حرب السودان الرقمية: عداء في الأرض وكراهية في الأسافير
لواء شرطة (م) د.عصام الدين عباس أحمد –
مستشار تكنولوجيا المعلومات ونظم تحليل البيانات
مدخل: عندما تمتد الحرب إلى الفضاء الرقمي
من إفرازات حرب أبريل أن الصراع لم يعد محصورًا في ساحات القتال، بل امتد بقوة إلى الفضاء الرقمي، حيث تتشكل معارك موازية لا تقل تأثيراً في تشكيل الرأي العام. فقد تنامت ظاهرة “العداء الإسفيري” تجاه القوى المدنية الرافضة للحرب، حيث تتداخل فيها الحملات المنظمة، وخطابات الكراهية، وممارسات التضليل الإعلامي، ضمن بيئة رقمية تُضخِّم الاستقطاب وتعيد إنتاجه. ولا يمكن فهم هذه الظاهرة بمعزل عن السياق السياسي والتاريخي الأوسع، ولا عن البنية التقنية التي تحكم المنصات الرقمية، ولا عن الفاعلين الذين يسهمون في إنتاجها وتداولها. ومن هنا، يسعى هذا المقال إلى تفكيك هذه الظاهرة من خلال تحليل مفاهيمها، وسياقاتها، وآليات اشتغالها، وخطاباتها، وتأثيراتها على المجال العام، وصولًا إلى استكشاف سبل مواجهتها وإعادة بناء فضاء نقاش أكثر توازناً ومسؤولية.
العداء الإسفيري: كراهية أم نقد سياسي؟
النقد السياسي المشروع هو ممارسة ديمقراطية تقوم على تقييم مواقف أو سياسات أو أداء جهة ما، استناداً إلى حجج وأدلة، مع الحفاظ على احترام الطرف الآخر وحقه في الوجود والتعبير. يهدف النقد إلى التصحيح، والمساءلة، وتحسين الأداء العام.
أما العداء القائم على الكراهية فيتجاوز ذلك إلى استهداف الأشخاص أو الجماعات بذاتهم، وليس أفكارهم أو مواقفهم، عبر التشويه، والتخوين، والتحريض، واستخدام لغة مهينة أو نازعة للإنسانية. وهو لا يسعى إلى النقاش أو الإصلاح، بل إلى الإقصاء أو الإلغاء.
وبينما يُعد النقد السياسي مؤشرًا على حيوية المجال العام، فإن العداء القائم على الكراهية يمثل تهديدًا مباشرًا لهذا المجال، إذ يقوّض أسس الحوار، ويعمّق الاستقطاب، ويفتح الباب أمام تبرير العنف الرمزي وربما المادي.
الجذور السياسية والتاريخية للاستقطاب الرقمي
يكشف السياق التاريخي والسياسي أن العداء تجاه القوى المدنية الرافضة للحرب هو انعكاس لأزمة بنيوية في الفضاء العام السوداني، تتقاطع فيها هشاشة المؤسسات، وتآكل الثقة، وتراكم الصراعات مع ديناميكيات الفضاء الرقمي. فمنذ تعثر مسار الانتقال الديمقراطي بعد ثورة ديسمبر، مروراً بانقلاب أكتوبر 2021 الذي أعاد ترسيخ هيمنة الإسلامويين وعمّق انقسام القوى المدنية، وصولًا إلى اندلاع حرب أبريل التي نقلت الاستقطاب من مستوى سياسي إلى مستوى وجودي، تشكّلت ثنائية حادة بين “مع الحرب” و”ضد الحرب”، تحولت بفعل التأثيرات الإعلامية إلى إطار تبسيطي يغذي التخوين المتبادل. ويتعزز هذا المسار باستدعاء انتقائي للذاكرة الجمعية المثقلة بالحروب والانقسامات، حيث تُستخدم تجارب سابقة ووقائع تاريخية لتبرير مواقف الحاضر وإعادة إنتاج الانقسامات في الفضاء الرقمي، بما يجعل الخطاب الإسفيري امتداداً لذاكرة صراع متراكمة، ويكرّس لاختلالات تهدد فرص السلام والتحول الديمقراطي.
كيف يُنتج العداء في الفضاء الرقمي؟
ليس من الضروري أن يكون العداء الإسفيري انعكاساً للرأي العام، بل هو – في كثير من الأحيان – نتيجة لعمليات إنتاج وتضخيم مقصودة، تستفيد من بنية المنصات الرقمية ومن هشاشة المجال العام. وهذا يعني أن مواجهة هذه الظاهرة لا تتطلب فقط ردوداً وبيانات هنا وهناك، بل أيضا فهماً دقيقاً للبنية التقنية والتنظيمية التي تقف خلفها. لفهم “العداء الإسفيري” لا يكفي توصيفه، بل يجب تفكيك الآليات التي تنتجه وتضخمه داخل الفضاء الرقمي، حيث تتداخل أدوات التنظيم، والتقنيات الرقمية، والسلوك الجمعي لتشكّل بيئة خصبة لهذا النوع من الخطاب.
أولاً: آليات تصنيع الحملات الإسفيرية
الحملات الإسفيرية لا تنشأ دائماً بشكل عفوي، بل غالبا ما تكون نتاج تخطيط وتنسيق، حتى وإن بدا بعضها تلقائياً. ويمكن رصد أبرز آليات إنتاجها في الآتي:
- الغرف الإلكترونية والحسابات الوهمية: تُستخدم شبكات من الحسابات – بعضها حقيقي وبعضها وهمي – لنشر رسائل متطابقة أو متقاربة، بهدف خلق انطباع بوجود رأي عام واسع. هذه الغرف قد تعمل بشكل منظم (بتوجيه سياسي أو إعلامي) أو شبه منظم عبر مجموعات مغلقة.
- التكرار والتوقيت: يتم إطلاق محتوى معين في توقيت محدد (حدث سياسي، تصريح، أزمة)، ثم يُعاد نشره بكثافة لفرضه على النقاش العام، وتحويله إلى “ترند”.
ثانياً: خوارزميات الذكاء الاصطناعي.. مضخم صامت للكراهية
تلعب الخوارزميات دوراَ أساسياً في تضخيم المحتوى داخل منصات التواصل الاجتماعي، إذ تقوم – من منظور علمي – على نماذج تعلم آلي (Machine Learning) تُدرَّب على تعظيم ما يُعرف بـ”مؤشرات التفاعل” (Engagement Metrics) مثل الإعجابات، والتعليقات، والمشاركات، ومدة المشاهدة. وبناءً على ذلك، لا تُقيِّم الخوارزميات المحتوى بقدر ما تقيس قدرته على إبقاء المستخدم داخل المنصة لأطول وقت ممكن. هذا المنطق التقني يخلق انحيازاً بنيوياً لصالح المحتوى المثير للانفعال، خاصة الغضب والصدمة، لأن الدراسات في علم النفس الرقمي تشير إلى أن المحتوى السلبي أو الاستفزازي يولّد استجابات أسرع وأقوى من المحتوى المتوازن. لذلك، نجد أن منشوراً يتضمن اتهاماً صارخاً أو لغة تخوينية قد يحصد تفاعلاً أكبر بكثير من تحليل رصين، ما يدفع الخوارزمية إلى إعادة نشره على نطاق أوسع.
في منصات مثل فيسبوك، يُستخدم نظام ترتيب المنشورات (News Feed Ranking) الذي يقدّر احتمال تفاعل المستخدم مع محتوى معين بناءً على سلوكه السابق، فإذا كان المستخدم يتفاعل مع محتوى سياسي حاد، ستُعرض له مواد أكثر حدة، ما يعزز ما يُعرف بـحلقة التغذية الراجعة (Feedback Loop). أما منصة X، فتعتمد خوارزميات الترند على سرعة وكثافة التفاعل في زمن قصير، ما يجعل الحملات المنظمة قادرة على دفع وسم (hashtag) إلى الواجهة خلال ساعات عبر تنسيق النشر والتعليق. وهنا تستغل “اللجان الإلكترونية” هذه الآلية عبر ما يُعرف بالتلاعب المنسق (Coordinated Inauthentic Behavior)، حيث تُنشئ موجات تفاعل مصطنعة تعطي انطباعاً زائفاً بوجود اهتمام شعبي واسع. مثال على ذلك: إطلاق وسم يتهم جهة مدنية بالخيانة، ثم قيام عشرات أو مئات الحسابات بإعادة نشره والتعليق عليه في وقت متقارب، ما يدفع الخوارزمية إلى اعتباره موضوعاً رائجاً.
إضافة إلى ذلك، تسهم فقاعات الترشيح (Filter Bubbles) وغرف الصدى (Echo Chambers) في تعميق الاستقطاب. فبفعل التخصيص الخوارزمي (Algorithmic Personalization)، يتعرض المستخدم بشكل متكرر لمحتوى يتوافق مع آرائه السابقة، بينما يقلّ تعرضه لوجهات نظر مخالفة. على سبيل المثال، مستخدم يتابع محتوى مؤيداً للحرب سيجد نفسه محاطاً بمنشورات تعزز هذا الموقف، وتُعيد إنتاج نفس السرديات، ما يخلق إحساساً زائفاً بأن هذا الرأي هو “الإجماع”.
الفاعلون الرئيسيون: من الغرف الإلكترونية إلى الجمهور المتأثر
العداء الإسفيري ليس نتاج فاعل واحد، بل هو حصيلة تفاعل معقد بين أطراف سياسية منظمة، وجماعات آيديولوجية، وجمهور واسع متأثر بالدعاية والمعلومات المضللة، حيث تتداخل الأدوار والمصالح داخل الفضاء الرقمي بصورة غير منفصلة. فهناك أطراف سياسية منظمة ترتبط بمراكز قوى أو شبكات مصالح، وتستخدم الفضاء الرقمي كأداة للصراع عبر حملات تستهدف نزع الشرعية عن القوى المدنية الرافضة للحرب، وإعادة تشكيل الرأي العام بما يخدم أجنداتها، وخلق موجات تعبئة واستقطاب تدعم مواقفها السياسية أو العسكرية. وإلى جانبها، تنشط جماعات آيديولوجية تتبنى رؤىً فكرية أو عقائدية متطرفة، سياسية أو دينية أو جهوية، وتتعامل مع الخصوم من منطق الإقصاء والتخوين، مستندة إلى “يقين آيديولوجي” يضيق فيه هامش النقاش لصالح خطاب حاد ومغلق. كما يبرز دور الأفراد المتأثرين بالدعاية بوصفهم الشريحة الأوسع، وهم مستخدمون غير منظمين يتفاعلون مع المحتوى دون انتماء مباشر، إلا أنهم يتحولون بفعل التعرض المكثف للمعلومات المضللة والخطاب التعبوي إلى مضخّمين للعداء عبر إعادة النشر والتفاعل، بما يمنح الحملات الرقمية انتشاراً أوسع وزخماً أكبر. وفي هذا السياق، لا يمكن اختزال الظاهرة في صراع مصالح أو صراع سرديات فقط، بل هي تداخل مركّب بين الاثنين، يتوسطه دور المؤثرين الذين يشكلون عاملاً جوهرياً، في تعميق الاستقطاب وتغذية خطاب الكراهية.
خطاب الكراهية: مفردات التخوين ونزع الشرعية
يتسم الخطاب المستخدم في سياق العداء الإسفيري بسمات لغوية وخطابية واضحة تعكس طبيعة الاستقطاب الحاد. إذ تتكرر مفردات ذات حمولة اتهامية وأخلاقية عالية مثل التخوين، والعمالة، والجبن، ووصم الخصوم بـ”الطابور الخامس” بل وحتى الطعن في الشرف وتتمدد مساحة الاتهام لتتجاوز الشخص المستهدف الي أسرته ومجتمعه أحياناً، بما يشي بمحاولة تأطير القوى الرافضة للحرب خارج دائرة الوطنية والمشروعية والأخلاق. وفي هذا الإطار، يتم التعامل مع الخصوم لا بوصفهم أصحاب موقف سياسي قابل للنقاش، بل يُصوَّرون كعناصر مهدِّدة أو متواطئة، الأمر الذي يبرر استهدافهم. كما يُلاحظ توظيف مكثف لخطابات الدين لإضفاء شرعية على الهجوم، عبر تصوير الموقف المؤيد للحرب كواجب وطني أو أخلاقي، في مقابل شيطنة الرافضين لها. وضمن هذه البنية الخطابية، تبرز عملية نزع الشرعية (Delegitimization) كأداة أساسية، حيث يتم تقويض مصداقية هذه القوى وتجريدها من حقها في التمثيل أو التعبير، بما يحوّل الخلاف السياسي من نقاش حول المواقف إلى صراع حول الوجود والحق في الفضاء العام.
تآكل المجال العام: من نقاش ديمقراطي إلى استقطاب وجودي
تنعكس هذه الأنماط من العداء الإسفيري بصورة مباشرة على طبيعة المجال العام، حيث تسهم في تآكل أسس النقاش الديمقراطي القائم على الحجة والتعددية، وتحل محلّه بيئة مشحونة بالاستقطاب والكراهية. وفي ظل تصاعد خطاب التخوين والتشهير، تتعرض الأصوات المعتدلة – التي تميل إلى التحليل أو الدعوة للحلول الوسط – للتهميش أو الإسكات، إما خوفاً من الاستهداف أو نتيجة فقدان المساحة الآمنة للتعبير. كما يؤدي هذا المناخ إلى ترسيخ حالة من التخوين الدائم، حيث يصبح التشكيك في النوايا سلوكاً اعتيادياً، ما يقوّض الثقة بين الفاعلين ويضعف إمكانيات بناء تحالفات أو تفاهمات. وعلى المدى الأوسع، ينعكس ذلك سلباً على فرص السلام أو التسوية السياسية، إذ يصعب في بيئة كهذه تهيئة الرأي العام لقبول الحلول التفاوضية أو التنازلات المتبادلة، ما يطيل أمد الصراع ويعقّد مسارات الخروج منه.
إستراتيجية المواجهة: من تفنيد الخطاب إلى بناء بيئة معرفية جديدة
تنامي ظاهرة العداء الإسفيري، وما نتج عنها من احتقانات وسيطرة روح الكراهية، تجعل القوى المدنية في مهمة إضافية لإعادة بناء لحمة المجتمع وإزالة الآثار السالبة التي أفرزتها هذه الحرب اللعينة. تحتاج القوى المدنية إلى تبنّي إستراتيجية متعددة المستويات لا تكتفي بردود الفعل، بل تسعى إلى إعادة تشكيل بيئة الخطاب نفسها. ويبدأ ذلك بتطوير خطاب بديل هادئ ومقنع، يتجنب الانزلاق إلى لغة الاستقطاب، ويركّز على الحجة، والوقائع، وربط المواقف بقيم ملموسة تمس حياة المواطنين، بما يعيد بناء الثقة تدريجياً. وبالتوازي، يصبح التحقق من المعلومات أداة مهمة، عبر إنشاء آليات سريعة لرصد الشائعات وتصحيحها، وتقديم محتوى موثوق يسهل تداوله، بما يحد من تأثير التضليل. كما يكتسب بناء تحالفات إعلامية بين الفاعلين المدنيين، والصحفيين، والمنصات المستقلة أهمية قصوى، لخلق جبهة تواصل قادرة على الوصول إلى جمهور أوسع وتقديم سردية متماسكة في مواجهة الحملات المنظمة.
وعلى مستوى أشمل، يبرز دور المجتمع المدني في الاستثمار طويل المدى في تعزيز الثقافة الرقمية، من خلال رفع وعي المستخدمين بكيفية عمل المنصات، وآليات التلاعب بالمحتوى، وسبل التحقق منه، وتنمية التفكير النقدي ليتمكّن الأفراد من التمييز بين الرأي والمعلومة، وبين النقد المشروع وخطاب الكراهية، ويقلل من قابلية الانجرار وراء السرديات التعبوية. وبهذا المعنى، فإن مواجهة العداء الإسفيري لا تقتصر على تفنيد خطاب بعينه، بل تمتد إلى بناء بيئة معرفية وأخلاقية أكثر صلابة، قادرة على حماية المجال العام ودعم فرص الحوار والسلام.
الخاتمة: معركة الوعي وسبيل السلام
في المحصلة، لا جدال أن العداء الإسفيري تجاه القوى المدنية الرافضة للحرب يعبر عن اختلال في بنية المجال العام، تتقاطع فيه عوامل سياسية وتاريخية وتقنية وإعلامية. ومع استمرار هذا النمط من الخطاب، تتآكل فرص الحوار، وتتراجع إمكانيات بناء الثقة، وتتضاءل آفاق الوصول إلى تسوية سياسية مستدامة. غير أن هذا الواقع، رغم تعقيده، ليس قدراً محتوماً، إذ تظل إمكانية إعادة توجيه الخطاب العام قائمة عبر تبنّي إستراتيجيات واعية تقوم على تعزيز الثقافة الرقمية، وترسيخ التفكير النقدي، وبناء سرديات بديلة تستند إلى الحقائق والقيم المشتركة. فالمعركة في جوهرها ليست فقط على الأرض، بل أيضاً على الوعي، وعلى قدرة المجتمع على حماية فضائه العام من الانزلاق إلى دوائر الكراهية، وفتح الطريق أمام خطاب عقلاني يدعم السلام والتحول الديمقراطي.