من قلب اللجوء.. مبادرات تصنع الأمل
حوار صحفي مع فاطمة محمد، مؤسس ومدير تنفيذي لمنظمة (نعم هي للسلام والتنمية)
كمبالا: (ديسمبر)

في عالم تتزايد فيه أعداد اللاجئين نتيجة النزاعات والصراعات، تبرز قصص إنسانية ملهمة يقودها أشخاص قرروا ألا يكونوا مجرد ضحايا للظروف، بل صانعي تغيير داخل مجتمعاتهم. من داخل معسكر كرياندنقو، بمنطقة بيالي في أوغندا، تقود فاطمة محمد تجربة فريدة من نوعها عبر منظمة (نعم هي للسلام والتنمية)، التي أسسها مجموعة من الشباب اللاجئين بهدف نشر ثقافة السلام وتعزيز الدعم النفسي والاجتماعي. في هذا الحوار، نتعرف على قصة التأسيس، وأبرز الأنشطة، والتحديات، والطموحات المستقبلية لهذه المبادرة التي تنبض بالأمل.
من فكرة إلى كيان: كيف بدأت الرحلة؟
تستهل فاطمة محمد حديثها بالتأكيد على أن المنظمة نشأت من رحم المعاناة، حيث تقول: تأسست منظمة (نعم هي للسلام والتنمية) بمبادرة من مجموعة من الشباب اللاجئين الذين شعروا بضرورة التحرك لخدمة مجتمعهم داخل المعسكرات. وتوضح أن الفكرة جاءت استجابة لحاجة حقيقية لتعزيز ثقافة السلام والتعايش، خاصة في بيئة تضم أشخاصًا من خلفيات متعددة وتجارب صعبة. وتضيف: رؤيتنا هي بناء مجتمع يسوده السلام والتماسك الاجتماعي، بينما تركز أهدافنا على تمكين اللاجئين وتعزيز الحوار، إلى جانب دعم الفئات الأكثر ضعفًا مثل النساء وذوي الاحتياجات الخاصة.
العمل من الداخل: قوة التجربة المباشرة
تؤكد فاطمة أن العمل الإنساني من داخل المعسكر يختلف كثيرًا عن العمل من خارجه، حيث يمنح القائمين عليه فهمًا عميقًا للاحتياجات الحقيقية. وتقول: نحن جزء من هذا المجتمع، ونعيش نفس التحديات، لذلك كانت بدايتنا من مبادرات بسيطة تهدف إلى نشر الوعي وتعزيز التماسك.. ومع مرور الوقت، تطورت هذه المبادرات لتصبح أكثر تنظيمًا وتأثيرًا، إلى أن تم تأسيس المنظمة كإطار يجمع الجهود ويوجهها نحو تحقيق نتائج ملموسة.

الدعم النفسي وبناء السلام: حجر الأساس
توضح فاطمة أن معسكرات اللجوء ليست فقط أماكن للإقامة، بل هي بيئات معقدة تجمع بين أشخاص من ثقافات وتجارب مختلفة، ما يجعل الحاجة إلى برامج الدعم النفسي وبناء السلام أمرًا ضروريًا.
وتقول: الدعم النفسي يساعد الأفراد على التعافي من الصدمات، بينما تسهم أنشطة التعايش السلمي في بناء الثقة وتقليل النزاعات داخل المجتمع. وتشير إلى أن هذه البرامج ساعدت العديد من اللاجئين على استعادة شعورهم بالأمان والانتماء.
أنشطة متنوعة.. وتأثير متزايد
نفذت المنظمة أكثر من 17 نشاطًا داخل المعسكر، تنوعت بين جلسات دعم نفسي واجتماعي، وورش توعية حول السلام، وأنشطة شبابية تهدف إلى تعزيز الحوار بين مختلف المجموعات.
وتوضح فاطمة أن هذه الأنشطة لم تكن مجرد فعاليات عابرة، بل ساهمت في خلق مساحات آمنة للحوار والتفاهم. وتضيف: نلاحظ تغيرًا تدريجيًا في سلوك الأفراد، حيث أصبح هناك تقبل أكبر للآخر، وتعاون واضح بين مكونات المجتمع.. كما ساعدت هذه الأنشطة في كسر الحواجز النفسية بين اللاجئين، خاصة أولئك الذين عانوا من تجارب قاسية، مما عزز من قدرتهم على التفاعل الإيجابي مع الآخرين.
تمكين المرأة وذوي الإعاقة: نحو مجتمع شامل
تولي المنظمة اهتمامًا كبيرًا بالفئات الأكثر ضعفًا، وعلى رأسها النساء وذوو الاحتياجات الخاصة. وتؤكد فاطمة أن هذه الفئات تحتاج إلى دعم خاص لضمان مشاركتها الفاعلة في المجتمع.
وتقول: نقوم بتنظيم جلسات توعية وتمكين للنساء، ونشجعهن على الانخراط في الأنشطة المجتمعية، كما نعمل على دمج الأشخاص ذوي الإعاقة وتسليط الضوء على احتياجاتهم.. وتضيف أن تمكين هذه الفئات لا ينعكس فقط على حياتهم الشخصية، بل يسهم في تعزيز تماسك المجتمع ككل.
سبل كسب العيش: استعادة الكرامة
في بيئة تفتقر إلى الموارد، تصبح برامج سبل كسب العيش ضرورة ملحة. وتشير فاطمة إلى أن هذه البرامج تساعد اللاجئين على اكتساب مهارات بسيطة تمكنهم من تحسين أوضاعهم المعيشية.
وتوضح: هذه البرامج تمنح اللاجئين فرصة للاعتماد على أنفسهم، ولو بشكل جزئي، وهو ما يعزز شعورهم بالكرامة والاستقلالية.. كما تسهم في تقليل الاعتماد الكامل على المساعدات الإنسانية.

الحماية ومناهضة العنف: مسؤولية جماعية
تعمل المنظمة أيضًا في مجال الحماية، خاصة فيما يتعلق بمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي. وتؤكد فاطمة أن التوعية هي الخطوة الأولى في مواجهة هذه الظاهرة.
وتقول: نركز على رفع الوعي من خلال جلسات ونقاشات مجتمعية، ونشجع على احترام حقوق النساء والفتيات، كما يتم توجيه الحالات التي تحتاج إلى دعم إلى الجهات المختصة داخل المعسكر.. وتشير إلى أن هذه الجهود ساهمت في زيادة وعي المجتمع بخطورة هذه القضايا، وأهمية التعامل معها بجدية.
شباب يصنعون التغيير
يتكون فريق المنظمة من شباب لاجئين يؤمنون بقدرتهم على إحداث تغيير إيجابي. وتوضح فاطمة أن الدافع الأساسي لهم هو إيمانهم بأن التغيير يبدأ من الداخل. وتقول: نحن لاجئون مثل غيرنا، وندرك حجم التحديات، لذلك نسعى لأن نكون جزءًا من الحل من خلال العمل المجتمعي ونشر ثقافة السلام. هذا الإيمان، بحسب فاطمة، هو ما يمنح الفريق القوة للاستمرار رغم الصعوبات.
مكتب صغير.. أثر كبير
أنشأت المنظمة مكتبًا صغيرًا داخل مركز الاستقبال في المعسكر، وهو ما يمثل خطوة مهمة في تطوير عملها. وتوضح فاطمة أن هذا المكتب يسهم في تنظيم الأنشطة وتسهيل التواصل مع المجتمع. وتقول: المكتب أصبح نقطة التقاء بيننا وبين اللاجئين، حيث يمكنهم التعرف على برامجنا والمشاركة فيها بسهولة.

تحديات لا تغيب عن المشهد
رغم النجاحات، تواجه المنظمة تحديات كبيرة، أبرزها محدودية الموارد مقارنة بحجم الاحتياجات. وتؤكد فاطمة أن هذا التحدي يؤثر على قدرة المنظمة على توسيع أنشطتها. كما تشير إلى الحاجة الملحة إلى شراكات مع منظمات محلية ودولية، لدعم الجهود المبذولة وتعزيز أثرها.
خطط مستقبلية طموحة
تسعى المنظمة إلى توسيع برامجها في مجالات تمكين الشباب والنساء، وتعزيز سبل كسب العيش، إضافة إلى التوسع في ريادة الأعمال وبناء السلام. وتوضح فاطمة أن من أولويات المرحلة القادمة بناء شراكات إستراتيجية مع جهات مختلفة، بما يسهم في تحقيق تنمية مستدامة داخل المعسكر.

رسالة إلى المجتمع الدولي
في ختام الحوار، توجه فاطمة رسالة واضحة إلى المجتمع الدولي، تؤكد فيها أن اللاجئين ليسوا مجرد متلقين للمساعدات، بل يمتلكون قدرات يمكن أن تسهم في بناء مجتمعاتهم. وتقول: نأمل أن يتم دعم المبادرات التي يقودها اللاجئون أنفسهم، لأنها الأكثر فهمًا لاحتياجات المجتمع، والأقدر على إحداث تغيير حقيقي.
تقدم تجربة منظمة (نعم هي للسلام والتنمية) نموذجًا ملهمًا لكيف يمكن للإرادة الإنسانية أن تتغلب على الظروف الصعبة. فمن داخل معسكر لجوء، استطاع شباب أن يحولوا التحديات إلى فرص، وأن يزرعوا بذور السلام في بيئة تحتاج إليه بشدة. إنها قصة تؤكد أن الأمل لا يولد من الخارج، بل يصنعه أولئك الذين يؤمنون بقدرتهم على التغيير.