صانع السلام.. أم قاطف الثمار؟

صانع السلام.. أم قاطف الثمار؟
“عقيدة ترامب” في إدارة الأزمات الخشنة!
بقلم/ نجلاء نورين

لطالما سُوّق دونالد ترامب في الأدبيات السياسية بوصفه “رجل الصفقات” الذي يتخذ من كتابه الشهير”The Art of the Deal” – “فن الصفقة” – دستوراً لإدارة الدولة. لكن القراءة الفاحصة لسلوكه، خاصة في منطقة الشرق الأوسط وإفريقيا، تكشف عن استراتيجية تتجاوز طاولات التفاوض التقليدية؛ إنها استراتيجية “الوكالة الخشنة” التي يعقبها “الظهور الناعم”.

ما يفعله ترامب هو التفويض المبطن وهندسة الميدان بالوكالة. وخلافاً للصورة الذهنية التي يصدرها كشخص يتدخل مباشرة لحل النزاعات، تشير الوقائع إلى تبنيه مبدأ “التفويض المبطن”. ففي الغرف المغلقة، يميل ترامب لمنح “الضوء الأخضر” للقوى الإقليمية الفاعلة للقيام بالمهمات الشاقة أو “الخشنة”. تشمل هذه المهام حسم ملفات أمنية شائكة أو إعادة رسم موازين القوى بالحديد والنار لفرض واقع جيوسياسي جديد يخدم المصالح الأمريكية دون انخراط مباشر.

الفلسفة هنا براغماتية بامتياز، ترفع شعار: “دعهم ينهون القصة بطريقتهم، طالما أن النتيجة تخدم الأهداف الكبرى”. هذا الأسلوب يحرر الإدارة الأمريكية من التبعات الأخلاقية والقانونية، ويلقي بعبء التنفيذ وتكاليفه على كاهل الحلفاء، مما يجعل ترامب في مأمن من “وحْل الحروب” المباشرة واستنزاف موارد بلاده في صراعات لا تنتهي.

يكمن مكر ترامب في “توقيت الصعود إلى المسرح”. فهو لا يتدخل والطلقات لا تزال تدوي في الأفق، بل ينتظر حتى تنهي القوى الفاعلة مهمتها وتصل الأزمة إلى مرحلة الإنهاك أو الحسم الميداني شبه الكامل. في هذه اللحظة، يظهر ترامب ببدلته الأنيقة ليقدم نفسه للعالم كـ”صانع السلام والمنقذ” الذي أوقف النزيف ببراعته الشخصية.

في هذه المرحلة، تكون القضايا الجوهرية قد حُسمت فعلياً بالأدوات الخشنة، وما يتبقى ليس سوى “رتوش” إجرائية وبروتوكولية. هنا، يتدخل ترامب “لتسوية الأمور بكل سهولة”، موظِّفاً قدراته الخطابية والبروباغندا السياسية ليوهم العالم أنه لولاه لما سكتت المدافع، بينما الحقيقة أنه كان يراقب نضج الثمرة التي رُسمت معالم قطافها بضوء أخضر منه سراً.

بالإسقاط على الواقع السوداني، تبرز مخاوف عميقة لدى السودانيين من هذه “العقيدة الترامبية”. فبينما يحتاج السودان إلى حل استراتيجي يعالج جذور الحروب الطويلة ويؤسس لدولة العدالة، قد يكتفي ترامب بـ”صفقة سريعة” تمنحه مجداً سياسياً عاجلاً وصورة “حمامة السلام” أمام المجتمع الدولي، مع تحويل الملف لاحقاً إلى مشروع استثماري يتربح منه عبر وكلائه وحلفائه الإقليميين.

وهنا تكمن المفارقة التي تثير القلق في الشارع السوداني، وهي الهوة الواسعة بين المكسب التكتيكي الذي ينشده ترامب، والهدف الاستراتيجي الذي ينتظره السودانيون. فنهج ترامب يميل للحل التكتيكي الذي يركز على وقف إطلاق نار هش وتوقيع صور بروتوكولية تحقق مكسباً سياسياً سريعاً، لكنها غالباً ما تتجاهل الجذور العميقة للمشكلة السودانية التي تتطلب حلولاً جذرية لا مجرد مسكِّنات.

في المقابل، يتمثل مطلب السودانيين في الحل الاستراتيجي الذي يهدف لتفكيك بنية الصراع وضمان استدامة السلام، وهو ما يتطلب نفساً طويلاً وإرادة سياسية صلبة لا تتسق بالضرورة مع رغبة ترامب في تحقيق النتائج الفورية والمبهرة إعلامياً. إن البراغماتية المفرطة التي يتبناها ترامب تثير هواجس رئيسية حول انعدام الموثوقية، لقدرته الفائقة على تغيير موقفه 180 درجة إذا تغيرت بوصلة المصلحة، مما يجعل “الضوء الأخضر” الممنوح اليوم قد يتحول إلى “فخ” في الغد.

يخشى السودانيون غياب البعد الأخلاقي وأن يضحي ترامب بملفات حقوق الإنسان أو العدالة الانتقالية في سبيل إتمام صفقة جيوسياسية، مما يجهض آمال الضحايا في الإنصاف ويشوه مستقبل الدولة. كما أن هذا القِصَر في النظر السياسي قد يحقق استقراراً ظاهرياً مؤقتاً، لكنه يؤسس لأزمات أكبر مستقبلاً لأنها لا تعالج مسببات الانفجار، بل تكتفي بـ”تغيير العناوين” لتسجيل انتصار سياسي شخصي لترامب.

إن ما يمارسه ترامب ليس دبلوماسية تقليدية، بل هو مزيج من إدارة الأزمات بالوكالة والبراغماتية النفعية. هو يدرك أن السلام الذي يأتي بعد “حسم خشن” هو الأسهل في الإدارة والأقل كلفة سياسية. لذا، يترك لشركائه عبء تغيير الواقع على الأرض، ويكتفي هو بالوقوف تحت الأضواء ليحصد الثمار. بالنسبة للسودان، يبقى التحدي الوجودي هو: هل سيكون الاتفاق القادم تأسيساً لدولة مستقرة ومستدامة؟، أم مجرد صفقة عابرة في “دفتر شيكات” ترامب السياسي؟.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *