العودة إلى الخرطوم، بين استقرار مُسوَّق ومخاطرة سياسية
محمد هاشم محمد الحسن
تتجدد الدعوات الرسمية لعودة السودانيين إلى الخرطوم بوصفها خطوة طبيعية في مسار استعادة الحياة. غير أن السؤال الجوهري يظل قائمًا، وهو ما إذا كانت الحياة قد عادت فعلًا؟، أم أن الخطاب سبق الواقع؟. فالعاصمة التي أنهكتها الحرب لا تزال تعاني اختلالًا في الخدمات الأساسية؛ أحياء تعود فيها المياه لساعات محدودة، وأخرى تنتظر التيار الكهربائي لأيام، وأسواق ترتفع فيها الأسعار بوتيرة ترهق الدخول المحدودة. وبين اللغة المطمئنة والتجربة اليومية فجوة لا تُسد بالتصريحات.
تسعى السلطة إلى ترسيخ انطباع مفاده أن الدولة استعادت عافيتها، وأن مؤسساتها تعمل بصورة اعتيادية، ومن ثم تكتسب عودة المواطنين بعدًا رمزيًا يتجاوز بعدها الإنساني. فمشهد العائدين يُقدَّم بوصفه دليلًا على استعادة الشرعية واستمرار الحياة.
غير أن الشرعية لا تُقاس بالمشهد، بل بمدى قدرة الدولة على توفير الأمن الفعلي والخدمات المنتظمة وصيانة كرامة الناس في تفاصيل حياتهم.
قد يُقال إن عودة السكان ضرورة لبدء التعافي، وإن المدن لا تُبنى إلا بأهلها. وهذا صحيح من حيث المبدأ. لكن التعافي لا يبدأ بالعودة وحدها، بل بتأمين الحد الأدنى من شروطها. فالعودة التي تسبق استعادة الخدمات قد تتحول من خطوة إنعاش إلى اختبار قاسٍ للصبر العام.
ويبرز كذلك بُعد اقتصادي لا يقل أهمية عن البعد السياسي. ذلك أن عودة السكان تعني استئناف الدورة الجبائية في وقت تعاني فيه الخزينة من ضائقة حادة. وفي ظل اقتصاد هش قد يصبح المواطن العائد هو المصدر الأسهل لتعويض العجز. وهنا تتضح مفارقة صعبة، إذ يُطلب من الناس أن يعودوا إلى بيئة لم تستكمل تعافيها، ثم يُنتظر منهم تمويل هذا التعافي.
غير أن الخطر الأكبر سياسي. فالمواطن الذي يعود بدافع الحنين أو الضرورة يفعل ذلك وهو يحمل توقعًا ضمنيًا بالاستقرار. فإذا اصطدم بواقع مختلف تتضاعف خيبة الأمل، لأنها تأتي بعد قرار محفوف بالمخاطرة. والخيبة حين تتراكم لا تبقى شعورًا فرديًا، بل قد تتحول إلى مزاج عام ضاغط. والتجربة السودانية تُظهر أن فترات الصمت لا تعني غياب الذاكرة، وأن الضغوط المعيشية حين تلتقي بالإحساس بسوء التقدير تنتج لحظة مساءلة يصعب احتواؤها.
الاستقرار الحقيقي لا يُعلن، بل يُبنى تدريجيًا عبر استعادة الخدمات أولًا، وبسط الأمن، وخلق بيئة اقتصادية تمنح الناس فرصة للعمل والإنتاج. أما تقديم الصورة على الجوهر فيظل رهانًا قصير الأمد، لأن المدينة التي لم تلتئم جراحها بعد لا تحتمل وعودًا إضافية، ولأن المواطن الذي أنهكته الحرب لن يقبل أن يكون مجرد عنصر في مشهد سياسي محسوب.
إن دعوة الناس إلى الخرطوم قبل اكتمال شروط التعافي قد تبدو خطوة جريئة، لكنها إن لم تُدعَم بسياسات ملموسة فقد تتحول إلى نقطة انعطاف غير محسوبة. فحين تتباعد الرواية الرسمية عن التجربة اليومية، تتسع فجوة الثقة. وحين تتسع فجوة الثقة، لا يعود السؤال عن عودة الناس إلى المدينة، بل عن عودة الثقة إلى الدولة نفسها.