عقول بلا تردد، أيادٍ بلا كسل: علماء آثار يحاربون النسيان

عقول بلا تردد، أيادٍ بلا كسل: علماء آثار يحاربون النسيان

أماني أبوسليم

 

من يضيع ويُنسى ليس بالضرورة من لا قيمة له؛ حتى أصحاب القيمة الكبيرة يفقدون أهميتهم حين لا يعرفون قيمة أنفسهم. والدول، مثل الأفراد، حين لا تُقيّم ذاتها ولا تعي ثرواتها، تَهُن وتفقد مكانتها. والسودان مثال مؤلم لدولة غنية بذاكرتها الحضارية التي ظلت خارج حسابات الدولة، حتى صارت عرضة للغرق، ثم للنهب، ثم للنسيان.

 

كنوز السودان الأثرية ثروة مادية وثقافية هائلة، ومورد اقتصادي لم يُستثمر يومًا بما يليق بقيمته. فعلى امتداد الحكومات المتعاقبة، ظلّ التراث غائبًا عن التفكير الرسمي، ولم يُدرج ضمن الدورة الاقتصادية أو خطط الدخل القومي، وكأنه ملف ثقافي هامشي لا أصل سيادي، ولا مورد تنموي. لم تُبنَ حوله بنية سياحية، ولم تُربط حمايته بالتنمية أو بالاقتصاد المحلي.

 

تقرير حديث لوكالة (أسوشييتد برس) يوثِّق الجهود الفردية لموظفي الهيئة العامة للآثار. فرغم النزوح، عملوا على حماية ما يمكن حمايته من أحد عشر متحفًا وموقعًا أثريًا. نقلوا آلاف القطع إلى غرف آمنة. يحكي التقرير قصة الدكتورة شادية عبد ربه، عالِمة الآثار السودانية، التي وجدت نفسها تقاتل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تراث السودان. شادية، الأمينة السابقة في الهيئة العامة للآثار والمتاحف، تعمل اليوم في فرنسا بمنحة بحثية، تنكبّ في غرفة شبه مظلمة على أرشفة آلاف القطع الأثرية رقميًا، في سباق مع الزمن قبل أن يبتلعها النهب أو الضياع. مهمتها تجميع أرشيف رقمي شامل لكل المواقع الأثرية والمجموعات المتحفية والسجلات التاريخية السودانية قبل الحرب والنهب والتدمير.

بحسب التقرير، تعمل شادية بإمكانات محدودة. تعتمد على صور قديمة وسجلات مكتوبة بخط اليد وبيانات غير مكتملة. أنجزت حتى الآن نحو 20% فقط من المهمة. نجحت في توثيق أكثر من ألف قطعة من المتحف القومي وحده في سباق مع مدة المهمة التي يجب ان تنهي في أبريل 2026. رغم الدعم المحدود من مؤسسات دولية، إلا أنها تعمل معظم الوقت بمفردها، مدفوعة بإحساس شخصي بأن ما يُمحى ليس مقتنيات، بل تاريخ وعقود من البحث والعمل.

 

لكن هذه ليست المرة الأولى التي يُترك فيها التراث لمصيره. حين غُرقت حلفا في ستينيات القرن الماضي، غَرِقت البيوت وأحلام الناس ومعها آثار تعود لآلاف السنين. لم تكن هناك رؤية وطنية تُدرك أن ما سيغرق ليس مجرد قرى، بل مورد تاريخي واقتصادي كان يمكن أن يشكل أساسًا لتنمية طويلة الأمد. القليل الذي نجا كان ثمرة تدخل دولي عبر اليونسكو، كما في حالة كنيسة فرس، حيث أُنقذت الجداريات مقابل تقاسمها مع بولندا. تسوية أنقذت الأثر من الغرق، لكنها أكدت أن التراث لم يكن يُنظر إليه كأصل سيادي غير قابل للتفاوض والتفريط.

 

لم يكن ذلك مجرد خطأ إداري، بل انعكاسًا لنظرة ترى في الآثار عبئًا أمام “مشاريع التنمية الكبرى”، متجاهلة أن التراث ذاته يمكن أن يكون مشروعًا تنمويًا طويل الأمد. وهكذا تحوّل التراث السوداني من مورد محتمل إلى خسارة مضاعفة: ضياع المكان، وتشتت الذاكرة، وتنازل غير معلن عن جزء من السيادة الثقافية.

 

عند اندلاع الحرب في أبريل 2023، تعرّض المتحف القومي في الخرطوم، الذي كان يضم نحو مئة ألف قطعة أثرية، لنهب واسع النطاق، في واحدة من أكبر الكوارث الثقافية في تاريخ السودان. كما شهد متحف الجنينة ومتحف الفاشر تدميرًا شبه كامل. ما فُقد يشمل آثارًا من عصور ما قبل التاريخ، وكنوز ممالك كرمة ونبتة ومروي، ومومياوات عمرها نحو 2500 عام تُعد من الأقدم عالميًا، إلى جانب مجوهرات وقطع ملكية كوشية نادرة، وآثار إسلامية ومسيحية فريدة.

هذا الفقد لا يُقاس بالقيمة المادية وحدها، بل بما يُنتزع من الذاكرة المادية للشعب، تلك التي تعزز الاستمرارية والانتماء والهوية، وحمايتها جزء لا يتجزأ من سيادة الدولة.

وبينما ينشغل الرأي العام بالحديث عن تسرب موارد الذهب السوداني عن الخزينة العامة، يغيب عن الوعي أن الآثار تحمل قيمة مادية موازية، بل وأطول أمدًا. فالذهب مورد قابل للنضوب، أما التراث فهو ثروة متجددة، تعزز الهوية والحفاظ عليها يعلن اعتداد الدولة بنفسها مما يكسبها الاحترام الدولي.

إن البرنامج الذي تعمل ضمنه الدكتورة شادية يمثل اهتمامًا دوليًا بآثار السودان، لكنه اهتمام يظل أقل بكثير من حجم الكارثة. والسبب، كما يكشف الواقع، ليس فقط ضعف التضامن الدولي كما يشكو المهتمون، بل خفوت الصوت الداخلي، فالاهتمام الخارجي يأتي بقدر علو نداء الاستغاثة من الداخل.

السودان بلد “مسكين” بالمعنى الموجع للكلمة: غني بالثروات البشرية والعقول اللامعة، لكن هذه العقول تعمل غالبًا في عزلة، تصفق وحدها فلا يُسمع تصفيقها. تجاهد بإخلاص وتفانٍ للحفاظ على ما تؤمن به.

ما تفعله الدكتورة شادية ومن يشبهونها ليس مجرد عمل مهني، بل فعل إنقاذ أخلاقي في وجه النسيان.

التراث لا يضيع لأنه بلا قيمة، بل لأن الدول التي تملكه لم تعرف قيمته.

اللهم اعطنا سوداناً يقدر هذه العقول وتفانيها وإخلاصها وإيمانها بقيمة ما تعمل.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *