ديسمبر لم تخطئ الحلم لكنها تعلّمت كيف تمشي نحوه

ديسمبر لم تخطئ الحلم

لكنها تعلّمت كيف تمشي نحوه

 

أماني أبو سليم

 

كان كمن يمشي وهو ينظر إلى الأمام، لا ينتبه لموضع قدميه، ولا لما قطعه من مسافة. يخطو سريعًا، مستعجلاً الوصول إلى هدف طالما تاق إليه. كمن يطير نحو حلمه، يظن أنه يحلّق، دون أن ينتبه إلى الأرض تحته.

تعثّر. توقف مسيره فجأة.

لم يكن ضعيفًا، بل كان قويًا بما يكفي ليكمل المشوار، لكن الاستعجال، والطيران، والتحليق، وقادته الرغبة أكثر من التخطيط. وهكذا تعثّرنا في مشوار الثورة، وأصبحت المسافة إلى الحلم أطول.

المقاومة ليست سوى المرحلة الأولى في رحلة التغيير. وهي فعل يُبنى على مواجهة عدو، أي على مفهوم (الضدّ). عند تحييد العدو أو إسقاطه، تبدأ مرحلة أخرى مختلفة: مرحلة (نحو). في هذه المرحلة لا يكون الفعل مقاومة، بل تخطيطًا وبناءً للوصول إلى الهدف الأكبر: الدولة المدنية.

في ثورة ديسمبر، انتصرنا في مرحلة المقاومة لأننا كنا أصحاب الفعل، بينما كان الشر في خانة ردّ الفعل. لكن عند نقطة انتصار المقاومة بإسقاط الشر، لم ننتقل كما ينبغي إلى مرحلة (نحو). لم نضبط فرحنا، فجرفنا. عَلِقنا في أدوات مرحلة انتهت.

بدلاً عن التريث والعزيمة والتخطيط كأدوات للمرحلة الجديدة، انقلبت المعادلة. فمن يدخل مرحلة جديدة بأدوات قديمة، يتحوّل من خانة الفعل إلى ردّ الفعل. وهكذا مُنح الشر فرصة الفعل، فكان الانقلاب، ثم الحرب.

هل كان ذلك نهاية المطاف؟

أبدًا.

ما حدث أمر طبيعي في مسار كثير من الثورات، كقوى خير تبحث عن العدالة ضد الظلم، فالخير لا يُهزم، لكنه يأخذ زمنه. يتأنّى. لا يبطش، ولا يستسهل الأذى، كما فعل الشر منذ أواخر الثمانينيات وحتى اليوم.

لم ينجح الشر بانقلاب أكتوبر، ولم ينجح بالحرب. فنجاح الشر، في الغالب، قصير الأمد. قد يخطّط بإتقان، لكنه يبني على هشاشة الخوف، والكذب، والقمع.

ينجح الشر مؤقتًا، لأنه لا يتردّد في الظلم والأذى والبطش، بينما يحاول الخير في تقدّمه موازنة قيَم متعددة مثل العدالة، والأثر الإنساني، والقانون، وهو ما يجعله أبطأ، لا أضعف، كما يُظَن.

الشر يبني قوّته على نقاط ضعف البشر: الخوف، والطمع، والحاجة، والغضب. يعمل في الظل، بعيدًا عن المساءلة.

أما الخير، فيعمل في الضوء، تحت أعين الناس والقانون، مما يجعل مخططاته أسهل كشفًا، وأسهل استهدافًا.

ينجح الخير (الثورة) حين يعرف موضع قدميه، وحين يدرك أي مرحلة يمرّ بها، وأي فعل يناسب كل مرحلة. حين يتعلّم من التجربة، لا من المثاليات النظرية فقط. حين يمتلك الشجاعة لاتخاذ قرارات غير شعبية، لكنها عادلة.

ينضج الخير (الثورة) بالألم، وبالخذلان، وبالتكرار. وعندها يتحوّل من ردّ فعل إلى فعل واعٍ. يدرك أن القوة ليست نقيض الأخلاق، لأن الأخلاق بلا قوة تظل هشّة.

قوة الخير (الثورة) هي الوعي: قراءة النوايا والأقوال قبل أن تتحوّل إلى أحداث.

قوته في جمع الموارد، والحلفاء، والمعرفة.

قوته في تسمية الأشياء بأسمائها، وفضح الظلم دون تشويه الحقيقة.

الشر يخاف من القصة الصادقة أكثر مما يخاف السلاح، ولهذا يتمسحون في ثورة ديسمبر، ولا يجرؤون على معاداتها علنًا، لكن يدارون تخطيطهم لقتلها أو سرقتها كحلٍّ أكثر دناءة.

ديسمبر لم تُهزم، ولكنها تعلمت. ما خرجت به ثورة ديسمبر من تجربة الانقلاب والحرب ليس هزيمة، بل وعيًا أثقل وأعمق. وعيٌ بأن لكل مرحلة أدواتها، وأن النصر لا يُدار بعاطفة اللحظة، بل ببصيرة المسار. هذا الوعي لن يُهدر، ولن يُنسى. ستستصحبه الثورة في خطواتها القادمة.

أكثر حذرًا، أكثر تنظيمًا، وأشد صلابة. نحو دولة مدنية، تقوم على الحرية، والسلام، والعدالة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *