دعوة لإعادة التفكير في أجندة السلام وانتقادات لتغييب الفاعلين المدنيين

كمبالا: (ديسمبر)

شهدت العاصمة الأوغندية كمبالا انعقاد ندوة إلكترونية نظمتها منظمة (عديلة للثقافة والفنون) لمناقشة ورقة بحثية بعنوان “إعادة التفكير في أجندة السلام في السودان: التمثيل والمشاركة وديناميات الفاعلين”، بمشاركة عدد من المهتمين بقضايا السلام والتحول السياسي في السودان. وركزت الندوة على مراجعة تجارب السلام السابقة، وتحليل أوجه القصور التي صاحبتها، خاصة فيما يتعلق بتمثيل المجتمعات المحلية وإشراك الفاعلين المدنيين في عمليات التفاوض وصناعة القرار.

وشارك في المنتدى كل من أميمة قطبي، المديرة التنفيذية لمجموعة (سودان ديمقراطية أولاً)، والصحفي والفاعل المدني جوليوس الجيلي، فيما أدارت الجلسة الكاتبة والمهتمة بقضايا العدالة الاجتماعية والتنمية سلمى عبد العظيم. أكد المشاركون أهمية إعادة النظر في الطريقة التي تُصاغ بها أجندات السلام في السودان، وسط استمرار النزاع وتعقد المشهد السياسي والعسكري.

وفي مداخلته، قدم جوليوس الجيلي قراءة تحليلية للورقة، موضحاً أنها تنطلق من محاولة فهم “أجندة السلام” باعتبارها عملية سياسية متحركة، لا مجرد بنود تفاوضية أو وثائق اتفاقات. وأشار إلى أن الورقة تسعى لتفكيك الكيفية التي تُحدَّد بها أولويات السلام، ومن يمتلك حق صياغتها، وكيف تؤثر موازين القوة المحلية والإقليمية والدولية في تشكيلها.

وأوضح الجيلي أن الورقة تتناول مفهوم “تأطير أجندة السلام” بوصفه عملية تحدد ما الذي يُعتبر جزءاً من النقاش السياسي وما يتم استبعاده، مبيناً أن قضايا العدالة والتمثيل والمشاركة المجتمعية غالباً ما جرى تهميشها لصالح تفاهمات بين النخب السياسية والعسكرية. وأضاف أن الورقة تميز بين مفهوم “التأطير” ومفهوم “توطين السلام”، حيث يرتبط الأخير بإشراك المجتمعات المحلية والمبادرات القاعدية في صناعة عمليات السلام، بدلاً من احتكارها بواسطة النخب أو القوى الخارجية.

وتطرق الجيلي إلى المنهجية التي اعتمدتها الورقة، موضحاً أنها تستند إلى تحليل نوعي للاتفاقيات السياسية والمواثيق والإعلانات، إلى جانب نقاشات مع سياسيين وفاعلين مدنيين وشبكات شبابية وتنظيمات نسوية. وبيّن أن الورقة تربط بين المستويين المحلي والدولي، عبر دراسة تأثير الوساطات الإقليمية والدولية في ترتيب أولويات التفاوض، مستشهداً باتفاقية السلام الشامل الموقعة عام 2005، والتي اعتبرها مثالاً لاتفاق تأثر بصورة كبيرة بالتوازنات الدولية رغم طابعه الثنائي.

وأشار إلى أن أحد الأسئلة الرئيسية التي تطرحها الورقة يتمثل في فهم المنطق الذي يحكم تشكيل أجندة السلام في السودان بعد الحرب الأخيرة، وكيفية اختيار القضايا التي توضع على طاولة التفاوض، ومن هم الفاعلون الذين يُسمح لهم بالمشاركة في صناعة تلك الأجندة. وانتقد الجيلي ما وصفه بغياب القوى المدنية والسياسية من المبادرات الدولية الأخيرة، معتبراً أن استمرار تغييب المجتمعات المحلية يهدد فرص الوصول إلى سلام مستدام.

كما تناول الجيلي مفهوم “سوق الأعمال السياسي” في السودان، موضحاً أن تحولات السلطة والاقتصاد منذ سبعينيات القرن الماضي ساهمت في خلق شبكات نفوذ تعتمد على المال والسلاح وشراء الولاءات، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على طبيعة الصراعات وتوازنات القوى داخل البلاد. واعتبر أن الحروب الطويلة في السودان ليست مجرد سبب للأزمة، بل نتيجة لبنية سياسية واقتصادية معقدة تحتاج إلى دراسة ومعالجة جذرية.

واختتمت الندوة بالتأكيد على أهمية المعرفة والبحث العلمي في فهم الأزمة السودانية، والدعوة إلى بناء مسارات سلام أكثر شمولاً وعدالة، تستجيب لتعقيدات الواقع السوداني وتمنح الفاعلين المحليين دوراً أساسياً في صناعة مستقبل البلاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *