“ذوو الإعاقة ليسوا على الهامش”

حوار مع منى قاسم، الرئيسة التنفيذية لمنظمة (أيادي)، حول الحرب والنزوح وحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في السودان

حوار: ملاك جمال بلة

كمبالا: (ديسمبر)

 

وسط الحرب التي مزّقت السودان، وتفاقم موجات النزوح واللجوء، برزت معاناة الأشخاص ذوي الإعاقة بوصفها واحدة من أكثر القضايا الإنسانية إهمالًا وتعقيدًا. فبين غياب الخدمات الأساسية، وصعوبة الوصول إلى الإغاثة، وتراجع الرعاية الصحية، وجد الآلاف أنفسهم في مواجهة قاسية مع الحرب دون حماية حقيقية أو دعم كافٍ.

في هذا الحوار، تتحدث منى قاسم، الرئيسة التنفيذية لمنظمة (أيادي) لذوي الإعاقة، عن ظروف تأسيس المنظمة، والتحديات التي تواجه الأشخاص ذوي الإعاقة في السودان ودول اللجوء، إضافة إلى رؤيتها حول المشاركة السياسية وبناء السلام ومستقبل الحقوق الإنسانية لهذه الفئة في ظل الأزمات المتواصلة.

(ديسمبر): كيف وُلدت فكرة تأسيس منظمة (أيادي) وسط ظروف الحرب والنزوح؟

تقول منى قاسم إن فكرة المنظمة جاءت من واقع المعاناة اليومية التي عاشها الأشخاص ذوو الإعاقة خلال الحرب والنزوح في السودان، موضحة أن هذه الفئة كانت من أكثر الفئات تضررًا، وفي الوقت نفسه الأقل وصولًا إلى الحماية والخدمات الإنسانية.

وتضيف: “لاحظنا غياب أي تدخلات حقيقية تراعي احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة، سواء في الإجلاء أو الإغاثة أو الدعم النفسي والصحي، ومن هنا وُلدت منظمة (أيادي)، لتكون منصة يقودها ذوو الإعاقة أنفسهم، تدافع عن حقوقهم، وتعمل على الحماية والتمكين والإدماج”.

وترى أن تأسيس المنظمة لم يكن مجرد استجابة إنسانية طارئة، بل محاولة لبناء صوت مستقل يعكس احتياجات الأشخاص ذوي الإعاقة ويضع قضاياهم ضمن أولويات العمل الإنساني والحقوقي.

(ديسمبر): ما أبرز التحديات التي تواجه الأشخاص ذوي الإعاقة خلال النزاعات؟

تؤكد منى قاسم أن الأشخاص ذوي الإعاقة يواجهون “تحديات مضاعفة” خلال الحروب والنزاعات، تبدأ منذ اللحظات الأولى لاندلاع العنف. وتوضح أن كثيرًا منهم يواجهون صعوبة في النجاة من مناطق الاشتباكات بسبب غياب وسائل النقل المناسبة أو الممرات الآمنة، إضافة إلى عدم وصول المعلومات التحذيرية، خاصة لفاقدي السمع والبصر.

وتتابع: “هناك أشخاص فقدوا أجهزتهم المساعدة خلال النزوح، وآخرون لم يتمكنوا من الوصول إلى العلاج أو خدمات إعادة التأهيل، فضلًا عن نقص الغذاء والدواء وارتفاع معدلات العنف والإقصاء”.

كما تشير إلى أن الأثر النفسي للحرب لا يقل خطورة عن الأثر المادي، إذ يعاني كثير من النازحين من اضطرابات نفسية حادة نتيجة فقدان الأمان والاستقرار والدعم الأسري.

(ديسمبر): هل يشعر ذوو الإعاقة بأن صوتهم حاضر في مواقع صنع القرار؟

تجيب الرئيسة التنفيذية لمنظمة (أيادي) بصراحة: “للأسف، ما زال الأشخاص ذوو الإعاقة غير ممثلين بصورة حقيقية في مواقع صنع القرار، سواء داخل المؤسسات السياسية أو الإنسانية”.

وترى أن هناك بعض التحسن النسبي في إشراكهم داخل عدد محدود من المبادرات، إلا أن المشاركة ما تزال “شكلية” في كثير من الأحيان، ولا تعكس حضورًا فعليًا في صناعة السياسات والقرارات.

وتؤكد أن الوصول إلى مشاركة عادلة يحتاج إلى إرادة سياسية واضحة، وسياسات شاملة تضمن تمثيل الأشخاص ذوي الإعاقة بوصفهم شركاء كاملي الحقوق، لا مجرد فئة مستفيدة من الخدمات.

(ديسمبر): لماذا ما تزال قضايا الإعاقة مهمّشة في الملفات السياسية والإنسانية؟

بحسب منى قاسم، فإن السبب الرئيسي يعود إلى النظرة التقليدية لقضايا الإعاقة باعتبارها قضية إنسانية ثانوية، وليست قضية حقوق وعدالة ومشاركة مجتمعية. وتقول: “ضعف الوعي المجتمعي، وغياب البيانات الدقيقة، وعدم وجود سياسات شاملة، كلها عوامل تساهم في استمرار هذا التهميش”.

وترى أن المنظمات والمؤسسات الإنسانية كثيرًا ما تضع خططها وبرامجها دون إشراك فعلي للأشخاص ذوي الإعاقة، ما يؤدي إلى استبعاد احتياجاتهم من الاستجابة الإنسانية.

(ديسمبر): كيف تعمل منظمة (أيادي) على تعزيز المشاركة السياسية للأشخاص ذوي الإعاقة؟

توضح منى قاسم أن المنظمة تعمل على عدة مستويات، أبرزها التوعية بالحقوق، وبناء القدرات القيادية، وتشجيع الأشخاص ذوي الإعاقة على المشاركة في الحوارات العامة والمبادرات المجتمعية.

كما تركز المنظمة على المناصرة من أجل ضمان تمثيل الأشخاص ذوي الإعاقة داخل المؤسسات السياسية والإنسانية، والعمل على تغيير السياسات التي تعيق مشاركتهم.

وتشير إلى أن المنظمة تؤمن بأن تمكين الأشخاص ذوي الإعاقة سياسيًا واجتماعيًا هو جزء أساسي من تحقيق العدالة والمساواة داخل المجتمع السوداني.

(ديسمبر): هل تمنح المؤسسات السودانية فرصًا حقيقية لذوي الإعاقة؟

ترى منى قاسم أن الفرص المتاحة حاليًا ما تزال محدودة وغير كافية، موضحة أن مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة غالبًا ما تكون رمزية أكثر من كونها مشاركة فعلية.

وتضيف: “نحتاج إلى سياسات أكثر شمولًا تضمن إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في مواقع القيادة وصناعة القرار على أساس الكفاءة والحقوق المتساوية”.

وتؤكد أن الدمج الحقيقي لا يتحقق عبر الشعارات، بل من خلال توفير بيئة عادلة تتيح فرص التعليم والعمل والمشاركة السياسية دون تمييز.

(ديسمبر): ما الدور الذي يمكن أن يلعبه ذوو الإعاقة في بناء السلام؟

تقول منى قاسم: تؤمن منظمة (أيادي) بأن الأشخاص ذوي الإعاقة ليسوا مجرد ضحايا للحرب، بل يمكن أن يكونوا شركاء حقيقيين في بناء السلام وإعادة الاستقرار.. فـ”لديهم تجارب وقدرات مهمة في تعزيز التماسك المجتمعي والدفاع عن العدالة والمساواة والشمول”.

كما ترى أن إشراك الأشخاص ذوي الإعاقة في جهود المصالحة وإعادة الإعمار يمكن أن يساهم في بناء مجتمع أكثر عدالة وتنوعًا بعد انتهاء النزاع.

(ديسمبر): كيف تواجه المنظمة النظرة المجتمعية السلبية تجاه الإعاقة؟

توضح منى قاسم أن المنظمة تعمل على رفع الوعي المجتمعي عبر الحملات الإعلامية والورش والندوات، من أجل مواجهة الصور النمطية التي تربط الإعاقة بالعجز أو الاعتماد الكامل على الآخرين.

وتؤكد أن أحد أهم أهداف المنظمة هو تقديم الأشخاص ذوي الإعاقة باعتبارهم أفرادًا فاعلين وقادرين على المشاركة والإنتاج وصناعة التغيير داخل المجتمع.

(ديسمبر): ما أبرز الأنشطة التي تنفذها المنظمة؟

تشير منى قاسم إلى أن المنظمة تركز بصورة أساسية على التوعية المجتمعية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، والدفع نحو إدماجهم داخل السياسات والخدمات الإنسانية. كما تسعى المنظمة، عبر البحث عن التمويل والشراكات، إلى توفير الأجهزة التعويضية والدعم الصحي والمساعدات الأساسية للأشخاص ذوي الإعاقة المتأثرين بالحرب والنزوح.

وتضيف أن المنظمة تعمل أيضًا على تسليط الضوء على أوضاع اللاجئين ذوي الإعاقة، خاصة في أوغندا، حيث تفتقر المعسكرات إلى الخدمات الملائمة والبنية المهيأة.

(ديسمبر): كيف تضمن المنظمة مشاركة ذوي الإعاقة في اتخاذ القرار؟

تؤكد منى قاسم أن المنظمة تقوم على مبدأ أساسي مفاده أن الأشخاص ذوي الإعاقة هم الأقدر على تحديد احتياجاتهم وأولوياتهم.

وتوضح أن جميع برامج المنظمة تُبنى على المشاركة المباشرة للمستفيدين في التخطيط والتنفيذ والتقييم، إضافة إلى أن قيادة المنظمة نفسها تضم أشخاصًا من ذوي الإعاقة.

وترى أن هذه المقاربة تضمن أن تكون القرارات نابعة من التجربة الحقيقية، لا من تصورات خارجية قد لا تعكس الواقع.

(ديسمبر): هل هناك حاجة إلى تعديل القوانين والسياسات الحالية؟

تقول منى قاسم إن هناك حاجة ملحّة لتطوير وتفعيل القوانين المتعلقة بإمكانية الوصول والتعليم والعمل والحماية أثناء الطوارئ والنزاعات. كما تطالب بإلزام المؤسسات العامة والخاصة بتوفير بيئة دامجة وآمنة، وضمان تمثيل الأشخاص ذوي الإعاقة داخل الخطط والسياسات الوطنية.

وتشدد على أن وجود القوانين وحده لا يكفي، بل يجب أن تُترجم إلى إجراءات عملية تضمن احترام الحقوق على أرض الواقع.

(ديسمبر): ما أبرز التحديات التي تواجه عمل المنظمة؟

توضح الرئيسة التنفيذية لمنظمة (أيادي) أن ضعف التمويل يُعد من أكبر التحديات التي تواجه عمل المنظمة، إلى جانب صعوبة الوصول إلى المناطق المتأثرة بالنزاع بسبب التحديات الأمنية واللوجستية.

كما تشير إلى أن قضايا الإعاقة غالبًا ما تحصل على دعم أقل مقارنة بحجم الاحتياج الفعلي، الأمر الذي يحد من قدرة المنظمة على توسيع تدخلاتها.

وتضيف أن أوضاع اللاجئين ذوي الإعاقة خارج السودان، خاصة في المعسكرات، تمثل تحديًا إضافيًا بسبب نقص الخدمات وغياب البنية المناسبة.

(ديسمبر): كيف أثرت الأوضاع الاقتصادية والإنسانية على الأشخاص ذوي الإعاقة؟

تقول منى قاسم إن الحرب والأزمة الاقتصادية أدتا إلى ارتفاع معدلات الفقر والعزلة بين الأشخاص ذوي الإعاقة، كما أثرتا بشكل مباشر على قدرتهم في الحصول على العلاج والتعليم ووسائل الحركة.

وتوضح أن الحرب تسببت أيضًا في زيادة أعداد الأشخاص الذين تعرضوا لإعاقات جديدة، إلى جانب تفاقم الأزمات النفسية والاجتماعية الناتجة عن النزوح وفقدان مصادر الدعم والاستقرار.

(ديسمبر): ما الرسالة التي توجهونها للحكومة والمنظمات الدولية؟

تؤكد منى قاسم أن الأشخاص ذوي الإعاقة يجب ألا يكونوا على هامش الاستجابة الإنسانية أو السياسية. وتقول: “المطلوب هو إشراكهم بصورة حقيقية في جميع مراحل التخطيط والتنفيذ، وتوفير الحماية والخدمات والموارد الكافية لهم، والاعتراف بدورهم كشركاء في بناء السلام والتنمية، وليس فقط كمستفيدين من المساعدات”.

(ديسمبر): هل هناك قصص نجاح رغم الظروف الصعبة؟

تشير منى قاسم إلى أن المنظمة، رغم التحديات، استطاعت تنظيم عدد من الندوات والأنشطة التوعوية بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، إضافة إلى تسليط الضوء على أهمية الإعلام في رفع الوعي المجتمعي. كما تعمل المنظمة على التدخل العاجل والمباشر لدعم المتضررين، وإبراز التحديات التي يواجهها الأشخاص ذوو الإعاقة داخل السودان وفي أوغندا.

(ديسمبر): كيف ترون مستقبل الأشخاص ذوي الإعاقة في السودان؟

تختتم منى قاسم الحوار بالتأكيد على أن المنظمة تطمح إلى “سودان أكثر شمولًا وعدالة”، يتمتع فيه الأشخاص ذوو الإعاقة بحقوقهم كاملة دون تمييز.

وتقول إن المستقبل الذي تحلم به المنظمة يقوم على مشاركة الأشخاص ذوي الإعاقة في التنمية وصنع القرار وبناء السلام بوصفهم شركاء متساوين داخل المجتمع.

كما تدعو المجتمع والإعلام إلى تبني خطاب يحترم الكرامة الإنسانية، ويسلط الضوء على قضايا الأشخاص ذوي الإعاقة ونجاحاتهم بصورة عادلة، بعيدًا عن الصور النمطية أو الطرح الإنساني الضيق.

“الأشخاص ذوو الإعاقة اليوم يحتاجون إلى الحماية، والوصول العادل للخدمات، والدعم النفسي والاقتصادي، وفرص المشاركة الحقيقية، والأهم الاعتراف الكامل بحقوقهم وكرامتهم كشركاء متساوين في المجتمع”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *