تسوية السودان: “صمود” والحركة الإسلامية
المهندس الطيب أبو كروك
في ظل التحولات المفصلية التي يشهدها المشهد السوداني، وبينما يغرق الفضاء السياسي في قراءات متباينة لمآلات الحرب، يبدو أننا نقف أمام لحظة الحقيقة. ففي الأفق المثقل بغبار المعارك ودموع النزوح، يلوح شبح “تسوية” قادمة من خلف كواليس العاصمة الألمانية؛ تسوية ليست مجرد حبرٍ على ورق، بل هي محاولة دولية لترميم وطن تشققت جدرانه تحت وطأة البارود.
ومع إعلان رئيس الوزراء كامل إدريس عن “بادرة الانفراج” لعودة الطيور المهاجرة من قادة المعارضة، يبدو أن سلطة بورتسودان بدأت تدرك أن الانكفاء على الذات في عالم لا يرحم الضعفاء هو انتحار بطيء، فشرعت تفتح النوافذ لرياح “التوافق” لعلها تطرد رائحة الموت التي جثمت على الصدور طويلاً.
هنا، ينهض تحالف القوى المدنية “صمود” كطائر الفينيق من تحت رماد الحرب، متسلحاً باعترافٍ دولي وصورة ذهنية رُسمت بعناية في الرواق الأوروبي. “صمود” اليوم ليس مجرد كيان سياسي، بل هو المشروع البديل الذي تقدمه القوى الدولية كقارب نجاة، يطرح رؤية تتجاوز صوت الرصاص إلى فضاءات المدنية والديمقراطية.
ورغم الأسوار العالية التي بناها الجنرالات حول كراسي الحكم، إلا أن ضغط “الخماسية الدولية” بات يطرق الأبواب بعنف، منادياً بضرورة الجلوس على طاولة الحوار قبل أن يبتلع الثقب الأسود ما تبقى من خارطة السودان.
ولكن، في زوايا الظل، يرتجف كيان الحركة الإسلامية؛ ذلك التنظيم الذي حكم قبضته على مفاصل الروح والجسد في السودان لأكثر من ثلاثة عقود، يرى اليوم في هذه التسوية “مقصلة” سياسية أُعدت بعناية. ليس الخوف هنا مجرد خسارة منصب، بل هو ذعرٌ وجودي من مستقبل يلفه الضباب، خاصة وهي تترقب بعين الوجل تصنيفها “إرهابية” في سجلات واشنطن، مما يجعلها مطاردة في الداخل ومعزولة في الخارج. الحركة الإسلامية تنظر إلى تحالف “صمود” ليس كخصم سياسي، بل كعدوٍ لدود يحمل معول الهدم لاجتثاث جذورها الآيديولوجية، مما يجعلها تشعر بأن هذه التسوية ليست سوى “مبايعة جنائزية” لإرثها السياسي.
هذا القلق التنظيمي يتقاطع مع نظرة شعبية سودانية باتت ترى في بريق الشعارات القديمة زيفاً كبيراً؛ فالشارع الذي أنهكته المجاعة والتشرد، ينظر للحركة الإسلامية كمتهمٍ أول في مأساة الحرب وشرارتها، مما يجعل الحاضنة الشعبية التي كانت تتغنى بها بالأمس، مجرد أطلالٍ تنوح عليها الرياح.
إننا اليوم أمام مشهد تراجيدي؛ حيث تتصارع إرادة “العودة” التي يمثلها تحالف صمود، مع غريزة “البقاء” المتوحشة التي تستميت بها القوى المتوجسة. فهل تنجح “برلين” في كبح جماح الصراع، أم أن الألغام التي زرعتها الآيديولوجيا في طريق التسوية أعمق من أن تقتلعها دبلوماسية العواصم؟ وحدها الأيام القادمة ستحمل الجواب: إما ميلاد سودان جديد من رحم المعاناة، أو انزلاق آخر في غياهب التيه.