السودانيون ورهان “الكرامة” المفقودة بين القاهرة والخرطوم!
نجلاء نورين
يواجه المواطن السوداني اليوم فصلاً من أبشع فصول الانتهاك الإنساني في التاريخ الحديث. ففي الداخل، يرزح تحت وطأة وحشية “قوات الدعم السريع” التي استباحت كل شبر طالته يدها، وحوّلت المدن الآمنة إلى ساحات للعنف العبثي والنهب الممنهج، وفي المقابل، يجد المواطن نفسه في مناطق سيطرة “الجيش” متهماً حتى تثبت براءته، ملاحقاً بتهمة التعاون أو “الرأي”، في بيئة أمنية متوجسة تضيق فيها الحريات ويُستهدف فيها ثوار ديسمبر بالابتزاز والتنكيل تحت ذريعة “الاصطفاف الوطني”. في هذا المناخ المشبع بالخوف، تفقد شهادات المواطنين قيمتها الأخلاقية والموضوعية، إذ لا صوت يعلو فوق صوت الترهيب، ولا أمان يمنح المرء رفاهية التصديق أو التعبير عن الوجع دون خوف من “زوار الفجر” أو “رصاص الغدر”!.
لقد تعايش قطاع عريض من السودانيين مع هذا الجحيم المسلح قسراً، لا طواعية؛ فتكلفة النزوح الباهظة، والالتزامات الثقيلة تجاه كبار السن الذين لا يقوون على المسير، وغياب المعيل في رحلة لجوء مجهولة الأمد، جعلت من البقاء في “أتون النار” خياراً مراً في حرب تلتهم الأخضر واليابس ولا تلوح لها نهاية. أما أولئك الذين ضاقت بهم الأرض بما رحبت، وفروا بكرامتهم خارج الحدود، فقد فعلوا ذلك بعد اكتشافهم للحقيقة الصادمة المرة: أن طرفي النزاع ينظران للمواطنين فقط كـ”خسائر جانبية للحرب”، أو مجرد أرقام في إحصائيات الأمم المتحدة، لا قيمة لها في حسابات النصر والهزيمة.
حيث نرى جيوشاً تنسحب في تكتيكات مريبة وتترك العُزّل لمصيرهم المحتوم، وقواتٍ أخرى تنكل بهم كما تشاء، في عبثية عسكرية غيَّبت المفهوم الحقيقي لسيادة الدولة وحماية المواطن، فصارت البندقية هي الدستور، والطلقة هي لغة الحوار الوحيدة!.
لقد كانت مصر، بحكم التاريخ والجغرافيا والدم، هي الوجهة والملاذ الأول، وبعد أن فتحت أبوابها في البداية وأكدت مضمون الأغنية السودانية الشهيرة “مصر يا أخت بلادي يا شقيقة”، تجسيداً لوحدة النيل والمصير، بات السوداني اليوم يواجه واقعاً مغايراً يتسم بالضبابية والقسوة. فالبطاقات الزرقاء والصفراء؛ التي أصدرتها مفوضية اللاجئين في مصر، لم تعد درعاً واقية من ملاحقات الشرطة المصرية أو الترحيل القسري المفاجئ إلى ذات الجحيم الذي فروا منه بأرواحهم وجلودهم.
والصادم في الأمر، والأكثر إيلاماً للروح، ما تداولته منصات إعلامية وحقوقية حول أن هذه الملاحقات والتضييقات تتم بطلب مباشر وتنسيق أمني حثيث مع “حكومة بورتسودان”! في محاولة بائسة تفتقر لأدنى قيم المروءة لإجبار السودانيين على العودة القسرية، لا حباً فيهم، بل لاكتمال مشهد “الشرعية” المهترئ أمام المجتمع الدولي، وليكونوا وقوداً بشرياً لحشود يُراد الحكم فوق رؤوسها المثخنة بالجراح، واستعراضاً لعصا القادة العسكريين التي تتمايل في الهواء ادعاءً لانتصارات وهمية على جثث المدنيين وكرامة مهدورة داخل وخارج البلاد.
إن صحّ هذا التواطؤ المخزي بين حكومة البرهان والسلطات المصرية، فنحن لسنا أمام أزمة إدارية، بل أمام انتهاك صارخ للقانون الدولي واتفاقيات جنيف وحماية اللاجئين. إنه تغوّل سلطوي عابر للحدود يثبت للشعب السوداني يوماً بعد يوم أن عقلية القمع لا تكتفي بخنق المواطن في الداخل، بل تلاحقه في منفاه وملاذاته الأخيرة لتسلب منه خيار العيش بسلام أو حتى خيار الموت بهدوء!. هي ذروة السوء التي وصلتها الأنظمة العسكرية في القارة الإفريقية؛ حيث تتحالف الدكتاتوريات وتنسق الأجهزة الأمنية ضد شعوبها المنهكة التي لا تبحث إلا عن كسرة خبز وأمان مفقود.
إن هذا المشهد يكرس حقيقة مريرة: أن حياة الإنسان وقيمته الوجودية لا تزن شيئاً أمام شهوة البقاء في السلطة واستمرارية الكرسي، وأن الأوطان باتت مختطفة بقرار عسكري أخرق يسحق الإنسان أينما وُجد، ويطارده “جوة وبره” ليبقى الجنرال، وليحيا الكرسي على أنقاض الكرامة الإنسانية.
ختاماً، ليعلم الطغاة أن محاصرة الفارّين من الموت بتخييرهم بين الترحيل أو العيش في ظل الخوف الدائم، هي جريمة أخلاقية تحوِّل ملاذات الآمنين إلى سجون مفتوحة، وليعلموا، أن الكرامة التي يبحث عنها السوداني بين الخرطوم والقاهرة ليست منحة من أحد، بل هي حق انتزعه بدمائه في ديسمبر، ولن تسقطه “ترتيبات أمنية” أو “صفقات سياسية” عابرة، فالتاريخ لا يرحم المتواطئين، والشعوب وإن استكانت تحت وطأة الرصاص، فإن جمرها لا يموت.
ستظل إرادة البقاء أقوى من أسوار السجون، وأبقى من عروشٍ بُنيت على أنين المستضعفين وتشريد الأبرياء في منافي الأرض. فالحقوق المهضومة لا تموت بالتقادم، والظلم مهما تطاول ليله وعتا طغيانه، فلا بد من فجرٍ آتٍ يسترد فيه السودانيون وطنهم المسلوب، وكرامتهم الجريحة، وحقهم الأصيل في حياةٍ لا يُهان فيها حرٌّ ولا يُضام فيها لاجئ.