نيروبي/كمبالا: (ديسمبر)
بمناسبة مرور عام على سقوط مدينة الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، في 26 أكتوبر 2025، شهدت العاصمتان الكينية نيروبي والأوغندية كمبالا فعاليتين ضمن حملة «أحمر الفاشر»، لإحياء ذكرى الضحايا وتسليط الضوء على الانتهاكات التي شهدتها المدينة، وتجديد الدعوات إلى كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم، إلى جانب لفت الانتباه إلى الأوضاع الإنسانية للناجين والنازحين.
وتأتي الحملة تحت شعار «أحمر الفاشر»، مستندة إلى اللون الأحمر بوصفه رمزاً للتضامن والحقيقة والعدالة. ووفقاً للرسالة التعريفية للحملة، استُلهم اختيار اللون من صور الأقمار الصناعية التي وثّقت مشاهد مروعة في المدينة عقب سيطرة قوات الدعم السريع عليها، وأظهرت آثاراً وتغيرات لونية على الأرض مرتبطة بوقائع القتل الجماعي.
ولم تقتصر الحملة على استعادة ذكرى الأحداث، بل سعت إلى تحويلها إلى نداء إنساني يتجاوز حدود السودان، للتأكيد على أن معاناة الناجين لا ينبغي أن تُنسى، وأن توثيق الانتهاكات والسعي إلى تحقيق العدالة مسؤولية تتطلب اهتماماً دولياً مستمراً.
من نيروبي إلى كمبالا.. الذاكرة في مواجهة النسيان
في نيروبي، نُظمت فعالية «أحمر الفاشر.. الطريق إلى البيت»، تحت عنوان «الفاشر، ماذا الآن؟»، بمشاركة منظمة لابز للتنمية، ومرصد شمال دارفور لحقوق الإنسان، ومنصة «أصوات». وتضمنت الفعالية جلسة نقاش تناولت مسارات العدالة والمحاسبة، والأزمة الإنسانية، وأهمية توثيق الانتهاكات وحماية الشهود.
وشارك في النقاش المحامي عبد الباسط الحاج، والباحثة في الاقتصاد السياسي جوهرة الكمال كنو، والمصور الصحفي علم الدين إسماعيل، حيث تناولت المداخلات جوانب مختلفة من تداعيات سقوط المدينة، وما يواجهه سكانها والناجون من الحرب.
وفي كمبالا، جاءت الفعالية ضمن الحملة ذاتها، لتوسيع مساحة التضامن مع ضحايا الفاشر وإبقاء قضيتهم حاضرة في النقاش العام، بالتزامن مع الفعالية التي شهدتها العاصمة الكينية. وجمعت الفعاليتان بين استذكار الضحايا والتأكيد على ضرورة عدم التعامل مع ما حدث باعتباره واقعة انتهت بمرور عام عليها، في وقت لا تزال فيه تداعياتها الإنسانية والحقوقية مستمرة.
وفي محور العدالة، حذّر المحامي عبد الباسط الحاج، خلال فعالية نيروبي، من استمرار غياب المساءلة عن الجرائم المرتكبة في دارفور، مشيراً إلى أن آلاف السودانيين لا يزالون مشردين وفاقدين لمنازلهم، دون أن تتحقق محاسبة فعلية للمتورطين في الانتهاكات.
ودعا إلى تنويع مسارات المحاسبة، بما يشمل الاستفادة من القوانين التي تتيح لبعض الدول محاكمة مرتكبي الجرائم الخطيرة التي تقع خارج أراضيها، والنظر في إمكانية إنشاء محاكم خاصة، مع ضرورة إشراك الضحايا في تحديد مطالبهم وسبل إنصافهم.
من جانبها، تناولت الباحثة جوهرة الكمال كنو الأبعاد الإنسانية للأزمة، مشيرة إلى أن معاناة الفاشر لا تنفصل عن أزمة النزوح الأوسع في السودان، وما يصاحبها من نقص الغذاء وخدمات الصرف الصحي وسوء التغذية، فضلاً عن التحديات التي تواجه المبادرات المحلية العاملة في الاستجابة للاحتياجات الإنسانية.
حصار طويل ونهاية دامية
كانت الفاشر، قبل سقوطها، تعيش تحت حصاراً امتد نحو 18 شهراً، عانى خلاله مئات الآلاف من المدنيين من صعوبة الحصول على الغذاء والمياه والأدوية والرعاية الصحية. ومع تصاعد القتال، تراجعت قدرة السكان على الوصول إلى الخدمات الأساسية، وواجهت محاولات الخروج من المدينة مخاطر متزايدة.
وفي 26 أكتوبر 2025، شنت قوات الدعم السريع هجومها الأخير على المدينة، وأعلنت السيطرة عليها، لتبدأ مرحلة جديدة من الانتهاكات التي وثقتها جهات أممية وحقوقية. ولم يكن سقوط الفاشر مجرد تحول عسكري في مسار الحرب، بل صاحَبته تقارير عن عمليات قتل جماعي وإعدامات ميدانية واعتقالات وتعذيب وعنف جنسي، إلى جانب استهداف المدنيين أثناء محاولتهم الفرار.
ووفقاً لمكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الذي نشر تقريراً في 13 فبراير 2026، قُتل أكثر من 6 آلاف شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى من الهجوم، استناداً إلى مقابلات مع أكثر من 140 ضحية وشاهداً. وقدّر التقرير أن ما لا يقل عن 4400 شخص قُتلوا داخل المدينة، بينما قُتل أكثر من 1600 آخرين أثناء محاولتهم الفرار عبر طرق الخروج. وأشار إلى أن العدد الفعلي للضحايا قد يكون أعلى من ذلك بكثير.
كما وثّق التقرير انتهاكات واسعة ترقى إلى جرائم حرب، مع وجود مؤشرات على ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وفي فبراير 2026، خلصت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان إلى وجود أركان الإبادة الجماعية في الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع ضد مجموعات إثنية غير عربية في الفاشر، وفقاً لما أوردته جامعة ييل بشأن التقرير الأممي.
الناجون والنزوح.. معاناة تتجاوز حدود المدينة
لم تتوقف المأساة عند سقوط المدينة، إذ وجد الناجون أنفسهم أمام رحلة نزوح جديدة، في ظل فقدان المنازل والممتلكات وتشتت الأسر، واحتياج كثيرين إلى الحماية والغذاء والعلاج والمأوى.
وكانت منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» قد أشارت في تقريرها الصادر في 29 أكتوبر 2025 إلى أن نحو 260 ألف شخص، نصفهم تقريباً من الأطفال، كانوا محاصرين داخل الفاشر قبل التصعيد الأخير، مع محدودية شديدة في الوصول إلى الغذاء والمياه والأدوية. كما سجلت نزوح أكثر من 36 ألف شخص خلال الفترة من 26 إلى 29 أكتوبر، وسط مخاوف من الانتهاكات التي يتعرض لها الأطفال، بما فيها القتل والاختطاف والعنف الجنسي.
وتشير بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة إلى أن نحو 138 ألف شخص نزحوا من مدينة الفاشر والمناطق المحيطة بها خلال الفترة من 26 أكتوبر 2025 وحتى مطلع مارس 2026. ويعكس ذلك حجم الحركة السكانية التي أعقبت سقوط المدينة، واستمرار احتياج الأسر النازحة إلى المساعدات والخدمات الأساسية.
وتواجه النساء والفتيات مخاطر إضافية، في ظل التقارير المتعلقة بالعنف الجنسي، وانقطاع خدمات الصحة الإنجابية، وصعوبة الوصول إلى الرعاية الطبية. كما يعيش الأطفال في ظروف نزوح قاسية، تتسم بالاكتظاظ ونقص المياه النظيفة والغذاء والخدمات الصحية والتعليمية، بما يهدد سلامتهم ومستقبلهم.
الأحمر.. رمز للتضامن والمطالبة بالحقيقة
في هذا السياق، يتجاوز اللون الأحمر في حملة «أحمر الفاشر» دلالته البصرية ليحمل رسالة عن الذاكرة الجماعية ورفض الصمت. فاللون الذي استُلهم من مشاهد الأقمار الصناعية أصبح رمزاً للتضامن مع الضحايا والناجين، وللتذكير بما شهدته المدينة من قتل وتهجير وانتهاكات.
وتؤكد رسالة الحملة أن إحياء الذكرى السنوية الأولى ليس مجرد استعادة لأحداث الماضي، وإنما دعوة للوقوف إلى جانب الناجين، والعمل من أجل كشف الحقيقة وضمان عدم إفلات المسؤولين عن الجرائم من العقاب.
وبين نيروبي وكمبالا، حملت فعاليات «أحمر الفاشر» رسالة واحدة: أن مرور عام على سقوط المدينة لا يعني انتهاء المأساة، وأن آثار ما حدث لا تزال حاضرة في حياة آلاف الأسر التي فقدت أحباءها ومنازلها وأمانها. كما تعيد الحملة طرح أسئلة العدالة والمساءلة، وضرورة استمرار الاهتمام الإنساني بالنازحين والناجين، حتى لا تتحول المأساة إلى ذكرى عابرة في سجل الحرب السودانية.