حين يتحدث المثقف بعد أربع سنوات من الحرب..

قراءة في طرح دكتور عبد الوهاب الأفندي

 

محمد عبدالله

 

مما يثير قدراً كبيراً من الدهشة أن يصدر عن أكاديمي في مكانة الدكتور عبد الوهاب الأفندي، رئيس معهد الدوحة للدراسات العليا، رأي يختزل واحدة من أعقد أزمات السودان في مقولة مفادها أن الخطوة الأولى لحل مشكلة الكهرباء هي عودة المهاجرين، أو أن يرسلوا نصيبهم من تكلفة الكهرباء، لأن مؤسسة إنتاج الكهرباء لا تستطيع أن تعمل بأقل من خمسين في المائة من زبائنها.

 

وليست الدهشة نابعة من حق الرجل في إبداء رأيه، فهذا حق لا ينازعه فيه أحد، وإنما من طبيعة الرأي نفسه، ومن كونه يصدر عن باحث يُفترض أن ينظر إلى الأزمات من زاوية الدولة والاقتصاد السياسي، لا من زاوية تحميل الضحايا جانباً من كلفة انهيار الدولة.

 

فالكهرباء ليست متجراً يغلق أبوابه إذا انخفض عدد زبائنه، وإنما هي مرفق سيادي يرتبط بقضايا الأمن والاستقرار والتنمية. وهي تتأثر بالحرب، وبالتدمير، وبالتمويل، وبالإدارة، وبالوقود، وبسلامة شبكات النقل والتوزيع، قبل أن تتأثر بعدد المشتركين. ولو صح هذا المنطق، لما استطاعت أي دولة خرجت من حرب أهلية أن تعيد تشغيل مرافقها العامة قبل عودة جميع اللاجئين والنازحين، وهو ما لا تسنده أي تجربة معروفة في إعادة الإعمار.

 

ثم إن غالبية السودانيين الذين غادروا البلاد لم يهاجروا طلباً للرفاهية، وإنما دفعتهم الحرب، وانهيار الاقتصاد، وانعدام الأمن. وخلال سنوات الصراع، كانت تحويلاتهم المالية تمثل شريان الحياة لملايين الأسر داخل السودان، إذ تكفلت بالغذاء والدواء والتعليم والإيجار، في وقت عجزت فيه مؤسسات الدولة عن أداء أبسط وظائفها. ومن ثم يصعب تقبل خطاب يوحي بأن هؤلاء أصبحوا مطالبين أيضاً بتمويل إعادة بناء قطاع الكهرباء، وكأنهم المسؤولون عن انهياره.

 

لكن ثمة سؤالاً آخر لا يقل أهمية، يتعلق بالتوقيت.

فمنذ اندلاع الحرب، دخل السودان في واحدة من أكبر الكوارث الإنسانية في تاريخه الحديث. قُتل عشرات الآلاف، ونزح الملايين، ودُمرت مدن بأكملها، وانهارت الخدمات الأساسية. وخلال هذه السنوات، كان كثيرون ينتظرون من الأصوات الفكرية والأكاديمية المؤثرة أن تقدم قراءات عميقة لجذور الأزمة، وأن تسهم في تفسير أسبابها، وأن تمارس دورها النقدي تجاه القوى التي أوصلت البلاد إلى هذا المصير.

 

لهذا يبدو مستغرباً أن يبرز الحديث، بعد كل هذا الزمن، عند أحد آثار الحرب، لا عند أسبابها، وأن يتحول النقاش من مساءلة مَن دمروا محطات الكهرباء والبنية التحتية والدولة نفسها، إلى مطالبة المغتربين بالمساهمة في دفع فاتورة الانهيار.

 

ويزداد هذا الاستغراب إذا أخذنا في الاعتبار أن الدكتور الأفندي يُعد من أبرز المفكرين الذين ارتبط اسمهم بالحركة الإسلامية السودانية، وهي حركة لعبت دوراً محورياً في الحياة السياسية والفكرية لعقود. وكان المنتظر من شخصية بهذه الخلفية أن تقدم مراجعة فكرية وسياسية صريحة لتجربة انتهت إلى هذا القدر من الخراب، وأن تسهم في نقاش جاد حول جذور الأزمة ومستقبل الدولة، لا أن تطرح معالجة تختزل القضية في مساهمة مالية من السودانيين الذين اضطروا إلى مغادرة وطنهم.

 

ولا خلاف على أن إعادة إعمار السودان مسؤولية وطنية، وأن للمغتربين دوراً مهماً فيها، سواء عبر الاستثمار أو نقل الخبرات أو المبادرات الطوعية. لكن تحويل هذه المساهمة إلى واجب يُطرح بوصفه المدخل الأول لاستعادة خدمة الكهرباء، يعني قلب أولويات الأزمة، ويصرف الأنظار عن المسؤولية الأصلية للدولة، وعن الأسئلة التي ينبغي أن تسبق الحديث عن إعادة الإعمار: كيف انهارت مؤسسات الدولة؟ ومن أوصل البلاد إلى هذه الحال؟ وكيف يمكن منع تكرارها؟.

 

لقد عرف السودان أزمة الكهرباء قبل الحرب بسنوات، رغم وجود معظم سكانه داخل البلاد. وهذا وحده يكفي للدلالة على أن جذور المشكلة أعمق بكثير من عدد المشتركين أو أماكن إقامتهم. فإصلاح قطاع الكهرباء يبدأ بإعادة بناء الدولة ومؤسساتها، واستعادة الأمن، وتأهيل البنية التحتية، وإرساء إدارة رشيدة وشفافة، ثم يأتي بعد ذلك دور المجتمع، في الداخل والخارج، شريكاً في البناء، لا بديلاً عن الدولة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *