من كمبالا إلى مستقبل السودان: كيف تقود “حراك للتغيير وتمكين الشباب” طاقة اللاجئين نحو التأثير وصناعة القرار؟
حوار خاص مع عبد العظيم مصطفى يكشف كيف تحوّلت العاصمة الأوغندية إلى منصة حيوية لتمكين الشباب السودانيين في المهجر، وبناء قيادات فاعلة رغم تحديات الحرب والنزوح
كمبالا: ملاك جمال بلة
في ظل التحولات العميقة التي يشهدها السودان، وما خلّفته الحرب من واقع معقّد دفع بآلاف الشباب إلى اللجوء خارج البلاد، برزت مبادرات شبابية تسعى لإعادة تعريف دور الشباب في الحاضر والمستقبل. من بين هذه المبادرات، تبرز “منظمة حراك للتغيير وتمكين الشباب” كنموذج لعمل مدني يقوده الشباب أنفسهم، ويستهدف إعادة بناء الوعي والقدرات في سياق بالغ الصعوبة.
في هذا الحوار الصحفي، يتحدث عبد العظيم مصطفى، مسؤول مكتب السياسات والتخطيط بالمنظمة، عن تجربة “حراك” وانطلاقتها من كمبالا، عاصمة أوغندا، حيث باتت المدينة مركزاً لنشاط شبابي سوداني متنامٍ، خاصة وسط اللاجئين، مسلطاً الضوء على البرامج، التحديات، والرؤية المستقبلية لبناء جيل قادر على قيادة التغيير.

حراك للتغيير: منظمة شبابية برؤية مدنية
يعرّف عبد العظيم المنظمة بوصفها كياناً سودانياً غير حكومي وغير ربحي، يعمل على تمكين الشباب معرفياً ومهارياً، مع التركيز على تعزيز مشاركتهم في الشأن العام وصنع القرار. غير أن هذا التعريف يتجاوز كونه وصفاً تنظيمياً ليعكس فلسفة عميقة تقوم على الإيمان بدور الشباب كقوة اجتماعية قادرة على إحداث التحول إذا ما توفرت لها الأدوات والمعرفة والفرص المناسبة، وهو ما تسعى المنظمة إلى تحقيقه عبر برامجها المختلفة.
لماذا تأسست المنظمة؟
يربط عبد العظيم تأسيس “حراك” بالحاجة الملحّة لتمكين الشباب السوداني في ظل واقع يعاني فيه كثير منهم من التهميش وضعف فرص المشاركة في الحياة العامة، رغم أنهم يشكلون النسبة الأكبر من السكان. ويشير إلى أن غياب المعرفة والمهارات، إلى جانب محدودية المساحات التي تسمح للشباب بالتأثير، كان دافعاً أساسياً لإنشاء المنظمة، التي جاءت لتسد هذه الفجوة من خلال بناء قدرات الشباب وتمكينهم من لعب دور فاعل في التنمية والسلام، والعمل على كسر الحواجز التي تعيق مشاركتهم في القضايا التي تمس مستقبلهم ومجتمعهم.
التركيز على الشباب السوداني: استثمار في المستقبل
يرى عبد العظيم أن التركيز على الشباب السوداني يمثل استثماراً إستراتيجياً في مستقبل البلاد، إذ يشكلون القوة المحركة للتغيير وصياغة المستقبل السياسي والاجتماعي والاقتصادي. ويؤكد أن الاهتمام بالقضايا الشبابية ينبع من كونهم عنصراً أساسياً في البناء والتطوير، كما أن تمكينهم يساهم في تعزيز الديمقراطية والمواطنة والعدالة، ويمنحهم القدرة على المساهمة في حل النزاعات وبناء السلام داخل مجتمعاتهم. كما يشدد على أن الشباب يمتلكون طاقات ابتكارية كبيرة يمكن أن تتحول إلى مبادرات ومشاريع عملية تدعم التنمية المستدامة، وهو ما يجعل الاستثمار فيهم ضرورة وليس خياراً.

كمبالا: مركز العمل وسط واقع اللجوء
يوضح عبد العظيم أن اختيار كمبالا كمركز لأنشطة المنظمة جاء نتيجة تراكم خبرات وتجارب شبابية في المدينة، التي أصبحت واحدة من أهم مراكز تجمع السودانيين في المهجر. هذه التجارب، كما يبيّن، أظهرت وجود فرص كبيرة للعمل الشبابي، لكنها كشفت أيضاً عن تحديات مثل ضعف الممارسة الديمقراطية داخل بعض الأجسام، وظهور خطابات فئوية أثرت سلباً على تمثيل قضايا الشباب بشكل شامل.
في ضوء هذا الواقع، برزت الحاجة إلى تقديم نموذج مختلف للعمل الشبابي يتجاوز تلك الإخفاقات، ويركز على توحيد الأجندة حول قضايا أساسية مثل الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتعايش السلمي. ومن هنا تحولت كمبالا إلى منصة لإعادة بناء العمل الشبابي السوداني، خاصة في أوساط اللاجئين الذين يسعون إلى الحفاظ على ارتباطهم بقضايا وطنهم رغم التحديات التي يفرضها اللجوء.
برامج فاعلة: من الحوار إلى التدريب
تعمل المنظمة على تنفيذ برامج متعددة تستهدف الشباب بشكل مباشر، حيث يشكل منتدى “أجاويد” أحد أبرز هذه البرامج، إذ يمثل مساحة أسبوعية مفتوحة للحوار بين الشباب حول قضايا إنهاء الحرب وبناء السلام والتحول المدني الديمقراطي، ما يسهم في تعزيز النقاشات الجماعية وتبادل الرؤى.
إلى جانب ذلك، يركز برنامج “المظلة الشبابية” على التمكين المعرفي والمهاري، من خلال تدريب الشباب على القيادة وبناء القدرات، وقد شمل ذلك دعم مبادرات إنسانية مثل غرف الطوارئ، بما يعكس ارتباط العمل الشبابي بالقضايا الميدانية.
كما أطلقت المنظمة حملة “الإنسانية أولاً” التي هدفت إلى تسليط الضوء على تدهور الوضع الإنساني في السودان والدعوة إلى فتح الممرات الإنسانية، في تأكيد على دورها في المناصرة.
وفي سياق تعزيز الشراكات، شاركت المنظمة في لقاءات تشاورية مع جهات دولية، ونظمت فعاليات مجتمعية وثقافية في كمبالا، من بينها إحياء ذكرى ثورة ديسمبر، بما يعزز التماسك الاجتماعي بين اللاجئين ويدعم الحوار والسلام.
التواصل مع الشباب في المهجر
يعتمد عمل المنظمة في الوصول إلى الشباب السوداني في المهجر على الجمع بين الوسائل الرقمية والعمل الميداني، حيث تستخدم منصات التواصل الاجتماعي لتنظيم ورش عمل ولقاءات افتراضية تتيح للشباب التعبير عن قضاياهم وتبادل الخبرات. وفي الوقت نفسه، تحرص على بناء علاقات مباشرة مع المبادرات والتجمعات الشبابية في دول اللجوء، بما يساعد على توسيع دائرة التأثير.
هذا النهج يسهم في خلق شبكة تواصل متماسكة تربط الشباب ببعضهم البعض، وتدعم مشاركتهم في القضايا الوطنية رغم التباعد الجغرافي، خاصة في ظل الظروف التي فرضتها الحرب.
رفع الوعي السياسي: من التدريب إلى الممارسة
تولي المنظمة أهمية خاصة لرفع الوعي السياسي لدى الشباب من خلال برامج تدريبية تهدف إلى تعزيز فهمهم للعمل العام، حيث تشمل هذه البرامج التثقيف حول الديمقراطية وحقوق الإنسان والمواطنة، إلى جانب تشجيعهم على المشاركة في القضايا العامة وصناعة القرار.
كما تسعى المنظمة إلى تقديم قراءة نقدية لتجارب القوى السياسية التقليدية، والعمل على الدفع نحو تجديد الخطاب السياسي، بما يتماشى مع تطلعات الشباب، مع التركيز على ترسيخ قيم العدالة والمساواة والتداول السلمي للسلطة.

بناء القيادات الشابة
في إطار برنامج “المظلة الشبابية”، تعمل المنظمة على تطوير القيادات الشابة من خلال تقديم تدريبات متكاملة تشمل مهارات القيادة واتخاذ القرار، وتنمية التفكير النقدي، وتعزيز مهارات التواصل والعمل الجماعي. كما تركز على تدريب الشباب على إدارة المبادرات والمشاريع، بما يمكنهم من تحويل أفكارهم إلى واقع عملي.
ولا يقتصر التدريب على الجوانب الفنية، بل يمتد ليشمل تعزيز أخلاقيات العمل العام مثل الشفافية والمساءلة، إلى جانب تنمية مهارات حل النزاعات وبناء السلام، خاصة في البيئات المتأثرة بالصراعات.
تحديات العمل: بين الحرب والموارد
يواجه عمل المنظمة تحديات متعددة، أبرزها صعوبة الوصول إلى الشباب داخل السودان بسبب النزاعات المسلحة، وما تفرضه من قيود على الحركة والتواصل، إضافة إلى ضعف خدمات الإنترنت والانقطاعات المتكررة التي تعيق تنفيذ الأنشطة. كما تمثل محدودية التمويل تحدياً كبيراً يؤثر على استمرارية البرامج وتوسيعها، وهو ما يدفع المنظمة إلى البحث عن حلول مبتكرة لضمان استدامة عملها.

قياس الأثر: أدوات حديثة ومتابعة مستمرة
تعتمد المنظمة على منهجية واضحة في قياس أثر أنشطتها، تقوم على التقييم المستمر من خلال التقارير الدورية وتحليل الأنشطة، إضافة إلى استخدام الاستبيانات لقياس رضا المشاركين وتطورهم. كما تستفيد من التطبيقات الرقمية الحديثة في جمع البيانات وتحليلها، بما يساعد على تحديد مدى تحقيق الأهداف والتأثير الفعلي على الشباب والمجتمع.
شراكات متنوعة لدعم العمل
يرتكز عمل المنظمة على شبكة من الشراكات المتنوعة التي تشمل المنظمات المحلية والمجتمعية، إلى جانب الجهات الدولية والمانحين، والمؤسسات التعليمية، والقطاع الخاص. وتلعب هذه الشراكات دوراً مهماً في توسيع نطاق العمل وتوفير الدعم المالي والفني، بما يعزز من قدرة المنظمة على تحقيق أهدافها.
التمويل: بين المنح والمبادرات الذاتية
تعتمد المنظمة في تمويل أنشطتها على المنح المقدمة من الجهات الدولية والمانحين، إلى جانب الشراكات مع القطاع الخاص والمساهمات المجتمعية. كما تلجأ في بعض الأحيان إلى العمل بنظام “زيرو فند”، مع الحرص على إدارة الموارد بكفاءة لضمان استمرارية البرامج وتعزيز أثرها.

المستقبل: توسيع التأثير والابتكار
تسعى المنظمة إلى توسيع نطاق عملها في المستقبل ليشمل المزيد من الشباب، خاصة في المناطق المتأثرة بالنزاعات، مع التركيز على تطوير برامج التدريب والتأهيل، وتعزيز المشاركة السياسية، واستخدام التقنيات الحديثة في جمع البيانات والمتابعة.
كما تهدف إلى بناء شراكات أوسع على المستويين الإقليمي والدولي، وتشجيع الابتكار في البرامج والمشاريع، بما يمكن الشباب من تحويل أفكارهم إلى مبادرات عملية تسهم في إحداث تغيير ملموس.
الشباب ومستقبل السودان
يؤكد عبد العظيم أن الشباب يمثلون العمود الفقري لمستقبل السودان، وأن دورهم في التغيير والإصلاح لا يمكن تجاهله، إذ يمتلكون القدرة على قيادة التحولات السياسية والاجتماعية، وتعزيز قيم الديمقراطية والعدالة، والمساهمة في بناء السلام.
كيف يمكن الانضمام؟
تفتح المنظمة أبوابها أمام جميع الشباب السودانيين داخل البلاد وخارجها، حيث يمكنهم الانضمام إلى برامجها والمشاركة في أنشطتها عبر المكاتب المختلفة أو من خلال المنصات الرقمية، بما يتيح لهم فرصة التفاعل والمساهمة في العمل العام.
ما الذي يميز “حراك”؟
يختتم عبد العظيم بالإشارة إلى أن ما يميز المنظمة هو أنها يقودها الشباب أنفسهم، وتعتمد على التنوع والديمقراطية الداخلية في عملها، وهو ما يخلق بيئة محفزة للإبداع والتعلم والعمل الجماعي، ويعزز قدرتها على تنفيذ برامج شاملة تعكس احتياجات الشباب وتطلعاتهم.
في كمبالا، حيث يلتقي واقع اللجوء بطموحات التغيير، يواصل الشباب السوداني كتابة فصل جديد من العمل المدني. ومن خلال “حراك للتغيير وتمكين الشباب”، تتجسد محاولة جادة لبناء جيل واعٍ وقادر على تجاوز آثار الحرب، وصناعة مستقبل أكثر عدالة وسلاماً للسودان.

