الكلمة ما بتموت
حرية الرأي والتعبير في السودان: بين الالتزام القانوني والانهيار الواقعي
د.العبيد أحمد العبيد
من شعارات ثورة ديسمبر، والتي يحاول طرفا (مجرمي) الحرب وأدها: “الكلمة ما بتموت.. لو سكَّتوا ألف صوت.”
ولا ننسى الشعار الأساسي للثورة: “حرية، سلام، وعدالة.”
ما أحوجنا اليوم للحرية والحق في التعبير! فحرية الرأي والتعبير في السودان حالها يغني عن سؤالها.

في واحدة من أكثر الوقائع دلالة على حال حرية التعبير في السودان اليوم، تداولت وسائل الإعلام قصة المواطن الذي انتقد أداء والي الولاية الشمالية، ليجد نفسه عرضة لعقوبة مهينة تمثلت في حلق شعره علنًا. لم تكن هذه الواقعة مجرد تصرف فردي معزول، بل عكست — في نظر كثيرين — تصورًا سلطويًا عميقًا يرى في التعبير عن الرأي تحديًا يجب كسره، لا حقًا يجب حمايته. إن مثل هذه الممارسات، التي تجمع بين الإذلال والعقاب خارج إطار القانون، تكشف عن خلل بنيوي في العلاقة بين السلطة والمجتمع، حيث يُنظر إلى الكلمة بوصفها تهديدًا، لا وسيلة للإصلاح، ويُنظر إلى المواطن لا باعتباره شريكًا في الشأن العام، بل باعتباره موضوعًا للضبط والسيطرة.
ليست حرية الرأي والتعبير مجرد حق من حقوق الإنسان يُدرج في نصوص الدساتير أو الاتفاقيات الدولية، بل هي الركيزة الأساسية التي يقوم عليها أي نظام ديمقراطي حقيقي، وهي الأداة التي تمكّن المجتمع من مساءلة السلطة، وتصحيح أخطائه، والتعبير عن تطلعاته. فحيثما تُقمع الكلمة، تُقمع معها الحقيقة، ويُفتح الباب واسعًا أمام الاستبداد والعنف والإقصاء. ومن دون هذا الحق، تفقد بقية الحقوق معناها، إذ لا يمكن الدفاع عنها أو المطالبة بها في غياب القدرة على التعبير الحر.
لقد التزم السودان بهذا الحق التزامًا قانونيًا واضحًا منذ مصادقته على العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية في عام 1986، والذي ينص في مادته التاسعة عشرة على حق كل إنسان في اعتناق الآراء دون تدخل، وفي التعبير عنها ونقلها إلى الآخرين بكافة الوسائل. غير أن هذا الالتزام ظل، في معظم مراحله، التزامًا شكليًا لم يجد طريقه إلى التطبيق العملي، حيث تعاقبت على السودان أنظمة سياسية جعلت من تقييد حرية التعبير أداة للبقاء في السلطة، بدلًا من أن تكون هذه الحرية وسيلة لتطوير الحكم وتحقيق المشاركة الشعبية. وقد ظل هذا النمط يتكرر حتى في الفترات الانتقالية، حيث لم تُستكمل الإصلاحات المؤسسية اللازمة لضمان حماية هذا الحق.
ومع اندلاع الحرب الحالية، لم يعد الأمر يتعلق فقط بتقييد هذا الحق، بل بانهيار شبه كامل لمنظومة حمايته، حيث أصبح التعبير في كثير من الحالات سببًا مباشرًا للاعتقال أو التهديد أو حتى القتل. بل إن مجرد الاشتباه في موقف سياسي أو الانتماء المفترض أصبح كافيًا لحرمان الفرد من حريته الأساسية، في ظل غياب أي ضمانات قانونية حقيقية. بالأمس اعتُقل المهندس عثمان عبد الماجد فرح لمجرد إبداء رأيه حول سير العملية التعليمية وامتحانات الشهادة السودانية. وكلنا قد شهدنا المسرحية الهزلية البائخة والمهينة للكرامة البشرية عندما قام الناطق الرسمي لقوات الدعم السريع ببث شريط فيديو للقاء مصور مع الصحفي المعتقل معمر إبراهيم، والذي لا يزال يقبع في سجون نيالا، مثله مثل المئات من المعتقلين تعسفيًا.
الإطار القانوني لحرية الرأي والتعبير
ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية على أن حرية التعبير تشمل ثلاثة أبعاد رئيسية: الحق في اعتناق الآراء دون مضايقة، والحق في البحث عن المعلومات وتلقيها، والحق في نقلها ونشرها. وهذه الأبعاد لا تقتصر على وسائل الإعلام التقليدية، بل تشمل كافة أشكال التعبير، بما في ذلك الكتابة، والفن، والاحتجاج، والتعبير الرقمي. وهي بذلك تعكس فهمًا واسعًا لهذا الحق، باعتباره أساسًا للحياة العامة، لا مجرد امتياز محدود.
ومع ذلك، فإن هذا الحق ليس مطلقًا، إذ يجيز العهد فرض قيود عليه، بشرط أن تكون هذه القيود محددة بنص قانوني واضح، وأن تكون ضرورية لتحقيق هدف مشروع، مثل حماية الأمن القومي أو النظام العام أو حقوق الآخرين، وأن تكون متناسبة مع هذا الهدف. وهذه الشروط الثلاثة — القانونية والضرورة والتناسب — تُعد معايير صارمة تهدف إلى منع إساءة استخدام السلطة في تقييد حرية التعبير. غير أن المشكلة في السودان لم تكن يومًا في غياب هذه المعايير، بل في تجاهلها أو التحايل عليها.
على المستوى الوطني، كرّست الوثيقة الدستورية للفترة الانتقالية في السودان (2019) هذا الحق، حيث نصت على حرية التعبير والصحافة، وأكدت على حق المواطنين في الحصول على المعلومات. غير أن هذه النصوص، رغم أهميتها، ظلت عرضة للتأويل، خاصة في ظل غياب مؤسسات مستقلة قادرة على حمايتها. كما أن الإطار التشريعي الأوسع لا يزال يحتوي على قوانين تُستخدم لتقييد هذا الحق، مثل قوانين الطوارئ والجرائم المعلوماتية، والتي تُصاغ بعبارات فضفاضة تسمح بتفسيرها بشكل يضر بحرية التعبير، كما بينت تحليلات قانونية حديثة حول البيئة التشريعية في السودان.
طبيعة التزامات الدولة: بين النظرية والواقع
لا يقتصر التزام الدولة بحماية حرية التعبير على الامتناع عن التدخل في هذا الحق، بل يشمل ثلاثة أبعاد مترابطة. أولها هو واجب الاحترام، والذي يعني أن تمتنع الدولة عن قمع الآراء أو ملاحقة الأفراد بسبب تعبيرهم السلمي. وثانيها هو واجب الحماية، أي أن تتخذ الدولة إجراءات فعالة لحماية الأفراد من انتهاكات الجهات غير الحكومية، بما في ذلك الجماعات المسلحة أو المليشيات. أما ثالثها فهو واجب الإعمال، والذي يتطلب من الدولة اتخاذ خطوات إيجابية لضمان تمكين المواطنين من ممارسة هذا الحق، من خلال توفير بيئة إعلامية حرة، وضمان استقلال الصحافة، وتسهيل الوصول إلى المعلومات.
غير أن الواقع السوداني يكشف عن إخفاق عميق في هذه الجوانب الثلاثة. فالدولة، في كثير من الأحيان، لم تكتفِ بعدم الحماية، بل كانت نفسها طرفًا في الانتهاك. كما أن صعود الفاعلين غير الحكوميين، خاصة في سياق الحرب، أدى إلى تفكك احتكار الدولة للعنف، وبالتالي إلى تعدد مصادر القمع، بحيث لم يعد المواطن مهددًا من جهة واحدة، بل من عدة جهات تتنافس على السيطرة. وهذا الوضع يعكس انهيارًا في مفهوم الدولة نفسه، حيث تفقد قدرتها على أداء وظائفها الأساسية، بما في ذلك حماية الحقوق.

من يحدد حدود الحرية؟
في الأنظمة الديمقراطية، يُناط تفسير القيود على حرية التعبير بمؤسسات مستقلة، وعلى رأسها القضاء، الذي يضمن أن تكون أي قيود متوافقة مع الدستور والقانون والمعايير الدولية. كما تلعب الهيئات الدستورية، مثل المحاكم العليا، دورًا محوريًا في حماية هذا الحق.
لكن في السودان، حيث تعرضت المؤسسات القضائية للتسييس والتقويض على مدى عقود، لم يعد هذا الدور قائمًا بالشكل المطلوب. ومع اندلاع الحرب، تراجعت قدرة هذه المؤسسات إلى حد كبير، بل اختفت في بعض المناطق، ليحل محلها منطق القوة والسلطة الفعلية. وفي هذا السياق، لم تعد القيود على حرية التعبير تُفرض عبر إجراءات قانونية، بل عبر ممارسات ميدانية، مثل الاعتقال التعسفي أو التهديد أو العنف المباشر.
الحرب وانهيار منظومة الحماية
في فبراير 2024، أصدرت مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان تقريرًا بعنوان: “السودان: انتهاكات مروعة مع انتشار القتال”، والذي وثق نمطًا واسعًا من الانتهاكات، شمل القتل خارج القانون، والتعذيب، والاعتقال التعسفي، والعنف الجنسي، واستهداف المدنيين. كما أشار التقرير إلى أن هذه الانتهاكات تُمارس في سياق من الإفلات شبه الكامل من العقاب، وهو ما يزيد من خطورتها ويقوض أي إمكانية للمساءلة.
وفي سياق حرية التعبير، فإن هذه البيئة من العنف والإفلات من العقاب تخلق مناخًا عامًا من الخوف، حيث يصبح الصمت خيارًا للبقاء، وتتحول الرقابة الذاتية إلى آلية دفاع يومية. كما أن استهداف المدنيين على أساس الانتماء المفترض أو الموقف السياسي يعمِّق من هذا الخوف، ويجعل التعبير عن الرأي مخاطرة وجودية.
تراجع حرية التعبير في المؤشرات الدولية
لم يعد هذا التدهور مجرد تحليل داخلي، بل أصبح موثقًا في المؤشرات الدولية. فقد تراجع السودان إلى مراتب متأخرة جدًا في تصنيفات حرية الصحافة، حيث جاء ضمن الدول الأكثر خطورة على الصحفيين، ووصل إلى مرتبة متدنية تعكس بيئة إعلامية مقيدة ومهددة. وهذا التراجع ليس مجرد رقم، بل يعكس واقعًا تتزايد فيه الانتهاكات، وتضيق فيه مساحة التعبير، ويُستهدف فيه الصحفيون والمؤسسات الإعلامية بشكل مباشر.
الثورة والانفجار التعبيري: لحظة الحرية
على النقيض من هذا الواقع، شكّلت ثورة ديسمبر 2019 لحظة فارقة في تاريخ السودان، حيث شهدت البلاد انفجارًا في أشكال التعبير، خاصة في المجال الفني والثقافي. فقد تحولت الجدران إلى لوحات (murals) تحمل رسائل الثورة، وأصبحت القصائد والأغاني أدوات للتعبئة والتغيير، وبرزت أشكال جديدة من التعبير مثل الكلمة المنطوقة.
لقد كانت هذه اللحظة تعبيرًا عن تحرر عميق من الخوف، وعن رغبة جماعية في استعادة الصوت. لكن هذه المساحة، التي فتحتها الثورة، لم تستمر، بل تعرضت للتضييق والانكماش، مع عودة القمع وتصاعد العنف، لتعود حرية التعبير إلى دائرة الخطر.
خطاب الكراهية والتحريض على العنف
كما أشرت في مقالي السابق، فإن حرية التعبير لا تعني حرية التحريض على الكراهية أو العنف. وقد شهد السودان تصاعدًا خطيرًا في هذا النوع من الخطاب، خاصة في ظل الحرب، حيث يتم استخدام اللغة لتأجيج الصراعات الإثنية والسياسية.
وهذا النوع من الخطاب لا يمثل فقط انتهاكًا لحقوق الآخرين، بل يشكل تهديدًا مباشرًا للسلم الاجتماعي، ويقوض أي إمكانية لبناء دولة قائمة على المواطنة. ومن هنا، فإن مواجهة خطاب الكراهية لا تعني تقييد حرية التعبير، بل حماية جوهرها من الانحراف.
الدين كأداة للقمع
من أخطر مظاهر انتهاك حرية التعبير في السودان هو استخدام الدين كأداة لإسكات الأصوات المخالفة. فاتهام الأفراد بالردة أو الكفر (أي الدعوة المفتوحة لقتل وإراقة دماء المتهمين) لا يُستخدم فقط كحكم ديني، بل كوسيلة لإضفاء شرعية على العنف ضدهم.
وقد تفاقمت خطورة هذه الظاهرة بسبب صعود ما يمكن تسميته بـ”سوق الفتاوي السياسية”، حيث يتصدر المشهد أفراد يقدّمون أنفسهم كأئمة أو مفسرين، دون أي مساءلة علمية أو قانونية، ويمنحون غطاءً دينيًا للعنف والإقصاء. وهنا لا تكمن المشكلة في الدين نفسه، بل في احتكاره وتوظيفه، وتحويله إلى أداة لتصفية الخصوم وإغلاق المجال العام. إن أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تحوّل الرأي إلى جريمة، والمخالفة إلى تهديد وجودي، بما يقوّض أساس أي نقاش حر.
وقد بيّنت في مقالي حول علاقة الدين بالدولة أن الخلط بين المجالين يؤدي إلى نتائج كارثية، حيث يتم تحويل الاختلاف السياسي إلى صراع عقائدي، ويُستخدم الدين لتبرير الإقصاء والعنف. وهذا ما يجعل الفصل بين الدين والدولة أحد أهم الضمانات لحماية حرية التعبير.
أزمة ثقافة التسامح وتجريم التعبير
وربما الأهم من كل ما سبق، وهو ما سأعود إليه لاحقًا بشيء من التفصيل في مقال آخر، هو أن أزمة حرية التعبير في السودان ليست فقط أزمة قانون أو سلطة، بل هي أيضًا أزمة ثقافة. فنحن، كمجتمع، لم نطور بعد تقليدًا راسخًا في قبول الرأي الآخر. من عبارة “ما ممكن تقول الكلام دا”، إلى قائمة طويلة من “المحظورات” غير المكتوبة، إلى مسلَّمات اجتماعية ودينية لا تقبل النقاش، نجد أنفسنا أمام بيئة غير صديقة لحرية التعبير بطبيعتها.
هذه الثقافة تجعل من السهل جدًا الانتقال من رفض الرأي إلى تجريمه، ومن الاختلاف إلى الإقصاء، بل وحتى إلى العنف. ولذلك، فإن أي حديث عن حرية التعبير يظل ناقصًا ما لم يترافق مع جهد حقيقي لبناء ثقافة التسامح، واحترام الاختلاف، والاعتراف بأن الحقيقة ليست حكرًا على أحد.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التأكيد على مبدأ أساسي: لا يمكن بناء مجتمع حر في ظل استمرار تجريم التعبير. فالقوانين التي تعاقب على الرأي، أو التي تُستخدم لتقييد الكلمة، يجب مراجعتها جذريًا، بل وإلغاؤها حيثما أمكن. لأن الأصل في التعبير هو الإباحة، والاستثناء يجب أن يكون ضيقًا ومحددًا بدقة. أما التوسع في التجريم، فهو طريق مباشر نحو القمع.
القمع المتبادل: نمط مشترك
من أبرز سمات الوضع الحالي في السودان هو أن القمع لم يعد حكرًا على طرف واحد. فكلا طرفي النزاع يستخدمان الاتهامات السياسية كوسيلة لإسكات الأصوات المخالفة.
- في مناطق سيطرة الجيش: اتهامات بالتعاون مع الدعم السريع
- في مناطق سيطرة الدعم السريع: اتهامات بالانتماء للإسلاميين
وفي كلتا الحالتين، تكون النتيجة واحدة: إسكات، واعتقال، وانتهاك. أبلغ دليل على ذلك أن سجون الطرفين ترزح بالمئات (إن لم نقل الآلاف) من المعتقلين تعسفيًا، والكثير منهم اعتُقل بناءً على آرائهم الفعلية أو المتخيلة من طرف الجلاد.
الخاتمة: الحرية كمعيار لمستقبل السودان
إن أزمة حرية التعبير في السودان ليست مجرد أزمة قانون، بل هي أزمة دولة وثقافة. فدولة لا تحمي هذا الحق، ومجتمع لا يحتمل الاختلاف، لا يمكن أن يبنيا مستقبلًا مستقرًا.
إن استعادة هذا الحق تتطلب:
- إنهاء الحرب
- إصلاح القوانين
- استقلال القضاء
- الفصل بين الدين والدولة
لكن الأهم من ذلك، هو إعادة بناء ثقافة تحترم الكلمة، وتؤمن بأن الاختلاف ليس تهديدًا، بل مصدر قوة.
لأن الحرية، في نهاية المطاف، ليست فقط ما يُكتب في الدساتير، بل ما يُمارس في الواقع — وما يُدافع عنه، مهما كان الثمن. أو كما قال حكماؤنا:
حميد: “نحن البنقيف وما بنخاف… والكلمة حق وما بنداس”
ومحجوب شريف: “الكلمة أقوى من الرصاص”
حرية، سلام، وعدالة.. والكلمة ما بتموت… لو سكَّتوا ألف صوت.
نسأل الله أن يرحمك يا حامد خلف الله، وأن يلهم أهلك وبلدك ورفقاء دربك من شباب الثورة السودانية الصبر والسلوان.