لـ(ديسمبر) كلمة

بين نارين

 

ما بين القصف الجوي بالمسيرات، والذي يستهدف المدنيين أولاً، ثم البنيات الأساسية الخدمية من محطات كهرباء ومياه ومستشفيات وحتى السجون، وبين الجوع الذي يستشري ويحاصر 25 مليون سوداني، تقف سلطتا بورتسودان ونيالا في موقف اللامبالاة، وكأن الأمر لا يعنيهما. بل يسارع كل منهما بإدانة جرائم الطرف الآخر دون أن يعير اهتماماً للجرائم التي تقترفها يداه.

 

والأمر هنا لا يتعلق بتحديد من يرتكب جرائم أبشع من الآخر، أو من يحرم عدداً أكبر من السكان في مناطق سيطرته من الطعام، فمقتل مدني واحد هو اختلاف مقدار وليس معيار مقارنة مع قتل مئات المدنيين، ففي كلا الحالتين الضحية لا ناقة له ولا جمل في حرب الجنرالين وصراعهما على السلطة والثروة. ومحاصرة مدينة ومنع دخول الإغاثة إليها هي جريمة بذات صفة جريمة حرمان أقاليم كاملة من وصول الغذاء إليها لأنها تحت سيطرة الطرف الآخر.

 

وكان من الملفت في الأشهر الأخيرة تراجع المواجهات العسكرية المباشرة بين طرفي الحرب ولجوؤهما لسلاحي المسيرات والتجويع، وهو ما يعكس حالة من الإرهاق بسبب استطالة أمد الحرب ونضوب مصادر التجنيد وفشل كليهما في حسم المعارك رغم علو صوت التهديد والوعيد باقتراب موعد الحسم.

 

هذه المسيرات ظلت تطارد المدنيين في الأسواق والمستشفيات والأعيان المدنية لتزيد من معاناتهم بإيقاف أنشطة كسب عيشهم وقطع خدمات الكهرباء والمياه عنهم وعن المستشفيات والمدارس ومحطات الوقود، لتحيل حياتهم إلى جحيم.

 

نفس هؤلاء المدنيين يواجهون واقعاً معيشياً مزرياً في ظل شح الأمطار وفشل الموسم الزراعي جراء انعدام مدخلات الإنتاج وارتفاع تكلفتها وندرة السلع وانهيار سعر الجنيه السوداني وتراجع القدرة الشرائية كنتيجة لذلك وعدم كفاية المرتبات. وعادت الصفوف لتلتف حول المخابز، ونشطت المطابخ الجماعية والتكايا من جديد دون أن تكون قادرة على تلبية الاحتياجات.

 

وحتى في ظل هذه الظروف، وفي الوقت الذي تعلن فيه المنظمات الدولية المعنية بالعمل الإنساني أن ملايين السودانيين يواجهون خطر المجاعة، وأن هناك حاجة لتوفير مزيد من المساعدات، تخرج علينا وزارة خارجية البرهان لتعلن على الملأ أن الحديث عن المجاعة محض هراء، وأنهم قادرون على توفير الغذاء، ما يجعل المتابع يشعر بالغثيان.

 

هذا الإعلان هو مواصلة لسياسة حكومة قائد الجيش عرقلة وصول الإغاثة والمساعدات للمحتاجين منذ بداية الحرب عبر الإجراءات الإدارية والضوابط والتعقيدات البيروقراطية، ما يجعل الإغاثة تتكدس في الموانئ ونقاط العبور حتى تفقد صلاحيتها دون أن تصل إلى مستحقيها. بل تمتلئ المحلات التجارية في مناطق سيطرة الجيش بمواد الإغاثة المتسربة، والتي تعرض للبيع لمستحقيها بأسعار باهظة.

 

وتهدد سلطة البرهان المنظمات التي تعمل في مناطق سيطرة الدعم السريع بسحب تراخيص العمل في مناطق سيطرتها، ليكون المواطن هو الضحية مرة أخرى، فالسوداني هو السوداني وحقوقه هي حقوقه حيثما كان في أرض بلادنا الحبيبة.

 

وفي نيالا، لا يبدو الأمر بأفضل منه في بورتسودان. فرغم شح المعلومات، إلا أن المنظمات الإنسانية تشكو بدورها من تعقيدات في الحصول على تصاريح العمل وغياب الترتيبات الأمنية التي تسمح بتحرك قوافل الإغاثة بأمان دون أن تتعرض للابتزاز أو النهب من المسلحين الذين يقطعون الطرق دون أن تتحرك حكومة تأسيس لمنع ذلك.

 

هذه الجرائم من الطرفين لن تمر دون عقاب، طال الزمن أو قصر، والمطلوب اليوم من حلفاء الطرفين، إقليمياً ودولياً، التدخل وممارسة الضغوط من أجل وقف استهداف المدنيين، سواء أكان بسلاح المسيرات أو بسلاح الجوع، عبر فرض مقترح الهدنة الإنسانية وإعلان دخوله حيز التنفيذ، وليتحمل الطرف الذي يرفض مسؤوليته أمام شعب السودان والمجتمع الدولي.

لا للحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *