“حقنا نتعلم”.. قصة مبادرة تقودها شابة سودانية لتعليم أطفال اللاجئين بالقاهرة

رشا مصطفى لـ(ديسمبر): المبادرة تستهدف الأطفال الذين لم يتمكنوا من الالتحاق بالمدارس بعد الحرب

– احتياجاتنا تتمثل في معلمين متطوعين ودفاتر وأقلام

– أسستُ مشروع “ست البنات” لخدمة المجتمع الريفي بالجزيرة فأوقفته حكومة الإنقاذ

 

القاهرة: (ديسمبر)

عبر مسيرة طويلة في العمل التطوعي والتنمية الريفية، تعمل الناشطة المجتمعية والأستاذة رشا مصطفى محمد علي، إحدى شابات السودان اللائي خطفن الأنظار، وكن شعلة من العطاء تحترق لتضيئ الدروب لمن حولها. امتد هذا العطاء من قرية أبو قَدُّوم بولاية الجزيرة، ليتجاوز الحدود الجغرافية السودانية ويستقر به المقام في القاهرة التي آوت الآلاف ممن طاردتهم الحرب العبثية في السودان. تطلق رشا هذه الأيام عبر منظمتها “ومضة أمل” مبادرة “حقّنا نتعلّم” التعليمية لدعم أطفال المرحلة الابتدائية المتأثرين بالحرب، كواحد من المشاريع الخدمية التي نشطت في تقديمها لمجتمع اللاجئين بالقاهرة.

 

من هي رشا مصطفى؟

أنا رشا مصطفى محمد علي، من مواليد قرية أبو قُدُّوم بريفي المسلَّمية في ولاية الجزيرة، درست المرحلة الأولى في قرية ود كري، ثم بعد الصف الثالث انتقلت إلى مدرسة المسلّمية، وكانت تبعد عن قريتنا حوالي كيلومترين ونصف، كنا نقطعها يومياً سيراً على الأقدام. وفي المرحلة الثانوية انتقلت أسرتي إلى العاصمة الخرطوم، ومن هناك جلست لامتحان الشهادة الثانوية من مدرسة الشهداء الحارة التاسعة الثورة، ثم التحقت بجامعة جوبا ودرست تخصص تنمية ريفية.

 

كيف خرجت إلى العمل التطوعي.. ومتى كانت البدايات؟

بداياتي مع التطوع كانت مبكرة جداً، وأنا طالبة في القرية شاركت في الجمعيات الأدبية وحملات النظافة. كانت أعمالاً بسيطة لكنها زرعت في داخلي حب العمل الجماعي والإحساس بالمسؤولية تجاه المجتمع.

 

وبعد الانتقال إلى العاصمة الخرطوم؟

انتقالي إلى الخرطوم فتح أمامي فرصاً أكبر، وتطوعت مع عدة منظمات منها: منظمة السودان للتنمية الاجتماعية (سودو)، الجمعية السودانية لحماية البيئة لفترة قصيرة. ومع مرور الوقت شعرت أنني بحاجة لعمل يعود بالفائدة مباشرة على مجتمعي الريفي، ففكرت بالشراكة مع دكتورة إشراقة مصطفى في تأسيس منظمة “ست البنات” للتنمية الريفية في قريتي أبو قدوم، بدعم من مدارس اليونسكو بالنمسا. كان المشروع تعليمياً بالدرجة الأولى، ونجحنا في تأسيس عدد من رياض الأطفال وتعليم الكبار واليافعين في ثماني قرى حول أبو قدوم، واستمر لمدة عام واحد فقط.

 

لماذا توقف المشروع رغم نجاحه؟

للأسف، تم إيقافه بعد عام واحد فقط بواسطة السلطات الأمنية في حكومة الإنقاذ، بحجة أن المشروع التعليمي يتعارض مع منهجيتهم في التحكم بالعملية التعليمية. كان القرار مؤلماً لكنه لم يثننا عن الاستمرار في خدمة الناس. واصلت في خط التعليم والعمل المجتمعي وأسست روضة صدى الإبداع النموذجية، واستمر العمل فيها لمدة تسع سنوات.

كما عملت في تصميم الملايات وإعادة التدوير، وكنت أدرّب النساء على هذه الأعمال لأنها تمثل مصدر دخل مهماً لكثير من الأسر.

 

وجودك في القاهرة، هل كان عائقاً أمام هذه المسيرة الحافلة بالنشاط الطوعي؟

وجودي في القاهرة كان قبل الحرب، إذ حملتُ معي حلماً كبيراً بإنشاء مركز للاحتياجات الخاصة والتأهيل النفسي. جئت إلى مصر والتحقتُ بمعهد الدراسات النفسية، ثم واصلت دراستي في جامعة عين شمس، وعندما قررت العودة في العيد اندلعت الحرب.

خلال الفترة التي سبقت الحرب أنجزتُ الكثير من الأعمال؛ حيث عملتُ منسقة للمشاريع والتدريبات، ومدربة للحرف اليدوية وإعادة التدوير ضمن مبادرة She للتدريب النسوي، كما عملتُ معلمة مهارات يدوية في جمعية “تفاؤل للاحتياجات الخاصة”، ثم معلمة مهارات في مدارس علياء النموذجية. لم أفوّت أي فرصة لزيادة معرفتي، فحضرت العديد من الورش والمؤتمرات المتخصصة في المجال، وتم تكريمي خلالها.

 

وبعد اندلاع الحرب؟

في عام 2023، وبعد الحرب، أسستُ مبادرة “ومضة أمل المجتمعية” التي تُعنى بتدريب النساء والشباب، والآن أعمل على تقديم مبادرة “حقّنا نتعلّم” الموجّهة للطلاب الذين لم يتمكنوا من الالتحاق بالمدارس بعد الحرب بسبب الظروف الصعبة وارتفاع تكاليف التعليم. أتمنى من كل شخص قادر على تقديم المساعدة ألا يتردد، حتى لا نترك هؤلاء الأطفال يواجهون ضياع مستقبلهم.

 

حدثينا عن فكرة مبادرة “من حقنا نتعلم”؟

هذه أول مرة تُقيم فيها المبادرة كورسًا أكاديميًا خاصًا بالطلاب، جاءت هذه الفكرة بعد ملاحظتي لوجود عدد كبير من الأطفال في الشوارع خلال أوقات الدوام المدرسي، وفي ظل الارتفاع غير المبرر في رسوم المدارس، أصبح من الضروري أن يكون للمبادرة دور فعّال تجاه هؤلاء الأطفال.

وبعد التواصل مع النساء اللاتي يعملن في الشارع، اكتشفت وجود عدد كبير من الأطفال الذين لم يدخلوا المدارس بسبب الحرب، وآخرين التحقوا ثم اضطروا للتوقف بسبب الظروف الاقتصادية. ورغم أن الإقبال كبير، إلا أننا لا نستطيع قبول كل الأطفال لعدم وجود جهة داعمة، لكن عدداً من المعلمين أبدوا تعاوناً رائعاً ووافقوا على تخصيص جزء من وقتهم لتعليم هؤلاء الأطفال لأن التعليم حق للجميع.

ويستمر الكورس لمدة ثلاثة أشهر وسيشتمل على دراسة أكاديمية أساسية، برنامج دعم نفسي، أنشطة مسرحية، الرسم والتلوين لتنمية الإبداع والتعبير عن الذات، برنامج “مطبخ صحي” لتعزيز العادات الغذائية السليمة وتعلّم إعداد وجبات بسيطة في المنزل، ورش “إعادة تدوير” و”كروشيه”، مع وجود مدربين متطوعين أبدوا استعدادهم للمشاركة في هذه الأنشطة.

وفي نهاية الفترة سيتم تقييم الطلاب من حيث الاستيعاب، والفائدة، ومدى التأثير النفسي والاجتماعي، وبعد التقييم سنعمل مع بعض المدارس على دمج كل طفل في الصف الدراسي المناسب له.

 

رسالة أخيرة؟

الفرصة مفتوحة أمام كل طفل يريد مواصلة تعليمه أن يتواصل مع مبادرتنا، وأيضاً الباب مفتوح لمن يريد أن يقدم لنا يد المساعدة عبر هذا المشروع المهم، وتتمثل احتياجات المبادرة في معلمين متطوعين ودفاتر وأقلام فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *