معركة المعايير: بين مبدئية مشاريع الحق وانتهازية المواقف والمواقع
محمد الأمين عبد النبي
تنسب إلى عالم الاجتماع ابن خلدون مقولة تُشخّص مأساة سقوط الأمم بمقولة خالدة، تبدو وكأنها كُتبت لوصف الراهن السوداني، حيث يقول: “عندما تنهار الدول يكثر المنجمون والأفاقون والمتفقهون والانتهازيون، وتعم الشائعة، وتطول المناظرات، وتقصر البصيرة، ويتشوش الفكر”. هذا التشوش هو الثغرة التي تسلل منها الانتهازيون إلى مفاصل الوعي الجمعي، محولين الفضاء العام إلى مسرح للعبث واغتيال السياسة وتزييف الحقائق؛ إذ استغلوا هشاشة الواقع ومرارة الظروف ليُقدموا أنفسهم كسياسيين، بينما هم في الحقيقة لا يعنيهم الوطن بقدر ما تعنيهم مصالحهم الضيقة، متخذين أبواقاً لتضخيم خيالاتهم وخلق إجماع زائف لا وجود له إلا في عقولهم النفعية.
وهنا يبرز تحذير السيد المسيح ككاشف لهؤلاء حين قال: “احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان، ولكنهم من الداخل ذئاب خاطفة، من ثمارهم تعرفونهم”. والشعب اليوم يجني ثمار سياساتهم المريرة: فوضى في الرؤية، وتمزق في النسيج الاجتماعي، وتقديس “الفهلوة” على حساب مشارع الحق.
منذ اندلاع الحرب، لم تعد المسؤولية الأخلاقية مقتصرة على من يطلق الرصاص أو يقصف الأحياء أو يعتقل المدنيين؛ فثمة فاعلون يقفون خلف المشهد، يوفّرون الغطاء السياسي، ويمنحون الشرعية الخطابية، ويعيدون تدوير السلطة العسكرية في ثوب جديد، وهم بذلك شركاء في استمرار المأساة.
إن الانتهازيين الذين اصطفوا مع أحد طرفي الحرب، أو تنقّلوا بينهما وفقاً لمعادلات القوة، لا يمكن إعفاؤهم من مسؤولية الجرائم والانتهاكات. فالجرائم لا تُرتكب بالسلاح وحده، بل تُرتكب أيضاً بالخطاب المصلحي، وبالتحريض الضمني، وبمنح الغطاء السياسي للعسكريين. فكل خطاب يبرر الحرب، أو يهوّن من الفظائع، هو إسهام مباشر في إطالة أمدها.
والأخطر أن هؤلاء لا يكتفون بتبرير العسكرة، بل يسعون إلى التماهي معها؛ فيتسولون موقعاً في سلطة الأمر الواقع، ويقدّمون أنفسهم كجسر مدني يمنح الحكم العسكري واجهة سياسية. وفي لحظة كان يُفترض فيها أن يُعاد تعريف العلاقة بين المدني والعسكري لصالح الدولة المدنية، اختاروا إعادة إنتاج المعادلة القديمة: عسكر يملكون القوة، ومدنيون يبحثون عن نصيب في السلطة تحت مظلتهم.
وفي سبيل ذلك، تُبذل جهود حثيثة لإقصاء قوى الثورة والتغيير الحقيقية التي رفضت الانقلاب ورفضت الحرب من بدايتها، عبر تصوير الموقف المبدئي الرافض لشرعنة البندقية كأنه موقف “خائن” أو “متخاذل”. إن الهدف ليس بناء عملية سياسية، وإنما إعادة ترتيب المشهد بحيث يُكافأ من قَبِل بالأمر الواقع، ويُعاقَب من تمسك بالمبدأ.
يتحدث هؤلاء عن السلام، لكنهم لا يقصدون سلاماً يؤسس لعدالة ومساءلة وإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة؛ بل ما يبحثون عنه هو سلام يضمن لهم مقاعد في السلطة، وترتيبات مفصّلة على قياس توازنات السلاح. سلام بلا مشروع وطني، وبلا إصلاح أمني وعسكري، وبلا تفكيك لاقتصاد الحرب.
بهذا المعنى، فإن خطورتهم لا تقل عن خطورة أطراف الحرب، بل قد تتجاوزها؛ فالمتحاربون يمارسون العنف بصورة مباشرة وواضحة، أما الانتهازيون فيعملون على شرعنة نتائجه السياسية. الأول يدمّر بالبندقية، والثاني يعيد إنتاج الدمار في شكل تسوية هشة تكرّس منطق الغلبة.
الخطر الأكبر يكمن في ترسيخهم قاعدة أن الطريق إلى السلطة يمر عبر التحالف مع من يملك السلاح، لا عبر التفويض الشعبي، ولا عبر مشروع وطني جامع. هذه القاعدة تكرس فكرة أن من يحمل السلاح يفرض شروطه، ومن يريد نصيباً في الحكم فعليه أن يبحث عن بندقية يتكئ عليها.
السودان لا يواجه فقط معركة بين قوتين عسكريتين، بل يواجه معركة على “معنى السياسة” نفسها؛ فإما أن تكون السياسة مشروعاً وطنياً يؤسس لدولة قانون ومؤسسات، أو أن تتحول إلى سوق مساومات في ظل فوهات البنادق. وفي هذه المعركة، يصبح الثبات على رفض الانقلاب والحرب موقفاً أخلاقياً وشرطاً لبقاء الدولة موحدة.
منذ اللحظة الأولى لانفجار القتال، كان هناك صوت واضح لم يتلعثم ولم يساوم: “لا للحرب، لا لشرعنة البندقية، لا لإعادة تدوير الحكم العسكري بأي مسمى”. هؤلاء دعاة السلام لم يربطوا موقفهم بتقدم هذا الطرف أو تراجع ذاك، ولم يجعلوا دم المدنيين تفصيلاً في معادلة سياسية. ثباتهم يعد انحيازاً صريحاً لفكرة الدولة المدنية ولمبدأ أن السلطة تُستمد من الإرادة الشعبية. ورغم تعرضهم للتخوين والتشويه، إلا أنهم لم يبدلوا خطابهم؛ لأن معيارهم لم يكن ميزان القوة بل ميزان الحق. هذا الاتساق هو ما يمنح موقفهم قوة أخلاقية وسياسية معاً؛ قوة نابعة من وضوح البوصلة لا من حسابات اللحظة.
في المقابل، لم يكتفِ الانتهازيون بالاصطفاف مع أطراف الحرب، بل تمادوا في إعادة وصل ما انقطع مع مشروع “الإسلامويين” الذي لفظته ثورة الشعب؛ وهكذا يتحول الصراع من مأساة وطنية إلى معبر لاستعادة نفوذ قديم بثوب جديد.
وفي ظل هذا الواقع المأزوم، يتكشف صراع على “الوزارات” و”المجلس التشريعي” لا يحكمه برنامج إصلاحي ولا رؤية سياسية، بل يحكمه منطق المنازعة على النفوذ وإثبات الوجود. تتكاثر مراكز القرار، وتتداخل الصلاحيات، وتتحول المؤسسات إلى ساحات شدّ وجذب بين شبكات مصالح تبحث عن موطئ قدم في واقع مضطرب. وفي هذا المناخ، وجد الفساد بيئة مثالية؛ فغياب الشفافية، وضعف الرقابة، وتسييس التعيينات، كلها عوامل تجعل الدولة تبدو ككيان يُدار بالولاءات، والنتيجة: شلل إداري، وترسيخ لانطباع أن الصراع على الكراسي يتقدم على الصراع من أجل إنقاذ الوطن.
على أطراف الحرب أن تدرك أن شبكات الانتهازية -التي تتغذى على الانقسام واستمرار الحرب وتفتيت القوى المدنية الرافضة للقتال- لن تكون بدائل حقيقية ولن تمنح غطاءً سياسياً لهذا المعسكر أو ذاك، وحتماً سترتد عليهم وعلى البلاد كلها، وتعمّق هشاشة الدولة بدل أن تعزز استقرارها.
إن الموقف الرشيد ليس في الاستقواء بالانتهازيين، بل في البناء على الموقف الصحيح الذي طرحته القوى المدنية لوقف الحرب، عبر حوار حقيقي يؤسس لرؤية وطنية جامعة، لا عبر مساومات تعيد إنتاج الأزمة. الطريق إلى السلام لا يمر بتكتيكات تقسيم المدنيين، ولا بالاستسلام لمنطق الحرب، بل بإرادة سياسية صادقة تعترف بأن الوطن أكبر من معركة سلطة، وأن أي تسوية لا تقوم على مشروع وطني شامل ستظل رهينة لدوامة العنف والانتهازية.