صعاليك الجنة ونفايات الكيزان السامة

صعاليك الجنة ونفايات الكيزان السامة

د.العبيد أحمد العبيد

لقد شاهدنا جميعا وقرأنا وصف شباب الثورة بالصعاليك والشواذ. انتابني غضب كبير، وأعتقد أنني اقتربت كثيراً من حالة الهستيريا والحنق والحزن ولم يهدأ لي بال حتى تذكرت قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ”.

لقد أصابوا شهداءَنا وثوّارَنا وخيرةَ شاباتِنا وشبابِنا بجهالتهم، ونسأل العليَّ القديرَ أن يجعلهم على ما فعلوا نادمين.

ليست المرة الأولى التي يُواجَه فيها شباب السودان، وهم يخرجون إلى الشوارع دفاعًا عن كرامتهم وذاكرتهم وحقهم في وطن، بسيلٍ من الإهانات الأخلاقية والوصم الاجتماعي. لكن المؤلم هذه المرة أن تُقال أوصاف مثل “صعاليك” و”شواذ” بحق من خرجوا لإحياء ذكرى ثورة ديسمبر، لا من أفواه كتائب الكيزان الإلكترونية فقط، بل من بعض الأصوات التي تزعم الوقوف في معسكر “الدولة” و”الجيش”، وبحضور رئيس وزراء يُفترض أنه مدني، فإذا به شاهد صامت على انحدار الخطاب العام، وعلى انزلاق الدولة – مرة أخرى – إلى لغة الكراهية بدل لغة المواطنة. وصل الأمر بأحد المخادعين (يمكننا أن نلقِّبه بابن عرس) بالادعاء الكاذب أن الشباب نظموا الاعتصام بدعم من دولة الإمارات.

دعونا نذكّر، بهدوء يليق بالغضب العميق:

كم من هؤلاء “الصعاليك” ماتوا؟

وكم منهم لا يزال مستعدًا للموت من أجل حرية، سلام، وعدالة؟

كم منهم خرج أعزلًا، لا يملك سوى صوته، فواجه الرصاص الحي، والدهس، والاعتقال، والتعذيب، وهو يهتف:  مدنية – العسكر للثكنات – والجنجويد ينحل؟

خذوا مثال ست النفور، ورفيقاتها ورفاقها: شابات وشبان لم يخرجوا طلبًا لمجد شخصي ولا مكسب سياسي، بل دفاعًا عن فكرة بسيطة ومخيفة للسلطة وللظلاميين: أن يكون هذا البلد ملكًا لأهله، لا لمليشياته ولا لتنظيماته السرية. هؤلاء لم يكونوا “شواذًا” عن المجتمع، بل كانوا – ولا يزالون – ضمير المجتمع حين تواطأت مؤسساته.

ولا ننسى أن كثيرين من هؤلاء “الصعاليك” اليوم يقبعون في سجون طرفي الحرب معًا؛ سجون الجيش، وسجون الدعم السريع، وكأن الحرب – في جوهرها – ليست إلا تحالفًا مؤجلًا ضد المدنيين. الإسلاموعسكر، حين تضيق بهم اللحظة، يعودون إلى عادتهم القديمة:

منع التظاهر،

شيطنة الثوار،

اتهامهم بالخيانة،

وصفهم بالطابور الخامس،

وتخوينهم بتهمة “التعاون مع العدو”.

لكن أي عدو؟

العدو الذي يقصف المدن؟ أم الذي ينهبها؟

العدو الذي يغتصب النساء؟ أم الذي يبرر الاغتصاب؟

الواقع يقول إن طرفي الحرب يشتركان في درجة العداء نفسها تجاه المدنيين، ويشتركان في جريمة واحدة لا تُغتفر: إسقاط الحكومة المدنية الانتقالية حين توحّدا، ثم اقتتلا على الغنيمة.  ليس عداء القوات المسلحة والدعم السريع لثورة ديسمبر عارضًا، أو ناتجًا عن سوء فهم سياسي، بل هو عداء بنيوي، نابع من حقيقة بسيطة يخشون الاعتراف بها: أن ثورة ديسمبر كانت مشروع نزع امتياز، لا مشروع تقاسم سلطة. كانت ثورة تقول، بوضوح لا يحتمل التأويل، إن زمن الوصاية قد انتهى، وإن السلاح لا يمنح شرعية، وإن الدولة لا تُدار من الثكنة ولا من معسكر المليشيا. لهذا السبب تحديدًا، التقى الجيش والدعم السريع – رغم كل تناقضاتهما – على هدف واحد: كسر المسار المدني، وإسقاط الحكومة الانتقالية التي مثّلت، ولو بحدودها الهشة، أول تجسيد مؤسسي لحلم ديسمبر. الثورة حية أيها الأوباش، أو كما كتب فضيلي جماع: “لا يمكن (للثورة) أن تنكص على عقبيها أو تستريح ما لم تنجز مهمتها. وأن جريان نهر الثورة لا يخرج أبداً عن مجرى نهر التاريخ الذي لا يأخذ خطاً مستقيماً أبداً. فالصعود والهبوط، والانتفاضة والسكون بين الفينة والأخرى شأن حركة التاريخ”.

ذلك الانقلاب لم يكن “خطأ تقدير” ولا “تصحيح مسار”، بل كان الخطيئة المؤسِّسة للحرب الحالية. يومها، صافح السلاحُ السلاحَ، لا حبًا في بعضه، بل خوفًا من المدنيين. وحين نجح الانقلاب، بدأ العد التنازلي للصدام: شراكة مؤقتة على الغنيمة، أعقبها اقتتال دموي عليها. لذلك، فإن أي خطاب يشيطن ثورة ديسمبر اليوم، أو يحقّر شبابها، هو في جوهره محاولة لتبرئة الانقلاب، وإعادة كتابة التاريخ بحيث يبدو الخراب قدرًا، لا نتيجة قرار واعٍ اتخذه جنرالات يعرفون جيدًا ماذا فعلوا، وماذا فتحوا على البلاد من أبواب الجحيم.

هؤلاء الذين تُطلقون عليهم “صعاليك” هم أفضل ما فينا.

هم تاج رؤوسنا.

هم أنقى وأشرف وأطهر من كل هذا الوحل الذي تحاولون تطبيعه باسم الدولة والهيبة والسيادة.

مكانهم – إن أردنا استعارة لغتكم – ليس الهامش ولا الزنازين، بل الجنة.

أما أنتم، فأنتم ثمرة أكثر من خمسة وثلاثين عامًا من التدريب المكثف على احتقار السودانيين.

قال جمال محمد أحمد: “أسوأ ما تصنعه السلطة أنها تدرّب أصحابها على احتقار الناس، ثم تستغرب حين تسقط.”

وهذا بالضبط ما أنتم عليه: نخب مُدرَّبة على الاحتقار، مذهولة حين يرفضها الشارع.

أقدّم لكم نصيحة مجانية، ولوجه الله تعالى:

عودوا إلى رشدكم.. أو عودوا إلى جحوركم الظلامية.

فالشارع لا يخلو، والثورة لا تشيخ،

و”مهما تأخروا فإنهم يأتون.”

يأتون شابات وشبانًا، زي الورد،

من كل فج عميق في سودان العزة،

يحملون الحرية والسلام والعدالة لا كشعارات، بل كأقدار.

كما قال ابن القطينة، محمد ود ملين: “الشباب هم ضمير هذا الوطن حين تصمت الأجيال التي سبقته”.

وصدق منصور خالد حين كتب: “الثورات لا تصنعها النخب، بل تصنعها لحظة التقاء الألم بالأمل، حين يقرر الشباب أن الخوف لم يعد خيارًا.”

أبناؤنا وبناتنا قرروا.

وقرارهم هو ما يدفع الخائف الوضيع إلى وصفهم بالصعاليك والشواذ.

هذا المشهد يعيد إلى الأذهان ما جرى بعد انتفاضة أبريل 1985، حين سارع بقايا نظام نميري، ومعهم نخب محافظة ومرتبكة، إلى شيطنة لجان الانتفاضة والطلاب والنقابيين. قيل يومها إن الشارع “اندفع أكثر مما ينبغي”، وإن الشباب “لا يعرفون مصلحة البلد”. وكانت النتيجة أن تُركت الثورة بلا حماية أخلاقية، فعاد الاستبداد بوجه جديد.

نعم، القوى المدنية في السودان عانت – تاريخيًا – من التشتت.

لكن حين توحّدت في أبريل 1985، أنتجت ميثاق التجمع الوطني.

وحين توحّدت مرة أخرى، أسقطت طاغوت العنف والفساد والعفن الإسلاموعسكري.

في المرتين، سرق الكيزان الثورة.

لكن السرقة الثانية كانت مختلفة:

أنجبت أطول وأقسى حرب،

وفي الوقت نفسه أنجبت أصلب جيل ثوري في تاريخ السودان الحديث – جيل وُلد وترعرع تحت الهمبتة باسم الدين، وقرر ألا يورثها.

وحين انهارت الدولة بالكامل، وحين صمتت المؤسسات، وتفككت الخدمات، وتحوّلت المدن إلى خرائط موت، لم يظهر الجيش منقذًا، ولم يهبط الدعم السريع رحيمًا. من ظهر، بلا ضجيج ولا خطب، كانوا هؤلاء “الصعاليك” أنفسهم مسلحين بكلمات بعضها مستلهمة من قاموس البشير للبذاءة مثل “شذاذ الآفاق”. غرف الطوارئ لم تكن مجرد مبادرات إسعافية، بل كانت إعلانًا أخلاقيًا صريحًا: أننا، المدنيون، سنحمي بعضنا حين تتخلى الدولة عن واجبها. شابات وشبان حملوا الإسعافات على أكتافهم، تسللوا بين القذائف، أوصلوا الطعام والدواء، فتحوا بيوتهم كمشافٍ مؤقتة، وحوّلوا الخوف إلى فعل.

في تلك اللحظات، سقطت كل الأكاذيب الكبيرة:

سقطت أسطورة “الدولة الحامية”،

وانكشفت عورة السلاح،

وظهر المعنى الحقيقي للوطن.

الوطن لم يكن الراية، ولا الخطاب، ولا الزي الرسمي.

الوطن كان شابًا يركض تحت القصف ليُنقذ غريبًا،

وفتاة تبيت في غرفة طوارئ بلا نوم،

ومتطوعًا يقاسم آخر كسرة خبز وهو يعلم أن الدور قد يأتي عليه.

حين فشلت الدولة، نجح المجتمع.

وحين انهارت السلطة، نهضت الأخلاق.

وهذا – تحديدًا – ما لا يُغتفر لهؤلاء الشباب: أنهم أثبتوا، بالفعل لا بالشعار، أن السودان يمكن أن يُدار بلا جلاد، وبلا وصي، وبلا خطابات سيادية جوفاء.

التاريخ لا يكرر نفسه كملهاة فقط، بل كتحذير.

ومنصور خالد حذّر من احتقار النخب لشعبها ساعة الفعل.

وجون قرنق فهم أن لا “سودان جديد” بلا طاقة الشباب.

أما أزهري محمد علي سالم (شخصياً اعتبره لسان حال البلد وكرامته) فقال في واحدة من قصائده الحديثة ما يشبه حالنا اليوم:

نحن الذين إذا أُغلِقَت أبوابُ البلاد

دخلنا من شقوق الحلم

ومشينا نحو الضوء حفاةً

لكننا لم نساوم.

أن يُوصَف شباب ديسمبر بالصعلكة، بينما تُغسَل جرائم الحرب بخطاب السيادة، هو انقلاب أخلاقي كامل.

الصعلوك الحقيقي ليس من يهتف ضد القتل، بل من يبرّره.

والشذوذ الحقيقي ليس الخروج إلى الشارع، بل التعايش مع المجازر وكأنها بند إداري.

الأكثر فداحة أن تُقال هذه الإهانات في حضرة رئيس وزراء يبدو – في صمته وارتباكه – أقرب إلى شخصية كرتونية منها إلى رأس سلطة تنفيذية تحمي حق التظاهر وكرامة المواطنين. فالصمت هنا ليس حيادًا، بل اصطفاف. الصمت هنا سلوك أصيل للمحلل…

شباب ديسمبر ليسوا صعاليك مثلكم.

هم صعاليك الجنة: خسروا الامتياز وربحوا المعنى.

إن بقايا نظام البشير – كيزانًا كانوا أم إسلاموعسكريين بواجهات جديدة – يشبهون تمامًا النفايات النووية:

قد تبدو ساكنة، أو “مخزّنة” مؤقتًا، أو مُعاداً تدويرها في حاويات الدولة والجيش والإعلام، لكنها تظل سامة بطبيعتها، قاتلة في أثرها، طويلة العمر في تخريبها. الخطر الحقيقي في النفايات النووية ليس في انفجارها اللحظي، بل في إشعاعها الصامت، الذي يتسرّب إلى التربة، إلى الماء، إلى الهواء، ويقتل ببطء كل إمكانية للحياة السليمة. هكذا تمامًا يفعل خطاب الكيزان حين يُعاد إنتاجه:

يُلوّث الأخلاق العامة،

يُشوه معنى الوطنية،

ويُدرّب أجيالًا جديدة على احتقار الناس، ثم يتساءل بوقاحة: لماذا انهارت الدولة؟

وأن يُوصَف شباب ديسمبر – الذين قدّموا آلاف الشهداء، والمعتقلين، والمشردين، ومنهم ست النفور ورفيقاتها ورفاقها الذين واجهوا الرصاص بصدور عارية – بأنهم “صعاليك وشواذ”، بينما يُمنح قتلة المدنيين ألقاب “القيادة” و”السيادة”، فذلك ليس اختلافًا سياسيًا، بل انقلاب أخلاقي كامل.

الصعلوك الحقيقي هو من باع الوطن، لا من دافع عنه.

والشذوذ الحقيقي هو التعايش مع المجازر، لا الهتاف ضدها.

إن الصمت الرسمي – صمت رئيس وزراء يبدو كاريكاتوريًا في حضرة هذا الانحطاط – ليس تفصيلاً. الصمت هنا مشاركة، والتواطؤ هنا سياسة. فمن يعجز عن حماية كرامة المتظاهرين في الخطاب، لن يحمي حياتهم في الواقع ويستحق لقب المحلل لا رئيسا للوزراء.

شباب ديسمبر ليسوا عبئًا على السودان، بل شرط بقائه. هم ضميره حين صمت الكبار، ونبضه حين تجمّدت المؤسسات. هم، كما قال ود ملين، ضمير هذا الوطن، وكما فهم منصور خالد، لحظة التقاء الألم بالأمل.

أما نفايات الخطاب الكيزاني السام، مهما أُعيد تدويرها بلباس وطني أو عسكري، ومهما غيّرت أسماءها وراياتها، فلا مستقبل لها إلا العزل، والتطهير، والتفكيك الكامل. فان النفايات النووية:

قد تُخزَّن،

قد تُغطّى،

لكنها تظل قاتلة،

وتلوّث كل ما يقترب منها،

ولا تُنتج دولة.. بل خرابًا مؤجّلًا.

فالدول لا تُبنى بإعادة تدوير السم، بل بإزالته.

الدول تبني بأيادي الذين دخلوا من شقوق الحلم ومشوا نحو ضوء الثورة حفاة كاشفين الصدور،

هؤلاء الذين مشوا نحو الموت، لم يكونوا يبحثون عن بطولة، بل عن حياة تشبه اسمها.

الشارع الذي تخافونه، هو نفسه الذي أسعف جرحاكم،

وأطعم جياعكم،

وأنقذ أبناءكم،

بينما كنتم ولا تزالون تفاوضون على السلطة وعلى اقتسام مال السحت.

الثورة لا تحتاج إذنًا،

ولا تنتظر اعترافًا،

هي تمشي حافية،

لكنها تعرف الطريق.

والسؤال الحقيقي، يا أيها الصعاليك وشوّاذ الأخلاق الحقيقيين، ليس: من خرج إلى الشارع؟

بل: من يخاف من الشارع.. ولماذا؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *