المعادلة الاخلاقية لطرفي الحرب
الدعامة والكيزان: عملة واحدة ذات وجهين
د.العبيد أحمد العبيد
في خضم الجدل السوداني المحتدم حول طبيعة الصراع الدائر اليوم، يبرز سؤال محوري لا يمكن تجاوزه: هل هناك بالفعل ما يُعرف بـ”المعادلة الأخلاقية” (moral equivalency) بين طرفي الحرب؟ أم أن أحدهما يمثل شرعية مزعومة تقف في مواجهة تمرد منفلت؟ هذا السؤال ليس مجرد تمرين نظري، بل هو مفتاح لفهم طبيعة الأزمة السودانية نفسها، ولتحديد سبل الخروج منها. بالأمس كان النور أحمد آدم القبة أحد قادة الدعم السريع وأثناء حدوث الإبادة الجماعية في الفاشر، واليوم يستقبله البرهان استقبال الأبطال، لينضم لكيكل كأحد أبطال “الجيش السودوكيزاني”.
وقد كنت قد أشرت في مقالي السابق في هذه الصحيفة (بتاريخ 14 أغسطس 2025 وتحت عنوان “حكومتان والمسروق واحد”) إلى أن ما نشهده اليوم ليس سوى إعادة إنتاج لمأساة قديمة، في مشهد عبثي تتنازع فيه سلطتان تدّعيان الشرعية، بينما الحقيقة أن هناك «حكومتين والمسروق واحد». وقلت حينها أيضًا إننا أمام «محاولة فاشلة لتجميل وجه القبح السياسي وإلباس مجرمي الحرب ثوب الشرعية المدنية». هذه ليست مجرد عبارات إنشائية، بل تشخيص دقيق لطبيعة الصراع، وهي نفسها التي تؤسس لما أطرحه اليوم: أن الدعامة والكيزان ليسا سوى وجهين لعملة واحدة.
ردًا على خطاب “لا معادلة أخلاقية”
في هذا السياق، تبرز مواقف بعض المسؤولين — وعلى رأسهم أمجد فريد الطيب، مستشار البرهان للشؤون السياسية والعلاقات الخارجية وابن أخ رئيس الوزراء كامل ادريس — الذين يسعون في جولتهم في الولايات المتحدة إلى نفي أي معادلة أخلاقية بين الطرفين، بل وصف هذا الطرح بأنه “بلا أساس” أو “مضلل”، في إطار محاولة لإعادة تقديم الصراع كمعركة بين شرعية وفوضى. أود التأكيد هنا بأن النقد هنا موجه إلى أمجد فريد بصفته الوظيفية وليست الشخصية. أشار المستشار فريد في تغريدة على منصة X بعد لقائه بأحد المسئولين الأمريكان إلى أنه: “شددنا في الاجتماعين على أنه من غير المقبول، بل ومن غير المنطقي، المساواةُ بين جيش وطني يذود عن شعبه ويسعى إلى حماية حكم القانون، وبين ما تقوم به ميليشيا فاشية تستبيح الدماء والأعراض وتُمارس الترويع المنهجي وتستعمل انتهاكات حقوق الإنسان سلاحاً لتركيع المجتمعات وإذلال الناس”. ليس هنالك ما يؤكد اتفاق هذا المسئول الأمريكي مع ما جاء في كلام المستشار فريد. في لقائه الأخير بقناة الجزيرة وصف المستشار فريد الشخص المسؤول عن ملف السودان في الحكومة الأمريكية مسعد بولس بالكذاب، وأشار إلى الإشكالية الحقيقية والخطر الحقيقي الذي يكمن في وجود الدعم السريع في الأماكن المحتاجة للمعونات الإنسانية. مستشار البرهان يصف مستشار دونالد ترامب بالكذاب وذلك ضمن المساعي “الدبلوماسية” لإقناع العالم بموقف حكومة برهان وعدم مساواتها “بتمرد الدعم السريع”!!. هل هذا ما آلت إليه الدبلوماسية السودانية؟ ولماذا لدى الدولة سفير وسفارة في واشنطن؟ ولماذا ولماذا؟.
تزامنت تصريحات فريد مع صدور آخر تقرير (17 أبريل الحالي) للانتهاكات من هيومن رايتس ووتش بعنوان “السودان: على قادة العالم التحرك لمنع الانتهاكات”. أطلق التقرير والذي نادى بحماية المدنيين ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات بمناسبة مؤتمر برلين والذكرى الثالثة لانطلاق الحرب اللعينة. لم يدَّعِ أيٌّ من طرفي الحرب إلى مؤتمر برلين لأن الطرفين ناقصو الشرعية وكبار مسؤوليهم عليهم عقوبات دولية لم تفرق بين الجيش والدعم السريع، وهذا ما ظل يؤرق حكومة البرهان والكيزان.
غير أن هذا الخطاب الذي ينادي بعدم المساواة بين طرفي (أو بالأحرى مجرمي) الحرب، رغم لغته شبه الدبلوماسية، يعيد إنتاج نفس الإشكالية التي حذرت منها سابقًا: تحويل الصراع إلى ثنائية زائفة، تُخفي أكثر مما تكشف. تغاضى خطابه عن سيطرة الكيزان (الذين تعتبرهم أمريكا داعمين للإرهاب) على الجيش ووصفه بالوطني، وكأن الوطن لم يلفظ الكيزان ولم يكتوِ بنيرانهم خلال فترة زمنية تجاوزت الثلاثين عاماً. وهنا أكرر، بل وأعيد التأكيد، على ما كتبته من قبل: “الأسباب الأخلاقية التي تقود لإدانة البرهان والكيزان هي نفسها التي تقودنا إلى لفظ حميدتي وجنجويده”.
إن وصف فكرة المعادلة الأخلاقية بأنها “بلا أساس” لا يعكس قراءة موضوعية للواقع، بل هو موقف سياسي ميكيافيللي يهدف إلى منح أحد أطراف الحرب غطاءً أخلاقيًا لا يستحقه ويشرعن للعمل مع هذا الطرف. شخصياً لا أرى فرقاً كبيراً بين من يؤيد مشروع حميدتي أو مشروع البرهان. كلاهما مسؤول عن الحرب وأياديهما مضرجة بدماء وأرواح وتشرد أهل السودان.
الإطار النظري: المعادلة الأخلاقية
لطالما استُخدم مفهوم “المعادلة الأخلاقية” بوصفه مغالطة تحليلية تُساوي بين أطراف غير متكافئة، وتطمس الفروقات الجوهرية في السياق أو النية أو المسؤولية. وفي كثير من الحالات، يكون هذا التحذير في محله، إذ يُستخدم المفهوم أحيانًا لتبسيط صراعات معقدة أو لتبرير انتهاكات عبر الادعاء بأن “الجميع متساوون في الخطأ”. غير أن الحالة السودانية الراهنة تفرض تحديًا حقيقيًا لهذا الفهم التقليدي، وتدفعنا إلى إعادة النظر في حدود هذا المفهوم وإمكاناته التحليلية.
فالحرب الدائرة في السودان لا يمكن اختزالها بسهولة في ثنائية “شرعي” مقابل “متمرد”، أو “دولة” مقابل “ميليشيا”، كما تحاول بعض السرديات السياسية أن تفعل. صحيح أن هناك فروقات في النشأة المؤسسية والادعاءات القانونية بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، إلا أن التركيز الحصري على هذه الفروقات يغفل عنصرًا حاسمًا في أي تقييم أخلاقي: وهو طبيعة الأفعال والنتائج المترتبة عليها. فعلى الأرض، تتقاطع الممارسات وتتشابه الأنماط، من انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، إلى استهداف المدنيين، إلى التدمير الواسع للبنية التحتية، بما يجعل معاناة السكان المدنيين نتيجة مشتركة لأفعال الطرفين، لا استثناءً مرتبطًا بأحدهما دون الآخر.
إن الإصرار على نفي أي إمكانية لوجود درجة من المعادلة الأخلاقية في هذا السياق لا يخدم، في كثير من الأحيان، سوى إعادة إنتاج خطاب تبريري يُعفي أحد الأطراف من المساءلة، ويُبقي النقاش أسيرًا لثنائيات سياسية لا تعكس تعقيد الواقع. وقد حذّرت في مقالي السابق من أن «دعم النخبة لأيٍّ من طرفي الحرب أصبح جزءًا من المشكلة، وليس طريقًا للحل». وذلك لأن فكرة أن يغير المثقف موقفه وينحاز إلى جلاده أمر شائع في التاريخ السياسي، ودائماً خلف تبدل المواقف عوامل نفسية واجتماعية واقتصادية وربما قانونية. وأحياناً تفلح السلطة العسكرية في ابتزاز المعارضين السياسيين، وبالتالي نجد المثقف ينادي بمبادئ خلاف ما يؤمن به وخلافاً لثقافته التراكمية. ومن المؤكد عملية الابتزاز والترغيب مشهودة بشكل ملحوظ في ظل الحرب.
وفي المقابل، فإن الإقرار بوجود أساس — ولو جزئي — لمعادلة أخلاقية لا يعني القول بتماثل كامل بين الأطراف، ولا إنكار الفروقات التاريخية أو المؤسسية بينها، بل يعني تبني معيار أكثر صرامة وعدالة في الحكم: معيار يقوم على تقييم السلوك والنتائج، لا على الشعارات أو الادعاءات. سلوك الطرفين إجرامي بامتياز ونتائج هذا السلوك كارثية وجسيمة.
من أين جاءت هذه الحرب؟
لفهم هذه المعادلة، لا بد من العودة إلى الجذور. فقوات الدعم السريع لم تنشأ في فراغ، بل هي نتاج مباشر لنظام الإنقاذ بقيادة عمر البشير. وقد أشرت سابقًا إلى أن “قوات الدعم السريع نشأت من رحم النظام الإسلامي، وشاركت في جرائمه منذ البداية”.
وفي المقابل، فإن ما يُعرف اليوم بـ”حكومة بورتسودان” لا يمكن فصلها عن نفس الإرث؛ إذ تقودها بقايا النظام السابق الذين “عبثوا بالبلاد والعباد لثلاثين عامًا”.
بل إن الطرفين تعاونا سابقًا في قمع الثورة، وفي الانقلاب، وفي حماية مصالحهم المشتركة، وهو ما يجعل الفصل الأخلاقي بينهما أمرًا غير مقنع.
اقتصاد الحرب: الذهب والنهب المنظم
أشرت سابقًا إلى “إثرائهم غير المشروع من الذهب والموارد الطبيعية”، وهو ما يؤكد أن الطرفين لم يكونا مجرد أطراف متحاربة، بل شركاء في اقتصاد النهب. هذا النمط من الاستغلال حوّل الدولة إلى غنيمة، حيث تُستخدم الموارد لتمويل الحرب بدلًا من خدمة الشعب. بل وبرزت تقارير رسمية وموثقة تثبت بأنه حتى خلال هذه الحرب وحين يتعلق الأمر بالاشتراك في نهب موارد السودان، فإن الجيش الذي يتحكم فيه الكيزان ظل يتعاون بشكل وثيق مع الجنجويد، وخير مثال لذلك كان الاتفاق الثلاثي الذي أبرماه مع حكومة جنوب السودان لترتيب حماية موارد البترول في حقل هجليج عام 2025.
سجل الجرائم: لا فرق في النتيجة
إذا كان هناك مجال تتجلى فيه المعادلة الأخلاقية بوضوح، فهو سجل الانتهاكات:
- الإبادة الجماعية في دارفور وتجددها
- استخدام الأسلحة المحرمة دولياً
- القتل خارج نطاق القانون
- التعذيب والإخفاء القسري
- الاغتصاب والعنف الجنسي
- تجنيد الأطفال
- التهجير القسري
وكما قلت سابقًا: “قائمة جرائم الحرب طويلة وستشمل من يزعمون تمثيل الشعب”.
الشرعية المزيفة: حكم بالبندقية
“الشرعية لا تُنتزع بالقوة، بل تُمنح من الشعب”. ومع ذلك، يصر الطرفان على تقديم نفسيهما كسلطة شرعية غلي الرغم من اشتراكهما سوياً في الانقلاب على سلطة الشعب. انزلاق المثقف في حضن أيٍّ من الجنرالين يجعلهـ(ا) بوقاً لهم ويبعدهـ(ا) عن النطق السليم والمصلحة الوطنية.
وقد وصفت ذلك بأنه «سوق نخاسة سياسي»، حيث تُوزع السلطة كغنيمة.
لذا وفي معيار استخدام القوة العسكرية من أجل الاستيلاء على السلطة أو الحفاظ عليها، يتساوى بالفعل منهج الجيش الذي يتحكم فيه الكيزان مع الجنجويد. مع العلم بأن هذا التساوي لم يبدأ في الحرب، بل بدأ منذ تعاونهما خلال وبعد سقوط نظام عمر البشير، ثم استمر إلى ما بعد انقلابهما المشترك على الحكومة الانتقالية وتقويضهما المشترك للوثيقة الدستورية التي تم توقيعها في أغسطس من عام 2019.
النخبة: من حامل للمشروع إلى جزء من الأزمة
“أصبح دعم النخبة لأي من طرفي الحرب جزءًا من المشكلة”. هذه الجملة لم تكن توصيفًا عابرًا، بل تحذيرًا مبكرًا من الانزلاق الأخلاقي الذي نراه اليوم. ببساطة فإن تصريحات فريد تشكل امتداداً للدعم النخبوي الذي لا يبنى على مبادئ أخلاقية واضحة، بل على نوع من المكيافيللية المتعلقة بتبوء المناصب العليا بأي ثمن ممكن. فلقد كان فريد بالأمس موظفاً صغيراً (بالدولار) في مكتب حمدوك، وهو اليوم مستشار للبرهان والكيزان بتبنيه وترويجه لمثل هذا الخطاب.
الانزلاق الأخلاقي: عندما يصبح التبرير مشاركة في الجريمة
إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط الجرائم التي تُرتكب على الأرض، بل الخطاب الذي يبررها. فالدفاع عن أي من طرفي الحرب، أو العمل في خدمة رواياتهم السياسية، لا يمكن النظر إليه كخيار سياسي محايد، بل هو في جوهره شكل من أشكال الانزلاق الأخلاقي والإفلاس القيمي.
حين يقف المثقف أو السياسي أو الناشط ليبرر القتل، أو ليُخفف من وطأة الجرائم، أو ليصنع سردية تُضفي شرعية على أحد الأطراف، فإنه لا يختلف — من حيث الأثر — عمن يرتكب الجريمة نفسها. لأن الجريمة لا تستمر فقط بالسلاح، بل تستمر أيضًا بالكلمة التي تبررها، وبالصمت الذي يغطيها.
إن العمل لصالح أي من هذه الأطراف، سواء كان ذلك عبر الدبلوماسية، أو الإعلام، أو التحليل السياسي، دون الاعتراف الصريح بجرائمها، هو انخراط مباشر في منظومة العنف. وهو ما يجعل من هذا السلوك ليس مجرد خطأ سياسي، بل سقوطًا أخلاقيًا كاملاً.
وقد قلت سابقًا إن “النخبة تحولت إلى أدوات في يد أمراء الحرب”، لكن ما نراه اليوم يتجاوز ذلك: إنه حالة من الإفلاس الأخلاقي، حيث يتم استبدال المبادئ بالمصالح، والعدالة بالاصطفاف، والحقيقة بالرواية والفذلكة السياسية.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التأكيد على أن الحياد الزائف، أو التبرير الانتقائي، أو الدفاع عن “الشر الأقل”، كلها أشكال من المشاركة في الجريمة. لأن الضحية لا تفرق بين رصاصة أطلقها هذا الطرف أو ذاك، بل ترى فقط النتيجة: موت، نزوح، وانهيار.
نقد موقف أمجد فريد: أين المشكلة؟
المشكلة في خطاب أمجد فريد ليست فقط في رفضه لفكرة المعادلة الأخلاقية، بل في ما يترتب على هذا الرفض:
- إضفاء شرعية انتقائية
- تجاهل سجل الانتهاكات
- إعادة إنتاج خطاب التبرير
وهذا الخطاب، في نهاية المطاف، لا يخدم السلام، بل يطيل أمد الحرب إذ إن ضحايا الإبادة الجماعية أو الكيماوي أو القتل بدم بارد هن(م) من بنات وأبناء السودانيين، والحقيقة المجردة هي أن على رأس القتلة البرهان وحميدتي. لن نتمكن من تغيير هذا الواقع إلا إذا كذبنا على أنفسنا واعتبرناها أعلم من أهل الوجيعة وأذكى من جل السودانيين والسودانيات.
الخلاصة: لا خيار بين مجرمي الحرب
“الطرفان وجهان لعملة واحدة”. هذه ليست مبالغة، بل خلاصة تجربة وقراءة.
ولا يمكن بناء مستقبل السودان على أساس الاختيار بينهما.
نحو مستقبل مختلف
كما قلت سابقًا: “فلنستعد إرثنا المسروق، لا باختيار أحد اللصين، بل برفضهما معًا”. ببساطة لا يمكن المفاضلة بين الدعامة والكيزان إذ إن الاثنين ينطلقان من سردية أخلاقية فاسدة، مبعثها ومنبتها واحد.
السودان لا يحتاج إلى انتصار أحد، بل إلى نهاية هذه الثنائية الدموية والإجرامية والفاسدة.
حرية.. سلام.. وعدالة.