وحدة المركز المدني/ ميثاق القاهرة وشبح الشمولية

وحدة المركز المدني/ ميثاق القاهرة وشبح الشمولية

كمال بولاد

 

الدرس الأهم لانتصارات الشعب السوداني في مسيرته الشاقة نحو الانعتاق والنهوض، دوماً يتلخص في وحدة الإرادة ووحدة الهدف، بعد كل مأثرة تحدث في مساره السياسي والاجتماعي. وكانت أكثر تلك المحطات إشراقاً، تلك التي توحدت فيها إرادة الشعب للتغيير وعلى رأسها ثورة أكتوبر 1964 الفتية، التي انتصرت في تغيير نظام 17 نوفمبر 1958، نتيجة تتويج وحدة القوى المدنية متمثلة في القوى السياسية المعارضة والعمال والمزارعين والمرأة والمثقفين. وقد قادت إرادة الوحدة والتغيير إلى الإضراب السياسي العام والعصيان المدني حتى سقوط النظام.

ولم يتغير الفعل ذاته كثيراً، في المحطة الثانية وهي انتفاضة الشعب في مارس/أبريل 1985 المجيدة. فبالرغم من التراكم النضالي الكبير منذ اكتشاف زيف شعارات النظام المايوي الشمولي والديكتاتوري المستبد في وقت مبكر، وتصاعد المقاومة المدنية والعسكرية، وبناء التحالفات السياسية والنقابية، إلا أنه لم يسقط الا بعد أن توحدت إرادة التغيير، بترجمة ذلك التراكم النضالي الطويل، في الوحدة التي غيرت موازين القوى السياسية، بالرغم من الدعم الأمريكي وبعض دول الإقليم بهدف إطالة عمر النظام.

الوحدة السياسية والنقابية التي تحققت، أدت إلى انحياز المؤسسة العسكرية التي كان يحاول النظام الاتكاء عليها والاحتماء بها في تكتيك انتهازي أمام إرادة الشعب، ومن جانب آخر يستأسد عليها زوراً وتزويراً باسم الشعب، حتى انكشف الزيف وسقط بفعل الإصرار الشعبي على التغيير.

لابد من الإشارة والانتباه للفرق النوعي في تجربة الحركة الإسلامية التي ألقت بكل ثقلها العقائدي والحركي في انقلاب يونيو 1989 الذي أقام شمولية مستبدة وانتهت بفساد مالي وأخلاقي غير مسبوق، مستندة على أفكار الحركة الإقصائية “لا أريكم إلا ما أرى”، وممارسات التنكيل بالحركة الجماهيرية وقواها السياسية، حيث جثمت ثلاثة عقود بالحديد والنار.

إلا أن التراكم الحركي والنضالي ضدها ظل يتصاعد حتى توحدت القوى السياسية والمهنية من مختلف تحالفاتها ومراكزها المختلفة (تجمع المهنيين، قوى الإجماع الوطني، نداء السودان، التجمع الاتحادي المعارض والقوى المدنية) في إعلان الحرية والتغيير، وسط حراك جماهيري ثائر ومصمم على التغيير أدى إلى تفكيك منظومتها الصلبة ذات البنية المركبة (عسكرية ومالية وأسس وهياكل عقائدية لها امتداداتها الدولية)، وبالتالي صنعت نظاماً قام على تنظيمات ذات طابع أخطبوطي استولت على كل مؤسسات الدولة وحولتها إلى خلايا حزبية مغلقة ومتآمرة على كل من ليس له علاقة بها على نهج (من ليس معي فهو ضدي).

وبالنتيجة تحولت هذه المنظومة المصلحية من حزب في الدولة إلى دولة الحزب، فكانت مأثرة ديسمبر/أبريل المجيدة، الأساسية أنها اخترقت هذا البناء الأخطبوطي، وشلت قوته الشريرة، نتيجة هذه الوحدة السياسية التي تجلت فيها وحدة الإرادة ووحدة الهدف.

دون شك أن واقع الحرب المندلعة في بلادنا منذ الخامس عشر من أبريل 2023 أكثر تعقيداً، بما خلَّفته من ضحايا وتخريب على صعيد النسيج الاجتماعي والبنية التحتية، وتطوراتها واستمرارها بصورة أكثر عنفاً واتساعاً، وزحفت رويداً رويداً لتدخل رغم خصوصية طابعها إلى تصنيف حروب الإقليم (ليبيا، اليمن، الصومال.. إلخ)، وحجزت لها مقعداً على قائمة حروب الوكالة المنتشرة في العالم والإقليم، من حيث تصاعد وتائرها وتطور مواجهاتها، ونوعية الأسلحة المستخدمة فيها لحصد أرواح البشر وتخريب المدن وبنيتها التحتية.

وانفتحت الحرب إلى سيناريوهات أكثر بؤساً. وأسوأ هذه السيناريوهات على تعددها هو التشظي. مما يعظِّم المسئولية الملقاة على القوى الوطنية ويحضّها على إمعان النظر الفكري والسياسي وتعظيم البعد الاستراتيجي في الأزمة الوطنية الشاملة.

وفى واحدة من الاستدراكات المهمة للقوى الوطنية خرج ميثاق القاهرة متكاملاً مع مجهودات إعلان المبادئ السوداني المنجز في نيروبي. حيث تداعى بعض المخلصين وعكفوا عليه بهدف صنع هذه الوحدة التي أصبحت أشد إلحاحاً، ولو في إطار التنسيق ما بين المكونات المختلفة، (تحالف صمود، التحالف الجذري، إعلان نيروبي، المكونات المدنية والنقابية وكافة قوى ثورة ديسمبر المجيدة) لإعلاء الصوت المدني بكافة منظوماته ضد الحرب وإيقاف صوت الرصاص. الحرب التي بفعل تداعياتها أصبح السودانيون لا يملكون مفتاح إيقافها لوحدهم.

 

قضية أخرى لا تقل أهمية، وهى مسألة الحفاظ على الوطن موحداً، وعودة الحياة المدنية والسياسية، والعمل المشترك لتعطيل مفعول وحركة سيناريوهات الانقسام والتشظي، مضافاً إلى ذلك مبدأ الالتزام الأخلاقي الذى أشار إليه الميثاق في التعامل وسط معسكر القوى المدنية، في تجنب وتأجيل المعارك البينية وتنسيق الخطاب الإعلامي، وتوجيه كل الأسلحة المدنية لإيقاف الحرب وعودة الحياة المدنية والسياسية، وضد عسكرة العمل السياسي، وبذل كل الجهود حتى يعود المجتمع ويحل الأمن والسلام ويسود مناخ ديمقراطي يحفز على عرض البرامج لنهضة الوطن واستقراره.

 

من زاوية أخرى، أهمية بناء المركز المدني الموحد بهذا التنسيق الملح من القوى المناهضة للحرب، يساهم في بروز القوى المدنية كطرف ثالث يعبر عن مصلحة الشعب والوطن المتمثلة في الاستقرار وعودة الحياة المدنية.

ثمة إشارة مهمة وهي ضرورة النظر بعمق استراتيجي إلى مخططات وتكتيكات أعداء ثورة ديسمبر/أبريل المجيدة، وعلى رأسهم فلول النظام البائد. وأهم هذه التكتيكات امتطاء المؤسسة العسكرية للعودة للسلطة في ثوب شمولي جديد أكثر تطرفاً نتيجة عسكرة المناخ، والأساليب الوحشية التي مارستها مليشياتهم المتوحشة بمذهبية لا ترى للآخرين وجوداً في السودان إلا “كخيالات مآتة” أو منكسرين “مردوفين” لا شركاء حقيقيين، وهذا إذا لم ينجح منهج التخوين والاستهداف في اغتيالهم.

ويحتم ذلك على القوى المدنية استدعاء تجارب وتراكم النضال الوطني الصبور ضد الشموليات، والمؤسس على مبادئها وتجاربها التاريخية وتقاليدها في العمل السياسي من أجل التحول المدني الديمقراطي، الذى أثبتت كل تحارب الشمولية منذ الاستقلال السياسي، أنها لا تورث إلا شمولية أسوأ من سابقتها فيما يتعلق بصون الحقوق والحريات ونهب ثروات البلاد، وتأجيج الحروب وتهديد الاستقرار وتعطيل النهوض.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *