ما بين نظام الملالي الإيراني ونظام حسن الترابي
أو
“الثورة التي أكلت أبيها”

تحليل سياسي – شوقي عبد العظيم
صبيحة المفاصلة الشهيرة بين الإسلاميين، أي في يوم 13 ديسمبر 1999 استدعت القيادة الإيرانية ملحق السودان العسكري لدى طهران اللواء عصمت عبدالرحمن، يقول عصمت لأحد زملائه “طلب الاستدعاء كان عاجلاً، أصابني الأمر بالارتباك، بسبب أنني منذ هبطت طهران أطلب لقاء قيادة الدولة ولم أفلح وفعلاً ذهبت فوراً. المفاجأة أن اللقاء دار حول سؤال واحد فقط: “لماذا أطحتم مرشد الثورة الإسلامية في السودان؟” كانت إجابة عصمت المرتبك: “لا يوجد مرشد في السودان”.
احتار مستفسروه من الجانب الإيراني، طلبوا منه رداً واضحاً عن أسباب الإطاحة بالشيخ حسن الترابي. يقول عصمت، وفقاً لمحدثي، “نقلت الاستدعاء وما دار فيه إلى القيادة في الخرطوم، كان توجيههم أن – أطنش- إلى حين تتوفر إجابة”. ومعلوم أن “المرشد” في النظام الإيراني هو مرجعية الثورة والدولة، ويمثل القيادة الدينية الحاسمة في ثورة تقول إنها إسلامية، وله نفوذ سياسي واقتصادي ودبلوماسي من خلاله يؤثر في جميع القرارات. غير أن أصحاب مذكرة العشرة في السودان الذين دفعوا الحركة الإسلامية للمفاصلة لم يكونوا يعلمون أنهم سيتركون الحركة السودان في العراء منبتة ومتخبطة بلا مرجعية، ولا قائد حاسم. المفارقة أن في هذه اللحظة من التاريخ لثورتي الإسلام السياسي في إيران والسودان بحسب زعمهما يخوضان حرباً، وإن اختلفت طبيعته لدى كل منها، إلا أن غياب المرجعية الدينية “المرشد” أو وجودها يتجلى بوضوح خلال هذه الحرب، على الرغم من فشل قادة الحركة الإسلامية في إبدال حسن الترابي بـ”مرشد” جديد. حصدت الحركة في ما بعد نتائج هذا الفشل واستمر الحال لأكثر من عشرين سنة، وبسببه تآكلت منسأة الحركة إلى أن سقطت في الحضيض.

أنظمة (فوق السلطة)
لا خلاف على أن هناك تشابهاً في بنية الدولة التي أنشأها نظام الملالي في إيران أو ما يعرف بـ”ولاية الفقيه” عقب الثورة الإيرانية في 1979، والدولة التي خطط لها الدكتور حسن الترابي في السودان بعد انقلاب 1989 والذي أطلق عليه اسم “ثورة الإنقاذ”. أول ملاح التشابه يتجلى في بناء تنظيمات فوق الدولة أو السلطة القائمة بأمرهم. في إيران بسط “الحرس الثوري الإيراني” سيطرته على كل شيء مستنداً إلى مرشد ديني، واتبع حسن الترابي ذات الطريق بتنصيبه الحركة الإسلامية فوق السلطة التي خولها للعسكريين واتباعه في تنظيم حاكم اسمه “المؤتمر الوطني”، والكل يذكر أيام المفاصلة عندما قال قولته التي سار بها الركبان “قلت له اذهب إلى القصر رئيساً وسأذهب إلى السجن حبيساً”.
لعبت الحركة الإسلامية دورها بكفاءة أيام الترابي الذي لعب دور المرشد، وإن لم يطلق عليه اللقب وهو الذي عرف عنه كرهه للتقليد والمحاكاة. وإن شئت الدقة نجحت الوصفة في السنوات الخمس الأولى على أفضل تقدير، لأن المتعجلين للسلطة والنفوذ من مدبري مذكرة العشرة سيضعون العصا في الدواليب قبل سنوات من المذكرة والمفاصلة التي أطاحت الشيخ. هناك أوجه شبه أخرى بين دولة الملالي ودولة الترابي من بينها معاداة النظام العالمي وتحديه، وما يحدث اليوم في الخليج الفارسي وإيران واحدة من ثمرات خروج إيران على هذا النظام والتمسك بإنتاج سلاح نووي.
من جهته فإن نظام الحركة الإسلامية في عشريته الأولى فتح الباب على مصراعيه لكل المغضوب عليهم من النظام العالمي من قيادات وحركات إسلامية، وتوج ذلك بـ”المؤتمر الشعبي العربي والإسلامي” في 1991 ، وسبح عكس تيار الدول العربية والإسلامية والعالم عندما أيد الرئيس العراقي صدام حسين في حرب الخليج الأولى، ولا يزال هتاف أعضاء الحركة الإسلامية في شوارع الخرطوم مسموع: “بالكيماوي يا صدام”، وأن السودان كان ملاذاً لأسامة بن لادن والفنزويلي كارلوس الثعلب (راميريز سانشيز)، وهذا التحدي جر على طهران والخرطوم عقوبات وعزلة دولية كان وقعه أشد على السودانيين.
ومن أهم أوجه التشابه بين النظامين إدارتهما للشأن الداخلي بالعنف والبطش والتضليل، عبر أجهزة أمن تتبع للسلطة الفوقية. في إيران تتلخص مهمة “فيلق القدس”، الذي يتبع للحرس الثوري، في الحفاظ على الثورة بتتبع المعارضين وقمعهم، وإفشال الانتفاضات والغضب الجماهيري مهما كانت دوافعه بالبطش والإرهاب، تعاونه في ذلك قوات “البسيج”، وهي جهاز مكون من مدنيين لهم ولاء لنظام المرشد الإيراني، وعلى الرغم من أن أفراده يأتون إليه متطوعين، ولكن الحقيقة يحصلون على أموال ونفوذ وبالذات القادة.
تطابق جهاز أمن حماية نظام الترابي أو الحركة الإسلامية مع أجهزة أمن نظام المرشد الإيراني. في أول أيام الحكم حقنوا الجهاز بجرعة كبيرة من القيادات التنظيمية، وساندوا إدارة جهاز أمن الدولة للقيادات من بينهم نافع علي نافع وبكري حسن صالح ومطرف صديق وصلاح عبدالله قوش وعبد الغفار الشريف وقائمة طويلة. قسا هذا الجهاز على المعارضين السودانيين، ففتح لهم بيوت الأشباح ومات البعض معصوبي الأيدي في زنازينه ومكاتبه وتحت ركلات الضباط الإسلاميين المدنيين. عاون جهاز أمن الدولة جهاز شبيه بـ”البسيج” الإيراني وهو جاهز الأمن الشعبي، وهناك من يقول إن قيادة جهاز الأمن الشعبي الذي أسسته الحركة الإسلامية تلقت تدريبات في إيران على يد البسيج، والأمن الشعبي أيضا يدين أفراده بالولاء للحركة الإسلامية وهم متغلغلون في المجتمع مهتمون بكشف الناقمين على النظام والمحرضين عليه.
وقد ضرب على الأمن الشعبي طوق من السرية لم تكشف إلا في سنواته الأخيرة عبر الصحفي فتحي الضو في كتابه “خيوط العنكبوت”. وفي أجواء السرية والظلام هذه أغدقت أموال ضخمة على هذا الجهاز، وفي الحقيقة فإن الأجهزة الأمنية في كلا النظامين كانت ثقوباً سوداء ابتلعت أموالاً وميزانيات كبيرة دون رقابة أو محاسبة حقيقية.

قطع الرأس (الثورة تأكل أباها)
بينما حافظت الثورة الإيرانية على منصب المرشد ودوره وقدسيته، قطع جماعة السودان رأس الحركة الإسلامية، أطاحوا الشيخ والعراب والمرجعية الدينية والفكرية، وانتهى به الحال حبيساً في السجون، وسارت في الناس مقولة مفادها “كل الثورات تأكل بنيها إلا ثورة الانقاذ في السودان فإنها أكلت أباها”. ويقال إن الإسلامي المعروف أحمد عثمان مكي هو من أطلقها. المهم أن جماعة من تلاميذه تحالفوا مع العسكريين الذين نفذوا انقلاب 1989، لينقلبوا مرة أخرى على الشيخ بعد أن باتوا ينظرون إليه كعائق لانفرادهم بالسلطة، وبالذات بعد أن بدأت أموال النفط تلوح في الأفق، والتعاون مع أجهزة الاستخبارات العالمية يبشر بإنهاء الحصار العالمي، وصدرت قرارات (4) رمضان، التي تعرف بمفاصلة الإسلاميين، وكان صراعاً على النفوذ والسلطة والصلاحيات، والعبارة الجوهرية في مذكرة العشرة التي أطلقت شرارة المفاصلة “توحيد القيادة”، وتكفلت الأيام بتفسير العبارة وهي توحيد القيادة في يد الفريق أول عمر البشير. عندها تناسى علي عثمان وغازي صلاح الدين ونافع علي نافع وبقية إخوانهم أن البشير لن يكون مرجعاً للحركة الإسلامية ولا لنظام يروج للسودانيين أنه يحكم بالدين ويرفع شعار “الشريعة قبل القوت”.
وكان على النظام الذي استبدل القيادة الدينية الفكرية بضابط جيش، أن يبدأ في دورة عنف جديدة لتوطيد حكمه، إلا أن البطش طال هذه المرة الشيخ وإخوته في الحركة الإسلامية، وتبين للناس أنها سلطة يتنافسونها وشعارات يرفعونها. أما من رضوا بالبشير بديلاً فكان عليهم أن يتبينوا أن الحركة أصبحت بلا مرجعية، وأنها خطت خطوتها الأولى في طريق للانقسامات والتشقق، وأن لحظة إبعاد المرشد ستطارد جميع مواقفها في المستقبل، وأن من استبدلوه سيكون مرجعية في استخدام القوة وتأسيس المليشيات للحفاظ على السلطة، وسيرقص ويهز عصاه فوق رؤوسهم ويستخفهم فيطيعونه.

حروب السودان وإيران
تمسكت القيادة في إيران بموقفها من تخصيب اليورانيوم وتحدي القوة الأكثر بطشاً في العالم؛ أمريكا وإسرائيل، وخاضت حرب الـ(12) يوماً الأولى، ثم الحرب الحالية، وتحظى بقدر من التأييد المحلي بعد أن صورت للشعب الإيراني أنها حرب مستندة على العقيدة والثورة الإسلامية، ولعب المرشد الأعلى علي خامنئي دوراً رئيساً في حشد تأييد شعبي ولو كان محدوداً للانخراط في الحرب، وتماسك الجبهة الداخلية، على الرغم من أزمة الحكم والاقتصاد في إيران، وهذا يفسر لحد كبير استهداف خامنئي واغتياله في الأيام الأولى للحرب.
أما الحركة الإسلامية فبعد أن تخلصت من عرابها ومرجعيتها الدينية واستبدلته بضابط جيش، فقد تضعضع خطابها الديني التعبوي، وكان عليها أن تخضع لخيارات السلطة والذهاب إلى اتفاقية السلام “نيفاشا” دون التحسب للخطيئة الكبرى التي ستترتب على ذلك، وهي فصل جنوب السودان. أما حرب دارفور والتي اشتعلت بعد المفاصلة فلم تفلح في تعبئة المواطن ضد قادتها بالدين وخطاب الجهاد، لجهة أن التنافس على السلطة واعتقال المرجعية الدينية “الترابي” لا يزال مستمراً. باختصار فقد الخطاب تأثيره، لذا هرعت إلى سياسة “فرِّق تسد”، ودفعت الصراع إلى “زرقة وعرب” وتسليح هؤلاء ضد أولئك، وإلى خطاب عنصري وعنف ضد المجتمعات.
في حرب 15 أبريل الحالية كان تأثير غياب المرجعية الدينية لأكثر من عشرين سنة جلياً، وعلى الرغم من أن قرائن كثيرة تؤكد أنها حرب الحركة الإسلامية للعودة إلى السلطة، إلا أنها لا تستطيع أن تعلن أنها حربها، كما أنها لا تستطيع أن تنادي في الناس بالجهاد دون مرجعية. والحقيقة أنه إلى جانب غياب المرجعية الدينية هناك عوامل أخرى تضع الإسلاميين في موقف صعب، من بينها أن من استبدلوه بالقيادة الدينية وجمعوا السلطات في يده هو من أسس قوات الدعم السريع، وأمرهم في برلمانهم أن يجيزوا قانونها. وأكثر من ذلك كشفت الثورة فساداً غير مسبوق لقيادات الحركة الإسلامية من وزراء وحاكمين.
وفق كل هذه المعطيات كان من الصعب تحشيد السودانيين للحرب عبر خطاب ديني جهادي، لذلك روج لها على أنها حرب “الكرامة” وأطلقت فيها حملات عنصرية وخطابات كراهية جهوية للحشد واستمرار الحرب بغية تحقيق هدفها السياسي الصعب وهو إعادة الحركة الإسلامية للسلطة.

الجيش والحركة تبادل سيطرة
بعد أن أكلت “الإنقاذ أباها” انكشف صراع على السلطة والنفوذ بين المدنيين في الحركة الإسلامية والعسكريين فيها. لم تكن المنافسة متكافئة بعد أن جمع المدنيون بطوع إرادتهم كل السلطات ووضعوها في يد قائد الجيش البشير، كما أنه يحتكر أجهزة المعلومات والعنف في آن واحد – الاستخبارات العسكرية والأمن.
إزاء هذا الوضع بدأ كثير منهم من الذين مردوا على حب السلطة يتقربون إليه، ليقدمهم في المناصب أو يبقيهم في كراسيهم ونفوذهم. بعد الثورة وخلال الحرب الحالية ظن المدنيون الإسلاميون أن الفرصة باتت مواتية لاستعدال كفة السيطرة، لذا دفعوا بكتائبهم للقتال مع الجيش، وبذل علاقاتهم الدولية والإقليمية لتسليحه وتسليح كتائبهم، وكونوا قيادة سرية وعلنية لاستنفار الشارع. غير أن النقطة الجوهرية المتمثلة في غياب المرجعية والمرشد الأعلى تجعل ثمار كل ذلك شحيحة إن لم تكن معدومة، لأن الخطاب الذي قدموه للناس في يوم الحرب الأول أنهم مسانديكون للجيش، بمعنى أن الجيش سينتصر وسيبقى مسيطراً. والأمر الواقعي أن الاختلاف بينهم وقع فعلياً، وتقسموا إلى مجموعات قيادة متخفية في السودان وأخرى في مصر، وثالثة في تركيا. إن غياب المرشد الأعلى سيدفع إلى مزيد من التشظي في اللحظات الحرجة، وهذا ما تحسب له الحرس الثوري الإيراني وغفلت عنه الحركة الإسلامية.
خطاب يستند على “الهواء”
عندما تستمع إلى خطاب قادة الكتائب الإسلامية، أو حتى خطاب أمين حسن عمر وإخوانه من قيادات الحركة، تلاحظ أن هناك أمراً مفقوداً ومرجعية ناقصة، والحركات الإسلامية بنيان هيكلها يعتمد على خليفة مسلمين أو أمير مؤمنين أو مرشد أعلى، ولا ينفع أن تعتمد على قيادة جماعية كما أثبتت تجربة الحركة الإسلامية نفسها قبل أن ينفرد بقيادتها حسن الترابي. ومن الواضح أن المرشد الأعلى بين جماعة الحركة الإسلامية في السودان غائب وغيابه سيطول بعد أن تكشفت من تجربة ثلاثين عاماً أن القادة الحاليين أكلوا أموال الشعب أكلاً عجيباً وتلطخت أيديهم بدماء الشعب، وحولتهم ثورة الشعب في ديسمبر 2019 إلى “متهم هارب”.
أخيراً
يجب أن لا يفهم من هذا التحليل إن لم تقم الحركة الإسلامية بالإطاحة بالمرجعية الدينية والفكرية للحركة في ما يعرف بالمفاصلة أن الأمور كانت ستكون بخير للسودان وشعبه. أبداً. يكفي أن الحركة الإسلامية جاءت إلى السلطة بليل، وقتلت وبطشت وعذبت، والدكتور حسن الترابي آمر وناهٍ فيها، وهذا أمر آخر سنتناوله في مقبل الأيام، بإذن الله.