حوار مع هناء أبوبكر عبدالماجد حول الإعلام النسوي في زمن الحرب واللجوء

حين تصبح الحكاية فعل مقاومة

حوار مع هناء أبوبكر عبدالماجد حول الإعلام النسوي في زمن الحرب واللجوء

 

كمبالا: (ديسمبر)

 

مدخل: من الهامش إلى مركز السرد

في زمنٍ تتكاثر فيه الحروب وتتشظّى فيه الهويات، يصبح السؤال حول “من يملك الحكاية؟” أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. في هذا الحوار، تفتح هناء أبوبكر عبدالماجد، الشريك المؤسس لـFeminist Media Lab (معمل الإعلام النسوي)، نافذة على تجربة إعلامية مختلفة؛ تجربة لا تكتفي بنقل الواقع، بل تسعى لإعادة صياغته من جذوره.

من السودان إلى فضاءات اللجوء في نيروبي وكمبالا، يتشكل هذا المشروع كمساحة مقاومة ناعمة، تُعيد للنساء أصواتهن، وتكسر الصور النمطية التي طالما حاصرتهن بين دور الضحية والرمز.

 

ولادة الفكرة: حين يصبح الغياب دافعًا للفعل

تقول هناء إن فكرة معمل الإعلام النسوي لم تأتِ من فراغ، بل وُلدت من شعور عميق بغياب مساحات آمنة ومستقلة تستطيع النساء من خلالها أن يحكين قصصهن بأصواتهن، خاصة في سياق السودان الذي مزقته الحرب.

لكن هذا الإحساس لم يكن مجرد عاطفة، بل استند إلى وعي نقدي بدور الإعلام نفسه، بوصفه أداة غير محايدة ساهمت تاريخيًا في تهميش النساء، لا سيما السودانيات في سياقات النزاع. لم تكن المشكلة فقط في ضعف التمثيل، بل في تشويه السرد ذاته، حيث تُختزل النساء في أدوار نمطية تُقصي تعقيد تجاربهن اليومية.

من هنا، جاء المشروع بوصفه “تدخلًا سياسيًا وإعلاميًا” في آنٍ واحد، يسعى إلى سد فجوة الصحافة النسوية المستقلة، ليس فقط عبر إنتاج المحتوى، بل من خلال بناء بيئة متكاملة للإنتاج والتدريب والسرد. هدفه إعادة تعريف من يملك الحكاية، وكيف تُروى، ومن يُعرّف الحقيقة.

 

ما بعد المنصة: بناء مساحات لا مجرد محتوى

ما يميز Feminist Media Lab، بحسب هناء، أنه لا يقتصر على إنتاج المحتوى، بل يعمل على بناء مساحات حقيقية. هذه المساحات تجمع بين الإعلام والدعم النفسي والتدريب، في مجالات مثل السلامة الرقمية، والسرد البصري، وإنتاج البودكاست النسوي.

يعتمد الفريق على منهج قائم على التجربة والذاكرة، ويرى في الحكي فعل مقاومة بحد ذاته، لا مجرد عملية توثيق. كما يشتغل المعمل عند تقاطع الصحافة النسوية مع العمل المجتمعي والسرد البصري، مع تركيز واضح على إنتاج معرفة من القاعدة، بعيدًا عن إعادة تدوير خطاب النخب. في هذا السياق، تتحول الصحافة النسوية من مجرد وسيلة لنقل الواقع إلى مساحة لإنتاج شروط الشفاء والعدالة.

 

اللجوء كعدسة جديدة: إعادة ترتيب الأولويات

لم يكن اللجوء بالنسبة للفريق مجرد انتقال جغرافي، بل تجربة كشفت طبقات جديدة من التهميش الممنهج. في نيروبي وكمبالا، أعاد الفريق النظر في أولوياته التحريرية، وبدأ في تفكيك أشكال العنف المستمرة التي تواجهها النساء في المنفى.

ركزت المنصة على قضايا مثل الصحة النفسية، والعنف الرقمي، والعنف الجندري غير المرئي، إلى جانب اقتصاديات البقاء التي تشكل جزءًا من منظومة أوسع تعيد إنتاج الهشاشة.

كما أولت اهتمامًا خاصًا بالتفاصيل اليومية، باعتبارها مساحات يتجلى فيها السياسي بشكل واضح: كيف تعيش النساء؟ كيف يعملن؟ وكيف يعِدن بناء حياتهن في سياقات تفتقر إلى الحماية والاستقرار؟.

 

العمل من الهشاشة: تحديات المنفى اليومية

تعمل المنصة من موقع هشٍّ قانونيًا واقتصاديًا ونفسيًا. التحدي لا يكمن فقط في إنتاج المحتوى، بل في الاستمرار كجسم نسوي مستقل في بيئة لا توفر الحماية الكافية للمدافعات عن الحقوق.

إلى جانب ذلك، يواجه الفريق استنزافًا عاطفيًا مستمرًا نتيجة العمل اليومي مع قصص العنف والفقد، وهو عبء غير مرئي غالبًا، لكنه عميق التأثير.

الاستمرارية رغم اللاستقرار: بين المرونة والعمق

لمواجهة هذه التحديات، يعتمد الفريق على منهج مرن قائم على التشبيك مع شبكات نسوية عابرة للحدود، والتعاون مع ناشطات وصحفيات في أماكن مختلفة.

كما يعيد تعريف مفهوم الإنتاج الإعلامي، ليكون استجابة سريعة من جهة، وعملًا تراكميًا يبني معرفة ويؤثر على الخطاب العام من جهة أخرى. ويحرص الفريق على الموازنة بين الإنتاج السريع والعمل البطيء، مؤمنًا بأن العمق والجودة أهم من السبق.

 

القصص المهمّشة: ما لا يُروى عمدًا

يركز Feminist Media Lab على القصص التي يتم إقصاؤها عمدًا، مثل قصص العاملات في بيئات غير محمية، والناجيات من العنف، والنساء في معسكرات اللجوء، والعاملات في الاقتصاد غير الرسمي.

كما يهتم بالقصص “الصغيرة”: تفاصيل الحياة اليومية، الطقوس، والعلاقات، باعتبارها حاملة للذاكرة والهوية، ولا تقل أهمية عن الأحداث الكبرى. فبالنسبة للفريق، يتجلى السياسي في أدق التفاصيل.

 

قياس الأثر: ما بين الأرقام والتحوّل العميق

يقيس الفريق أثر عمله من خلال التفاعل مع المحتوى، واستخدامه في المناصرة والنقاشات العامة، بالإضافة إلى عدد النساء المشاركات في البرامج التدريبية.

لكن المعيار الأهم، كما تقول هناء، هو سؤال بسيط وعميق:

هل شعرت امرأة ما أنها مرئية ومسموعة؟

هل نجحنا في إعادة الرواية؟

هذا التحول في الوعي واللغة يُعد بالنسبة لهم أهم من أرقام الوصول.

 

الرقابة المتوقعة: العمل في منطقة حساسة

رغم أن المنصة لم تواجِه حتى الآن تضييقًا مباشرًا حادًا، إلا أن الفريق يدرك أنه يعمل في منطقة حساسة تتقاطع فيها السياسة مع قضايا الجندر. لذلك، يسعى إلى تطوير إستراتيجيات للحماية الرقمية والمهنية، إدراكًا بأن الصحافة النسوية في هذا السياق ليست مجرد عمل إعلامي، بل فعل مقاومة.

 

الجمهور: بين الداخل والشتات

يستهدف المعمل جمهورين رئيسيين: النساء داخل السودان، والنساء في الشتات. ويولي أهمية خاصة للشتات، باعتباره فضاءً معقدًا يعيد تشكيل الخطاب والعمل النسوي، كما يمثل منصة للتأثير على الرأي العام الدولي.

تمثيل متنوع: السرد من الداخل

يحرص الفريق على إشراك النساء في جميع مراحل العمل: من السرد إلى التصوير واتخاذ القرار، انطلاقًا من اعتبارهن صانعات معرفة، لا مجرد موضوعات للقصص. كما يعتمد على مقاربات تشاركية، ويسعى للعمل في أكثر من سياق جغرافي لضمان تنوع حقيقي في الأصوات والتجارب.

 

التحديات المالية والتقنية: معركة الاستمرار

يُعد التمويل غير المستقر أحد أكبر التحديات، إلى جانب نقص المعدات، وصعوبة الوصول إلى مساحات إنتاج مناسبة، وتكاليف العمل في أكثر من دولة. وتشير هناء إلى وجود فجوة واضحة في دعم الإعلام النسوي، حيث غالبًا ما يكون التمويل قصير الأمد وموجَّهًا لمشاريع مؤقتة، لا لبناء مؤسسات مستدامة.

 

ما يحتاجه المشروع: دعم يحمي الاستقلال

يحتاج Feminist Media Lab إلى دعم مرن وطويل الأمد، يحترم استقلالية الخطاب، ويساهم في بناء بنية تحتية إعلامية نسوية. كما يحتاج إلى شراكات تقنية، ومساحات عرض، وفرص تدريب متقدمة، بما يعزز قدرته على الاستمرار والتوسع.

الشراكات: بين المحلي والعابر للحدود

يعمل المعمل مع منظمات نسوية ومجتمع مدني، وشركاء إعلاميين في السودان والمنطقة، وقد تلقى دعمًا في بداياته من منظمة NPA. ويسعى إلى بناء شراكات دولية تعزز الوصول والتأثير، دون المساس باستقلاليته، في إطار تطوير صحافة نسوية عابرة للحدود.

 

رؤية المستقبل: نحو منصة إقليمية مؤثرة

يتطلع الفريق خلال السنوات الخمس القادمة إلى أن يصبح منصة إقليمية رائدة في الإعلام النسوي، تمتلك أرشيفًا بصريًا وسياسيًا قويًا، وبرامج تدريب مستدامة، وإنتاجات تصل إلى جمهور عالمي. كما يطمح إلى أن يكون مساحة تحمي الذاكرة، وتبني خطابًا نسويًا قادرًا على التأثير.

رسالة إلى العالم: النساء لسن ضحايا فقط

تختتم هناء برسالة واضحة: النساء السودانيات لسن مجرد ضحايا حرب، بل هنّ حاملات للحياة، وصانعات للمعنى، وقائدات في أصعب الظروف. ورغم ذلك، يتم تهميشهن سياسيًا وإعلاميًا بشكل ممنهج، وهن بحاجة إلى الاعتراف والحماية، وإلى مساحة تحكي فيها كل امرأة قصتها بنفسها.

وتؤكد أن الحديث عن السلام أو العدالة في السودان لا يمكن أن يكتمل دون الاعتراف بدور النساء، ودون دعم الصحافة النسوية التي توثق، وتواجه، وتعيد صياغة الحقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *