطالة يُقدّر بنحو 61.3%، وارتفاع تكاليف الوقود الذي يعطل الري ويهدد الموسم الزراعي.
هذا البيان لا يصدر عن قراءة في الإنتاج والمخزون بقدر ما يعكس قراءة في ميزان القوة والصراع، ويحمي موقعاً سياسياً على حساب حياة الناس. وحين تصبح خارجية سلطة الأمر الواقع ناطقة باسم سياسة التجويع أو نافية لوجودها، فإن أول ما يسقط هو مصداقية البيان، ويظل حق السودانيين في معرفة حقيقة أمنهم الغذائي وفي الحصول على الغذاء حقاً لا تلغيه الطمأنة ولا تؤجله حسابات الحرب. وحين يُغلق باب الحقيقة الرسمية، لا يبقى أمام السوداني سوى أن يقرأ بيانه في السعر المكتوب على رف الدقيق.