د.حامد البشير إبراهيم
—
عقدت رابطة الأساتذة السودانيين بالجامعات الأمريكية (ASAPA) مؤتمرها السنوي يومي 24 و25 أكتوبر 2026، تحت عنوان «السودان ما بعد الحرب: خارطة طريق للحكم وإعادة الإعمار والمشاركة المدنية»، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين والخبراء والمهنيين السودانيين.
وستنشر (ديسمبر) تباعاً عدداً من الأوراق التي قُدّمت ضمن فعاليات المؤتمر، استشعاراً منها بأهمية الأطروحات المقدمة، ومساهمةً منها في إثراء الحوار بشأن قضايا السودان.
—
أولاً: مقدمة وأطروحة الورقة
تتناول الورقة الأزمة التاريخية للدولة السودانية، وتحاول تفسير استمرار الحروب الأهلية والانقلابات العسكرية وتعثر التحول الديمقراطي منذ الاستقلال عام 1956. وتتمثل أطروحتها الأساسية في أن هذه الأزمات ليست أحداثاً منفصلة أو مجرد نتائج لصراعات سياسية عابرة، بل تعبير عن اختلالات بنيوية في تأسيس الدولة وإدارة السلطة وتوزيع الثروة والموارد، وعن عجز النخب الحاكمة عن بناء نظام سياسي يستوعب التنوع السوداني ويضمن المشاركة المتكافئة لجميع المواطنين.
فالدولة السودانية تطورت حول مركز سياسي واقتصادي مهيمن احتكر قدراً كبيراً من السلطة والموارد، بينما ظلت مناطق واسعة على هامش التنمية وصنع القرار. وقد أسهم هذا النمط في تعميق الشعور بالظلم والإقصاء، وأدى إلى اندلاع النزاعات المسلحة وتكرار الأزمات السياسية. ومع استمرار الحروب، توسع دور المؤسسات العسكرية والأمنية، وأضعفت عسكرة السياسة فرص بناء دولة مدنية ديمقراطية.
ومن ثم، فإن معالجة الأزمة السودانية لا تقتصر على وقف الحرب أو تغيير الحكومة، بل تتطلب إعادة تأسيس الدولة على أسس جديدة تشمل تقاسم السلطة والثروة، وتحقيق العدالة، وتوسيع المشاركة السياسية، وبناء نظام دستوري ديمقراطي يحقق السلام والاستقرار.
ثانياً: الجذور التاريخية للدولة المركزية
ترجع جذور المركزية السياسية في السودان إلى مراحل تاريخية متعاقبة سبقت الاستقلال، وتطورت خلالها أنماط الحكم والإدارة حول سلطة مركزية تتحكم في الموارد وتفرض نفوذها على الأطراف. وقد شكل الغزو التركي المصري عام 1821 محطة مهمة في تطور الدولة الحديثة، إذ أسهم في توسيع نطاق الإدارة المركزية وربط مناطق البلاد بسلطة سياسية واقتصادية مهيمنة.
وعلى الرغم من التغيرات التي شهدتها البلاد خلال الدولة المهدية، ثم فترة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري، استمرت مظاهر التفاوت بين المركز والأطراف. كما أسهمت سياسات الإدارة الاستعمارية وتفاوت الاستثمار في الخدمات والبنية التحتية في ترسيخ اختلافات إقليمية انعكست على فرص التنمية والمشاركة في مؤسسات الحكم.
وعند الاستقلال عام 1956، ورث السودان دولة لم تتمكن من معالجة هذه الاختلالات بصورة جذرية. فقد تركزت السلطة السياسية والإدارية والاقتصادية في الخرطوم، بينما لم تتوافر للأقاليم المهمشة مؤسسات كافية تضمن مشاركتها الفعلية في اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبلها ومواردها. وبذلك، لم يكن الاستقلال وحده كافياً لتغيير طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف؛ إذ استمرت البنية المركزية في التأثير على إدارة الدولة وتوزيع الفرص، وأصبحت بذلك إحدى المشكلات الأساسية التي واجهت الحكومات المتعاقبة.
ثالثاً: التهميش والهوية والمواطنة
تؤكد الورقة أن التهميش في السودان لا يمكن اختزاله في الفقر أو ضعف الخدمات، بل يمثل ظاهرة سياسية واقتصادية ومؤسسية تتصل بتفاوت النفوذ والقدرة على التأثير في القرارات العامة. فقد ظلت بعض المناطق والمجموعات أقل تمثيلاً في مؤسسات الدولة، وأقل استفادة من الموارد والاستثمارات العامة، رغم مساهمتها في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للبلاد.
ويرتبط هذا التفاوت بمشكلة الهوية الوطنية والمواطنة المتساوية. فبدلاً من بناء هوية سياسية جامعة تستوعب التعدد الثقافي واللغوي والإثني، اتسمت إدارة الدولة أحياناً بتفضيل تصورات محددة للهوية الوطنية، الأمر الذي عمّق شعور بعض المجموعات بالإقصاء وعدم الاعتراف الكامل بها.
ومع ذلك، لا أرى أن التنوع في حد ذاته سبباً للحروب، فالتعدد سمة طبيعية للمجتمع السوداني. إنما تنشأ الصراعات عندما يُدار التنوع في ظل مؤسسات غير عادلة، وتفاوت في توزيع السلطة والثروة، وغياب ضمانات المشاركة والمواطنة المتساوية.
ومن هذا المنطلق، فإن بناء السلام يتطلب معالجة أسباب التهميش، والاعتراف بالتنوع، وضمان الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية لجميع المواطنين، بصرف النظر عن مناطقهم أو انتماءاتهم.
رابعاً: إعادة إنتاج المركزية بعد الاستقلال
لم تنجح الحكومات المدنية والعسكرية المتعاقبة في تفكيك بنية المركزية بصورة مستدامة. فعلى الرغم من اختلاف توجهاتها السياسية وشعاراتها، ظلت السلطة الفعلية والموارد الرئيسية متركزة في مؤسسات الدولة المركزية، ولم تتحول المشاركة الإقليمية إلى شراكة حقيقية في الحكم.
وقد أسهم هذا النهج في نشوء حلقة متكررة من الأزمات: تؤدي المركزية إلى التهميش، ويولد التهميش الاحتجاج والصراع، وتدفع النزاعات الدولة إلى مزيد من الاعتماد على القوة العسكرية والأمنية، فتتعزز المركزية بدلاً من معالجتها.
كما أدت الانقلابات العسكرية وتعثر التجارب الديمقراطية إلى إضعاف المؤسسات المدنية، وتقليص فرص التوافق على قواعد مستقرة لتداول السلطة. ومع اتساع نفوذ الأجهزة العسكرية والأمنية، أصبحت معالجة الخلافات السياسية أكثر ارتباطاً بموازين القوة منها بالحوار والمؤسسات الدستورية.
ولذلك، فإن استمرار الأزمات لا يعود فقط إلى إخفاقات أشخاص أو حكومات بعينها، بل إلى نمط في إدارة الدولة يعيد إنتاج الاختلالات نفسها، حتى عندما تتغير الأنظمة السياسية.
خامساً: تعثر تجارب اللامركزية والفيدرالية
شهد السودان محاولات متعددة لمعالجة اختلال العلاقة بين المركز والأقاليم، من بينها قانون الحكم المحلي لعام 1971، واتفاقية أديس أبابا لعام 1972، وقانون الحكم الإقليمي لعام 1980، ثم تطبيق النظام الفيدرالي في مراحل لاحقة. كما برزت قضية تقاسم السلطة والثروة في سياق اتفاقية السلام الشامل لعام 2005.
وعكست هذه التجارب اعترافاً متزايداً بأهمية اللامركزية في إدارة التنوع وتحقيق الاستقرار. غير أن كثيراً منها لم ينجح في إحداث تحول عميق في بنية الدولة، بسبب محدودية نقل السلطات الفعلية إلى المستويات الإقليمية والمحلية، وعدم كفاية الموارد المالية والإدارية المخصصة لها، واستمرار تحكم المركز في القرارات الأساسية.
كما أن وجود هياكل إقليمية أو تقسيمات إدارية لا يضمن وحده المشاركة الديمقراطية؛ فقد تتحول اللامركزية إلى وسيلة لإعادة توزيع النفوذ داخل النخب الحاكمة إذا لم تقترن بالمساءلة والانتخاب الحر والشفافية والقدرة الحقيقية على اتخاذ القرار.
وتخلص الورقة إلى أن نجاح الفيدرالية يتطلب أكثر من تبنيها دستورياً أو إدارياً. فلا بد من تحديد واضح للاختصاصات بين مستويات الحكم، وتوفير موارد مالية عادلة، وتعزيز قدرات الحكومات المحلية، وضمان الرقابة الديمقراطية، ومنع احتكار السلطة على المستويين المركزي والإقليمي.
سادساً: الحروب وتآكل الدولة
هناك رابط جلي بين استمرار الحروب الأهلية وضعف مؤسسات الدولة وعدم قدرتها على إدارة التعدد والتنافس السياسي بوسائل سلمية. فحين تعجز المؤسسات عن توفير العدالة وتكافؤ الفرص وحماية الحقوق، تصبح القوة المسلحة وسيلة لدى بعض الأطراف للحصول على الاعتراف أو النفوذ أو الموارد.
وقد أدت الحروب المتكررة إلى استنزاف الموارد العامة، وإضعاف الاقتصاد والخدمات الأساسية، وتعميق النزوح والانقسامات الاجتماعية. كما أسهمت في توسيع نطاق العسكرة وتراجع دور المؤسسات المدنية، الأمر الذي أضعف قدرة الدولة على توفير الأمن والخدمات وإرساء سيادة القانون.
ولا تقتصر آثار هذه الحروب على الخسائر المباشرة، بل تمتد إلى تقويض الثقة بين المجتمعات ومؤسسات الحكم، وإضعاف الشعور بالانتماء إلى دولة مشتركة. وكلما طال أمد النزاعات، ازدادت صعوبة إعادة بناء المؤسسات وتسوية الخلافات بالوسائل السياسية.
ومن ثم، فإن إنهاء الحروب بصورة مستدامة يستلزم معالجة جذورها البنيوية، لا الاكتفاء بالترتيبات الأمنية المؤقتة، أو الاتفاقات التي لا تغير طبيعة العلاقة بين المركز والأطراف.
سابعاً: حرب 15 أبريل 2023 ومخاطر تفكك الدولة
تمثل الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تطوراً خطيراً في أزمة الدولة. فهي لا تعكس فقط صراعاً مسلحاً بين قوتين عسكريتين، بل تكشف أيضاً عن عمق الاختلالات في بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية، وعن إخفاق الانتقال السياسي في إخضاع القوة المسلحة لسلطة مدنية دستورية موحدة.
وقد أدت الحرب إلى تدمير واسع للبنية التحتية، وتعطيل مؤسسات الدولة والخدمات العامة، ونزوح أعداد كبيرة من السكان، وتفاقم الأوضاع الإنسانية والاقتصادية. كما أثارت مخاطر اتساع الانقسامات الجغرافية والسياسية، وتعدد مراكز السيطرة المسلحة، وتراجع قدرة المؤسسات الوطنية على أداء وظائفها.
يجب التحذير من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى إضعاف وحدة الدولة وتماسك المجتمع، خصوصاً إذا تعززت السلطات المسلحة المحلية أو الإقليمية على حساب المؤسسات الوطنية. كما أن إعادة إنتاج النظام المركزي القديم من دون إصلاحات جوهرية قد تهيئ الظروف لاندلاع نزاعات جديدة.
لذلك، ينبغي أن يجمع التعامل مع الحرب بين وقف القتال، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، وإطلاق عملية سياسية شاملة، ووضع أسس لإعادة بناء المؤسسات الدستورية والعسكرية والمدنية.
ثامناً: نحو فيدرالية ديمقراطية تعاونية
تقترح الورقة الانتقال إلى نظام فيدرالي ديمقراطي تعاوني بوصفه أحد المداخل الأساسية لإعادة تأسيس الدولة السودانية. ويقوم هذا التصور على توزيع فعلي للسلطة بين الحكومة الاتحادية والأقاليم والمستويات المحلية، بما يتيح مشاركة السكان في القرارات التي تؤثر في حياتهم، ويحد من احتكار المركز للموارد والاختصاصات.
وتطرح الورقة إمكانية تنظيم البلاد في ستة إلى ثمانية أقاليم، على أن يجري تحديدها وفق اعتبارات سياسية وإدارية واجتماعية واقتصادية، وبما يراعي مصالح السكان ولا يؤدي إلى تكريس الانقسامات. ولا ينبغي التعامل مع عدد الأقاليم بوصفه غاية في حد ذاته؛ فالأهم هو وجود نظام واضح وعادل لتوزيع الاختصاصات والموارد.
ويتطلب النظام المقترح إقامة نظام برلماني اتحادي، مع إمكان وجود مجلسين تشريعيين، يتيح أحدهما تمثيل السكان على المستوى الوطني، فيما يضمن الآخر مشاركة الأقاليم في القرارات الاتحادية. كما يستلزم وضع دستور يحدد صلاحيات كل مستوى من مستويات الحكم، ويضمن الحقوق والحريات، ويمنع الاستبداد وإعادة تركيز السلطة.
وتشدد الورقة على أهمية العدالة المالية والتنموية من خلال وضع قواعد شفافة لتوزيع الإيرادات العامة والموارد الطبيعية، وتخصيص موارد كافية للمناطق الأقل نمواً، وتحقيق توازن في فرص الحصول على التعليم والصحة والبنية التحتية والخدمات الأساسية.
ويحتاج النظام الفيدرالي أيضاً إلى مؤسسات قضائية مستقلة، ومحكمة دستورية قادرة على الفصل في النزاعات المتعلقة بالصلاحيات والحقوق، إلى جانب حكومات إقليمية ومحلية خاضعة للمساءلة الشعبية. فالفيدرالية التي لا تقترن بالديمقراطية والشفافية قد تتحول إلى شكل آخر من أشكال احتكار السلطة.
تاسعاً: وقف الحرب وبناء السلام المستدام
تؤكد الورقة أن وقف الحرب يمثل ضرورة عاجلة لحماية المدنيين وإنقاذ الدولة، لكنه لا يكفي وحده لتحقيق السلام المستدام. فلا بد من ربط المسار الإنساني والأمني بعملية سياسية ودستورية تعالج جذور الأزمة، وتتيح مشاركة القوى المدنية والمجتمعات المتأثرة بالحرب في تحديد مستقبل البلاد.
ويتطلب ذلك توفير وصول آمن للمساعدات الإنسانية، وحماية المدنيين، وإعادة الخدمات الأساسية، وتهيئة الظروف لعودة النازحين واللاجئين بصورة طوعية وآمنة وكريمة. كما ينبغي وضع برامج لإعادة الإعمار والتعافي الاقتصادي، مع إعطاء الأولوية للمناطق التي تحملت أعباء النزاع والتهميش.
وتبرز كذلك ضرورة العدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية، بما يضمن معالجة الانتهاكات وإنصاف الضحايا، وكشف الحقيقة، وتعزيز المساءلة وسيادة القانون. ولا يمكن تحقيق مصالحة مستدامة إذا جرى تجاهل المظالم أو التعامل مع الانتهاكات بمعايير مزدوجة.
وفي المجال الأمني، تقتضي إعادة بناء الدولة إصلاح القطاع الأمني والعسكري، وإنهاء تعدد مراكز القوة المسلحة، والعمل على بناء جيش وطني مهني موحد يخضع للسلطة المدنية الدستورية. ويجب أن يتم ذلك ضمن ترتيبات سياسية وقانونية واضحة تراعي الأمن العام وتحول دون عودة عسكرة الحياة السياسية.
عاشراً: أبرز أطروحات الكاتب واستنتاجاته
تؤكد الورقة أن الأزمة السودانية هي أزمة تأسيس وبناء دولة، وليست مجرد أزمة حكومة أو تنافس بين قيادات سياسية. فالمركزية واحتكار السلطة والثروة والتهميش وضعف المؤسسات الدستورية عوامل مترابطة أسهمت في تكرار الحروب والانقلابات وتعثر الديمقراطية.
كما توضح أن التنوع الثقافي والإثني ليس سبباً حتمياً للصراع؛ وإنما تكمن المشكلة في كيفية إدارة هذا التنوع ضمن مؤسسات عادلة تضمن المواطنة المتساوية والمشاركة السياسية والتوزيع المنصف للموارد. وتبين التجارب السابقة أن اللامركزية الشكلية لا تحقق الاستقرار ما لم يصاحبها نقل حقيقي للسلطة والموارد، ومساءلة ديمقراطية فعالة.
تخلص الورقة إلى أن أزمة السودان ليست مجرد أزمة حكومات أو قيادات أو صراعات سياسية منفصلة، بل هي أزمة دولة تشكلت تاريخياً على أسس مركزية، ولم تنجح في تحقيق التوازن بين وحدة البلاد وتنوع مجتمعاتها، أو في ضمان المشاركة العادلة في السلطة والثروة.
وتقترح الورقة عقداً اجتماعياً ودستورياً جديداً يقوم على الفيدرالية الديمقراطية التعاونية، والحكم البرلماني، واستقلال القضاء، والحكم المحلي الديمقراطي، والعدالة في توزيع الموارد، وإصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية.
كما تخلص الورقة إلى أن التحدي لا يقتصر على إنهاء الحرب أو تغيير الحكومة، بل يتمثل في منع إعادة إنتاج الظروف التي أدت إليها. فالسلام الدائم يتطلب عقداً اجتماعياً ودستورياً جديداً، ونظاماً فيدرالياً ديمقراطياً تعاونياً، ومؤسسات قضائية مستقلة، وعدالة تنموية، وإصلاحاً أمنياً وعسكرياً يضمن خضوع القوات المسلحة للسلطة المدنية.
كما يستلزم وقف الحرب إطلاق مسار سياسي شامل، ومعالجة آثار النزاع من خلال العدالة الانتقالية والمصالحة وإعادة الإعمار.
وهذه هي الرسالة الأساسية للورقة، وهي أن وحدة السودان لا يمكن أن تقوم على الإكراه أو تُفرض باحتكار السلطة من المركز، بل على العدالة والمشاركة والثقة المتبادلة. فإعادة بناء الدولة تتطلب تحويل العلاقة بين المركز والأقاليم من علاقة هيمنة وتبعية إلى شراكة دستورية متكافئة، وإقامة مؤسسات قادرة على إدارة الاختلاف سلمياً، وتوزيع الموارد بعدالة، وضمان الحقوق لجميع المواطنين.
ووحدة السودان إنما تُبنى على العدالة والمشاركة والاعتراف بالتنوع وثقة المواطنين في دولتهم المشتركة.
فإعادة تأسيس الدولة على هذه الأسس تمثل شرطاً ضرورياً لإنهاء الحروب المتناسلة وتحقيق السلام المستدام واستعادة قدرة السودان على التنمية والاستقرار وإدارة خلافاته بالوسائل السلمية. ومن دون هذه التحولات البنيوية، ستظل احتمالات تجدد الصراع قائمة، حتى لو توقفت الحرب الحالية أو تغيرت النخب الحاكمة.
عن الكاتب
الدكتور حامد البشير إبراهيم أكاديمي وخبير سوداني في التنمية والعمل الإنساني، حاصل على الدكتوراه في الأنثروبولوجيا الاجتماعية من جامعة كونيتيكت الأمريكية. عمل مع اليونيسيف بين عامي 1995 و2020، وتولى مناصب قيادية، منها ممثل المنظمة في إريتريا وزامبيا وسيراليون. كما شغل منصب مستشار رئيس الوزراء السوداني للسلم المجتمعي، وحاكم ولاية جنوب كردفان بين عامي 2020 و2022. وله مؤلفات وأبحاث حول النزاعات والتنمية وحقوق المرأة، ومبادرات لدعم تعليم الرحّل والفتيات والأطفال ذوي الإعاقة.
درّس علم الاجتماع والأنثروبولوجيا في عدد من الجامعات السودانية، وشارك محاضراً في جامعات داخل السودان وخارجه.
يتمتع بخبرة واسعة في التخطيط التنموي وإدارة البرامج وبناء الشراكات مع الحكومات والمنظمات الدولية والمجتمع المدني.
من أبرز مؤلفاته: «بحثاً عن الحكمة المفقودة: الحرب الأهلية في جبال النوبة»، و«حريق السافنا: الأسباب الجذرية للحرب الأهلية في غرب السودان».