د.خضر الخواض: اللاجئون السودانيون في أوغندا يواجهون أزمة معيشية وصحية متفاقمة

حياة وكرامة اللاجئ فوق كل اعتبار

 

كمبالا: (ديسمبر)

 

أكد الباحث ومستشار علم الاجتماع والأنثروبولوجيا والناشط في العمل الإنساني والسياسي، د.خضر الخواض، أن أوضاع اللاجئين السودانيين في أوغندا تشهد تدهوراً متواصلاً مع استمرار الحرب في السودان، مشيراً إلى أن التحديات لم تعد تقتصر على توفير الغذاء، بل امتدت إلى السكن والصحة والتعليم وفرص العمل، في وقت تواجه فيه المبادرات الإنسانية والمطابخ المجتمعية أزمة تمويل تهدد استمرارها.

 

وفي حوار مع [ديسمبر]، قال الخواض إن الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والإمكانات المتاحة تتسع يوماً بعد يوم، داعياً المنظمات الإنسانية والجهات المانحة إلى مضاعفة جهودها، لأن “حياة وكرامة اللاجئ فوق كل اعتبار”.

 

معسكر كرياندنقو.. سكن هش وخدمات محدودة

 

استهل د.خضر حديثه بوصف واقع اللاجئين السودانيين في معسكر كرياندنقو بمنطقة بيالي، موضحاً أن اللاجئين يحصلون على قطعة أرض صغيرة يقيمون عليها مساكن مشيدة من المشمعات والأخشاب، وغالباً ما تتكون من غرفة أو غرفتين مع مساحة محدودة للزراعة المنزلية.

 

وأضاف أن هذه البيئة السكنية تفتقر إلى مقومات الأمان، إذ تتكرر حوادث السرقات والاعتداءات، إلى جانب معاناة السكان من نقص المياه الصالحة للشرب، وتدني الخدمات الصحية، وضعف فرص التعليم، وصعوبة توفير الغذاء اليومي، خاصة للأطفال.

 

أما في العاصمة الأوغندية كمبالا، فأوضح أن التحديات تأخذ شكلاً مختلفاً، إذ يواجه اللاجئون ارتفاعاً كبيراً في تكاليف المعيشة، نتيجة تراجع قيمة الجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، وارتفاع إيجارات المنازل، وانتشار البطالة، إلى جانب ارتفاع تكاليف العلاج والتعليم والاحتياجات اليومية للأسر.

 

المطابخ الإنسانية.. شريان حياة مهدد بالتوقف

 

وحول أوضاع المطابخ الإنسانية، أكد الخواض أنها أصبحت المصدر الأساسي للغذاء بالنسبة لكثير من الأسر المتعففة داخل المعسكر، حيث تعتمد على تبرعات الخيرين والجهود الذاتية والمبادرات المجتمعية، إضافة إلى مساهمات بعض المنظمات، من بينها منظمة (سابا) في بعض الفترات.

 

وأشار إلى أن استمرار الحرب وازدياد أعداد المحتاجين، مع غياب مصادر تمويل مستقرة، جعل هذه المطابخ تواجه خطر التوقف، بعدما توقفت بالفعل في فترات سابقة.

 

وقال إن توقف هذه المطابخ لا يعني نقصاً في الغذاء فقط، بل سيؤدي إلى اتساع دائرة الجوع وسوء التغذية، خاصة وسط الأطفال، كما سيترك كثيراً من الأسر دون أي مصدر ثابت للوجبات اليومية.

 

القطاع الصحي.. مرضى بلا علاج وأدوية

 

ووصف الخواض الوضع الصحي وسط اللاجئين بأنه “متردٍّ بصورة كبيرة”، موضحاً أن تراجع خدمات المنظمات الصحية الدولية وتوقف دعم بعض المرافق الصحية داخل المعسكر أدى إلى تكدس المرضى ونقص الأدوية وارتفاع تكاليف العلاج.

 

وأضاف أن هناك أعداداً كبيرة من أصحاب الإعاقات ومصابي الحوادث وكسور العظام لم يتمكنوا من إجراء العمليات الجراحية منذ فترات طويلة، فضلاً عن معاناة مرضى الأمراض المزمنة.

 

أما في كمبالا، فأشار إلى أن مرضى الفشل الكلوي والسرطان وغيرهم يواجهون أعباء مالية هائلة بسبب ارتفاع تكاليف العلاج، في ظل عدم قدرة كثير من الأسر على تحمل رسوم المستشفيات الخاصة والفحوصات الطبية والأشعة ومقابلات الأطباء، إضافة إلى ضعف خدمات الرعاية الصحية الأولية للأطفال.

 

وشدد على أن المرحلة الحالية تتطلب توفير بطاقات علاج مجانية أو مدعومة للاجئين، إلى جانب إدخالهم ضمن برامج التأمين الصحي، مع إعطاء أولوية للرعاية الصحية الأولية للأطفال والنساء الحوامل.

 

اللجوء يضغط على الأسرة السودانية

 

ومن زاوية اجتماعية، يرى الخواض أن بيئة اللجوء تركت آثاراً مباشرة على تماسك الأسرة السودانية، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية والاجتماعية التي تعيشها الأسر بعد الحرب.

 

وأوضح أن فقدان مصادر الدخل، والابتعاد عن البيئة الاجتماعية التي كانت مستقرة قبل الحرب، وصعوبة الحياة اليومية، كلها عوامل انعكست على العلاقات الأسرية.

 

وأكد أن هذه الأوضاع تستدعي تدخلاً مهنياً من اختصاصيي علم الاجتماع والخدمة الاجتماعية وعلم النفس، عبر برامج تستهدف علاج المشكلات النفسية والاجتماعية، وتطبيق أساليب التدخل الوقائي والعلاجي، بما يساعد الأسر على التكيف مع ظروف اللجوء.

 

التكافل السوداني.. إرث اجتماعي يتجاوز الأزمات

 

ورغم كل هذه التحديات، يرى الخواض أن روح التكافل بين السودانيين ما تزال حاضرة بقوة، موضحاً أن المجتمع السوداني بطبيعته، وباختلاف مكوناته الثقافية والاجتماعية والدينية والجهوية، اعتاد التكاتف في أوقات الأزمات.

 

وقال إن مبادرات “النفير” و”الفزع” تمثل جزءاً أصيلاً من الموروث الاجتماعي السوداني، وهو ما يفسر استمرار المبادرات المجتمعية في دعم اللاجئين رغم الظروف الاقتصادية الصعبة.

 

وأضاف أن هذه المبادرات نجحت خلال الفترة الماضية في سد جزء من الفجوة التي خلفها تراجع دعم المنظمات الإنسانية، لكنها أصبحت اليوم تواجه تحديات كبيرة بسبب اتساع حجم الاحتياجات وضعف الموارد، حتى إنها استنفدت معظم طاقتها، وأصبحت عاجزة عن مواصلة العمل بنفس الكفاءة السابقة.

 

احتياجات عاجلة ورسالة للمانحين

 

وحول الأولويات الإنسانية، حدد الخواض عدداً من الاحتياجات الأساسية التي تحتاج إلى تدخل عاجل، في مقدمتها توفير المياه الصالحة للشرب، وتحسين الخدمات الصحية، ودعم قطاع التعليم.

 

وأوضح أن الأطفال داخل المعسكر يواجهون إشكالات مرتبطة بتعدد المناهج الدراسية، ما بين المناهج السودانية قبل الحرب، والمنهج الأوغندي، ومنهج جنوب السودان، إضافة إلى التعليم العالمي والتعليم الذي تتبناه الحكومة السودانية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، وهو ما خلق حالة من الارتباك التعليمي.

 

كما شدد الخواض على أهمية توفير فرص عمل ومصادر دخل للاجئين، سواء عبر دعم الأنشطة الزراعية أو المشروعات التجارية الصغيرة، بما يقلل من معدلات البطالة والاعتماد الكامل على المساعدات الإنسانية.

 

ووجّه رسالة مباشرة إلى الجهات المانحة والمنظمات الإنسانية قائلاً: “حياة وكرامة اللاجئ فوق كل اعتبار”.

 

دعوة للإعلام والقانونيين

 

وفي ختام الحوار، دعا د.خضر الخواض وسائل الإعلام إلى إيلاء القضايا الإنسانية للاجئين اهتماماً أكبر، مؤكداً أن هناك قصوراً واضحاً في تسليط الضوء على الاحتياجات الأساسية التي يواجهها السودانيون في اللجوء.

 

كما شدد على أهمية اضطلاع القانونيين بدور أكبر في توعية اللاجئين بحقوقهم، وتعريفهم بالقوانين المنظمة للجوء، بما يمكنهم من معرفة حقوقهم وواجباتهم، والوصول إلى الخدمات التي تكفلها القوانين والاتفاقيات الدولية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *