من قلب معسكر بيالي كرياندنقو: حكايات الصمود والتحول من الإغاثة إلى التمكين

من قلب معسكر بيالي كرياندنقو: حكايات الصمود والتحول من الإغاثة إلى التمكين

حوار مع موسى محمد حسن

كمبالا: (ديسمبر)

في قلب أوغندا، وتحديدًا داخل معسكر بيالي في كرياندنقو، تتقاطع حكايات النزوح مع إرادة الحياة، حيث يحاول آلاف اللاجئين – خصوصًا من السودان – إعادة بناء تفاصيل حياتهم وسط تحديات قاسية. في هذا الحوار، يكشف موسى محمد حسن، مدير البرامج والمشاريع في مركز نجوم الغد للتنمية وبناء القدرات، عن واقع العمل الإنساني داخل المعسكر، والتحديات، والرهانات المستقبلية.

 

منظمة يقودها الشباب.. ورؤية تتجاوز الإغاثة

يبدأ موسى حديثه بتعريف المنظمة قائلاً: مركز نجوم الغد هو منظمة إنسانية يقودها الشباب، تأسست عام 2020، وتركّز على العمل الإنساني، وبناء القدرات، وتعزيز السلام في السودان وأوغندا.

ويضيف أن المنظمة لا تكتفي بتقديم المساعدات الطارئة، بل تسعى إلى بناء مجتمعات قادرة على الاعتماد على الذات، حيث تقوم رؤيتها على عالم يعيش فيه الجميع بكرامة ويتمتعون بحقوقهم الكاملة.

هذا التوجه، بحسب موسى، يترجم إلى برامج عملية تستهدف تعزيز التماسك الاجتماعي، وتقوية آليات حل النزاعات، ودعم الفئات المهمشة، خاصة النساء والشباب.

 

من السودان إلى أوغندا: رحلة نزوح مؤسسي

لم يكن انتقال المنظمة إلى أوغندا خيارًا مخططًا له، بل فرضته ظروف الحرب في السودان عام 2023، والتي أدت إلى نزوح واسع للسكان، بل وحتى للعاملين في المجال الإنساني أنفسهم.

يوضح موسى أن المنظمة فقدت بنيتها التحتية في شمال دارفور، وتشتت كوادرها، مما اضطرها لإعادة تنظيم نفسها خارج الحدود. وهنا جاء قرار التوسع في أوغندا، ليس فقط لضمان الاستمرارية، بل لمواكبة المجتمعات التي نزحت عبر الحدود.

ويشير إلى أن أوغندا، التي تستضيف نحو 1.9 مليون لاجئ، تمثل بيئة إنسانية معقدة، لكنها في الوقت ذاته تقدم نموذجًا متقدمًا في سياسات دمج اللاجئين، رغم محدودية الموارد.

 

كرياندنقو.. واقع إنساني ضاغط

داخل كرياندنقو، تبدو التحديات أكبر من مجرد أرقام. يكشف التقييم الميداني الذي أجرته المنظمة عن أزمات متعددة تشمل نقص الخدمات الصحية، وضعف التعليم، وشح المياه، وتدهور سبل كسب العيش، إضافة إلى أزمات نفسية عميقة.

ويؤكد موسى أن هذه التحديات لا تؤثر فقط على مستوى المعيشة، بل تمس كرامة الإنسان بشكل مباشر، مما يجعل التدخل الإنساني ضرورة عاجلة، وليس خيارًا.

“كرياندنقو الخضراء”.. من الإغاثة إلى التنمية

ضمن إستراتيجيتها، أطلقت المنظمة مبادرة “كرياندنقو الخضراء”، التي تهدف إلى تحويل المعسكر من بيئة تعتمد على المساعدات إلى مجتمع منتج.

يرى موسى أن هذه المبادرة تمثل تحولًا نوعيًا، حيث تركز على دعم الاقتصاد المحلي، وتعزيز الإنتاج، وتقليل الاعتماد على المعونات الخارجية. كما ترتبط برؤية أوغندا 2040 التي تسعى لتحقيق نمو اقتصادي شامل.

 

كيف تُبنى البرامج؟ صوت اللاجئ أولاً

تعتمد المنظمة على منهجية تشاركية دقيقة لتحديد الاحتياجات، تبدأ بجمع البيانات عبر الاستبيانات والمقابلات، وتمر بالزيارات الميدانية، وتنتهي بتحليل مشترك مع المجتمع.

يؤكد موسى أن هذا النهج يضمن أن البرامج لا تُفرض من الخارج، بل تنبع من الواقع الفعلي للاجئين، مما يزيد من فعاليتها واستدامتها.

 

النساء في قلب الاستجابة الإنسانية

تولي المنظمة اهتمامًا خاصًا بالنساء داخل المعسكر، سواء من ناحية الحماية أو التمكين الاقتصادي. ففي جانب الحماية، يتم العمل على مكافحة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وتوفير مساحات آمنة، وخدمات دعم نفسي. أما في جانب التمكين، فتُقدَّم تدريبات ومشاريع صغيرة تساعد النساء على تحقيق دخل مستقل. ويشير موسى إلى أن هذه البرامج لا تحسن الظروف المعيشية فقط، بل تعيد بناء الثقة بالنفس وتعزز دور المرأة في المجتمع.

الدعم النفسي.. جرح غير مرئي

واحدة من أبرز التحديات داخل المعسكر هي الصدمات النفسية التي يعاني منها اللاجئون.

تقدم المنظمة خدمات الدعم النفسي الأولي، وجلسات إرشاد فردية وجماعية، إضافة إلى مجموعات دعم مجتمعية. ويؤكد موسى أن هذه التدخلات ساهمت في تحسين قدرة الأفراد على التكيف، وتعزيز شعورهم بالأمان والانتماء، رغم أن الحاجة لا تزال أكبر من الإمكانيات المتاحة.

 

الشباب.. من متلقين إلى صناع تغيير

الشباب، بحسب موسى، ليسوا مجرد مستفيدين، بل شركاء أساسيون في العمل الإنساني.

يتم إشراكهم في تصميم البرامج وتنفيذها، وتدريبهم كمتطوعين ووسطاء مجتمعيين، إضافة إلى دعم مبادراتهم في ريادة الأعمال.

هذا النهج، كما يوضح، ساهم في تحويل الشباب إلى قوة إيجابية تدفع عجلة التنمية داخل المعسكر.

تحديات قاسية.. وإمكانات محدودة

رغم الجهود، تواجه المنظمة تحديات كبيرة، أبرزها نقص التمويل، حيث تعتمد حاليًا على مواردها الذاتية فقط.

كما تعاني من صعوبات لوجستية، وتنوع ثقافي ولغوي داخل المعسكر، ما يتطلب جهودًا إضافية لتعزيز التماسك الاجتماعي. ومع ذلك، تعتمد المنظمة على نهج مرن وتشاركي، وتسعى لبناء شراكات مع الجهات الحكومية والمنظمات الدولية لتوسيع نطاق عملها.

 

قياس الأثر.. ما وراء الأرقام

تعتمد المنظمة على نظام متكامل للرصد والتقييم، يشمل مؤشرات مثل تحسين الدخل، وزيادة الوصول للخدمات، وتحسن الصحة النفسية. ومن أبرز قصص النجاح، تدريب الشباب والنساء في “دار العمل الإنساني ببيالي”، حيث بدأ بعضهم بالفعل في إطلاق مشاريع صغيرة ساعدتهم على تحسين دخلهم واستقلالهم.

رسالة إلى العالم: اللاجئون ليسوا أرقامًا

يختتم موسى حديثه برسالة واضحة: اللاجئون ليسوا مجرد أرقام في تقارير، بل بشر يمتلكون طاقات وطموحات.

ويشدد على أن المرحلة القادمة يجب أن تتجاوز الإغاثة إلى التمكين، وأن الاستثمار في اللاجئين هو استثمار في الاستقرار والسلام. كما يدعو إلى تعزيز التضامن الدولي، وإشراك اللاجئين أنفسهم في تصميم الحلول، لضمان استجابة أكثر عدالة وإنسانية.

 

نحو مستقبل أكثر إنسانية

في معسكر بيالي كرياندنقو، تتشكل يوميًا قصص صمود جديدة. وبين التحديات والأمل، يظل العمل الإنساني جسرًا بين المعاناة والكرامة. ورغم قسوة الواقع، يثبت هؤلاء اللاجئون – ومعهم العاملون في الميدان – أن القدرة على النهوض من جديد لا تزال ممكنة، حين تتوفر الإرادة والدعم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *