جريمة حرب تستوجب العقاب

لـ(ديسمبر) كلمة

جريمة حرب تستوجب العقاب

خلَّفت الحرب الدائرة في السودان، بعد 1000 يوم من اندلاعها، انهياراً شاملاً للنظام الصحي نتيجة لتدمير البنية التحتية، ونزيف الكوادر بسبب تهجير الكوادر الطبية المؤهلة، بالإضافة إلى انتشار الأوبئة مثل الكوليرا والحصبة والملاريا وحمى الضنك، وزيادة معدل وفيات الأمهات، والأطفال والصدمات النفسية الجماعية الناتجة عن العنف.

وجاء بيان منظمة الصحة العالمية، الذي ننشر فقرات منه على صفحتنا الأولى، ليؤكد قتامة هذا الواقع. حيث تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن (70-80%) من المرافق الصحية في مناطق النزاع المباشر (خاصة في الخرطوم ودارفور وكردفان) قد توقفت عن تقديم خدماتها، وأن (20-30%) منها تعمل بسعة محدودة جداً لا تتجاوز (20-40%) من طاقتها، بسبب نقص العاملين والكهرباء والمياه، والإمدادات الطبية. وقد توقفت تماماً معظم خدمات الجراحة الكبرى والعناية المركزة وعلاج السرطان والغسيل الكلوي مما يحكم على المرضى بالمعاناة أو الموت.

هذا إلى جانب توقف أجهزة التنفس والأجهزة الحيوية وفساد اللقاحات والأدوية الحساسة للحرارة في الثلاجات، وعدم قدرة سيارات الإسعاف على الحركة، والنهب المنهجي الذي تمثل في سرقة كل شيء: الأسِرَّة وأجهزة الأشعة والمولدات والإسعافات..إلخ. كما استولت القوات على أكثر من 30 مرفقاً صحياً (مثل مستشفى الجراحة في أم درمان، ومستشفى الفاشر التعليمي) وحولتها إلى قواعد عسكرية أو مواقع قتالية، مما جعلها أهدافاً للطرف الآخر، كما يحرم المدنيون من خدماتها.

لذا، فإن استمرار الهجمات على القطاع الصحي في السودان ليس مجرد “تجاوز” في ساحة المعركة، بل هو خرق متعمَّد لنصوص قانونية دولية محددة وواضحة، مما يُعزِّز وصفها كجرائم حرب محتملة.

تحذيرات منظمة الصحة العالمية والأمم المتحدة الواردة في بيانها أعلاه تستند بصورة أساسية على المواد الرئيسية في اتفاقيات جنيف لعام 1949 وبروتوكوليها الإضافيين لعام 1977 والتي تنص صراحة على حماية المنشآت الصحية والعاملين فيها.

فالقصف المباشر للمستشفيات يُعتبر خرقاً مباشراً للمادة 19 من الاتفاقية الأولى، والتي تنص على أن “المؤسسات الثابتة والوحدات الطبية المتحركة التابعة للخدمة الطبية لا يجوز بأي حال من الأحوال التعرض لها بالهجوم، بل يجب احترامها وحمايتها من قِبل أطراف النزاع في جميع الأوقات. كذلك يُشترط ألا تُستخدَم لارتكاب أعمال عدوانية”.

كما تنص المادة 18 من الاتفاقية الرابعة على “وجوب احترام وحماية المستشفيات المدنية والعاملين فيها. ولا يجوز بأي حال أن تكون المستشفيات المدنية هدفاً للهجوم، بل يجب أن تكون محمية ومعظَّمة في كل وقت من قِبل أطراف النزاع”.

كذلك فإن البروتوكول الإضافي الثاني والخاص بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية، تحظر المادة 9 منه الهجوم على الوحدات والمستشفيات الطبية: “لا يجوز أن تكون الوحدات والوسائل الطبية محلاً للهجوم ويتوجب احترامها وحمايتها”. كما تحمي المادة 11 الأفراد والمهمات الطبية، وتشترط أن “يتم احترام وحماية جميع الأشخاص المخصصين لأداء المهام الطبية”.

إن فداحة الخسائر البشرية والمادية الناجمة عن الهجمات على القطاع الصحي في السودان تفرض إجراء مساءلة قانونية عاجلة ومحاسبة لمرتكبي هذه الانتهاكات. ولابد من ملاحقة الأفراد المسؤولين عن إصدار الأوامر أو تنفيذ الهجمات على المرافق الصحية قضائياً، خصوصا أن المادة (8) من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية توفر السند القانوني اللازم لإجراء التحقيقات، إذ تنص على أن الهجمات المتعمدة ضد المباني والوحدات الطبية والأفراد المستخدمين للمساعدات الإنسانية، تشكل جرائم حرب في النزاعات المسلحة غير الدولية.

ولا يخفى على أحد أن إعادة بناء القطاع الصحي في السودان لا يتطلب وقف إطلاق النار فحسب، بل برنامجاً طويل الأمد لإعادة التأهيل قد يستغرق عقداً من الزمن على الأقل، مع استثمارات هائلة واستعادة ثقة الكوادر المهاجرة. وإلى ذلك الحين، سيستمر المدنيون في دفع ثمن هذا الانهيار كل يوم بأرواحهم.

لا للحرب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *