هزيمة الشعوب سياسيًا: عن غياب الإرادة وانتظار الخارج

هزيمة الشعوب سياسيًا: عن غياب الإرادة وانتظار الخارج

بقلم: صفاء الزين

 

أزمة المنطقة لا تتجسد في تعدد المحاور، أو في كثافة التدخلات الخارجية وحدها، وإنما في هزيمة أعمق وأشد قسوة؛ هزيمة الإرادة السياسية لدى المجتمعات نفسها. هزيمة لا تظهر فقط في ميادين القتال، وإنما في العجز المزمن عن إدارة الخلاف، وتحويله إلى سياسة، والسياسة إلى عقد يضبط الصراع بدل انفلاته.

ما يتكرر في أكثر من بلد ليس حروبًا فحسب، وإنما نمط متكامل من الانهيار. خلافات داخلية تتحول بسرعة إلى صراع صفري، وصراع يفرغ المجال العام من السياسة، فيُستدعى الخارج وسيطًا، ثم ضامنًا، ثم شريكًا غير معلن في المعادلة. ومع كل مرحلة، تتراجع القدرة الداخلية على اتخاذ القرار، ويُعاد تعريف السيادة باعتبارها شأنًا قابلًا للمقايضة.

الإشكال هنا لا يرتبط بندرة الوعي أو غياب النخب، ولكن بغياب الإرادة الجماعية لصياغة حد أدنى من التوافق، لأن الحوار يتحول إلى فعل مثير للريبة، والتسويات تُصوَّر بوصفها خيانة، بينما يُكافأ العنف باعتباره حسمًا. عند هذه النقطة تُهزم المجتمعات سياسيًا، لأنها تعجز عن حماية السياسة من منطق الغلبة.

في هذا الفراغ يتقدم الخارج لإدارة الأزمة، القوى الدولية لا تتحرك بدافع بناء الدول، ولكن بدافع المصالح، وضبط الإيقاع، ومنع الانهيار الشامل، مع الإبقاء على الصراع في مستوى يمكن التحكم فيه. انتظار الحل الخارجي، وفي هذا السياق يؤجل مواجهة الأسئلة الداخلية الحرجة، ويعمق الاعتماد على مسارات لا يملك الداخل مفاتيحها.

الخطر الأعمق يتمثل في تحول هذا النمط إلى حالة طبيعية، حيث تُدار المجتمعات عبر أزمات مستدامة، وتُستنزف الطاقات في صراعات بلا أفق، ويغيب الخيال السياسي القادر على تصور دولة قابلة للحياة. ومع كل دورة فشل، يتراجع الإيمان بإمكانية الحل الداخلي، ويتكرس الاعتماد على الخارج بوصفه قدرًا مفروضًا.

في السودان تتجلى هذه الهزيمة السياسية بصورة صارخة. الحرب تعبير مباشر عن عجز طويل عن الاتفاق على شكل الدولة، وقواعد السلطة، ومعنى الانتقال، والإجابة الغائبة على أسئلة الهوية والدين والدولة. وعندما غابت الإرادة الوطنية الجامعة، انفتح الباب واسعًا أمام تدويل الصراع، وتحول البلد إلى ساحة تُدار فيها التوازنات بدل صياغة المستقبل.

الخروج من هذا المأزق يبدأ بإعادة الاعتبار لفكرة السياسة ذاتها: الحوار باعتباره أداة قوة، والتسوية باعتبارها فعل مسؤولية، والاختلاف باعتباره جزءًا من بناء الدولة لا سببًا لهدمها. دون ذلك سيظل الانتظار سيد المشهد، وسيبقى الخارج حاضرًا، لأن الداخل لم يحسم خياره بعد.

 

إن الهزيمة السياسية لا تُقاس بعدد التدخلات الخارجية، وإنما بمدى استعداد المجتمع لتحمّل كلفة القرار المستقل. فالخارج لا يفرض حضوره في الفراغ، ولكنه يجد طريقه مفتوحًا حين يعجز الداخل عن إنتاج تسوية تخصه، أو عن حماية المجال السياسي من الانزلاق إلى العنف. لذلك فإن استعادة الإرادة تبدأ من كسر منطق التفويض الدائم، ومن إدراك أن بناء الدولة عملية شاقة تتطلب شجاعة الاعتراف بالأخطاء، والقبول بالتنازل المتبادل، وصياغة توافقات ناقصة لكنها قابلة للحياة، دون هذا التحول في الوعي والممارسة، ستظل المجتمعات تدور في حلقة انتظار الخارج، بينما تتآكل قدرتها على أن تكون فاعلًا في تقرير مصيرها، لا موضوعًا لقرارات الآخرين، ووقتئذ تصبح القوى الداخلية مخالب قط لأجندة الخارج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *