تقرير لـ”تروث آوت” يسلط الضوء على ثقافة الإفلات من العقاب في السودان
عواصم: (ديسمبر)
نشرت منصة تروث آوت (Truthout) الأمريكية المستقلة في الثالث من يونيو 2023 تقريراً استقصائياً بعنوان “في السودان يُكافأ مرتكبو جرائم الحرب بينما يعاني المدنيون” سلط الضوء على واحدة من أخطر القضايا التي ظلت تلاحق السودان لعقود وهي غياب المحاسبة واستمرار الإفلات من العقاب.
ويذهب التقرير إلى أن الحرب الحالية في السودان لم تنشأ من فراغ بل جاءت نتيجة تراكمات طويلة سمحت لأشخاص ارتبطت أسماؤهم بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان بالانتقال من ساحات القتال إلى مراكز النفوذ السياسي والعسكري دون أن يواجهوا أي مساءلة حقيقية.
ويركز التقرير بشكل خاص على قوات الدعم السريع التي تعود جذورها إلى مليشيات الجنجويد المتهمة بارتكاب فظائع واسعة النطاق خلال حرب دارفور. فبدلاً من محاكمة قادتها أو فتح ملفات الانتهاكات التي ارتكبت بحق المدنيين جرى دمج هذه المجموعات في مؤسسات الدولة ومنحها وضعاً قانونياً رسمياً مما عزز نفوذها لتتحول تدريجياً إلى قوة عسكرية نافذة الأمر الذي مهد لها الطريق لتصبح رقماً صعباً في المعادلة العسكرية والسياسية بالبلاد.
ويعتبر التقرير أن صعود قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو يمثل أوضح مثال على هذا المسار. فالرجل الذي ارتبط اسمه بالحرب في دارفور أصبح لاحقاً أحد أبرز الشخصيات السياسية في السودان وشغل منصب نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي بعد سقوط نظام عمر البشير. ويرى التقرير أن هذه الترقية السياسية حملت رسالة خطيرة مفادها أن الاتهامات بارتكاب جرائم حرب لا تشكل عائقاً أمام الوصول إلى السلطة بل قد تتحول في بعض الأحيان إلى مصدر قوة ونفوذ.
وبحسب التقرير فإن ما حدث على أرض الواقع يشبه منح عفو غير معلن للعديد من قادة وعناصر المليشيات. فبينما ظل الضحايا ينتظرون العدالة ويحملون آثار وتبعات القتل والتهجير والعنف الجنسي لسنوات طويلة، تمكن المتهمون بالضلوع في تلك الجرائم من تعزيز مواقعهم السياسية والعسكرية والحصول على امتيازات جديدة.
كما ينتقد التقرير النهج الذي اتبعته الحكومات السودانية المتعاقبة وبعض الأطراف الدولية والإقليمية التي فضلت عقد التسويات السياسية السريعة على حساب العدالة. فقد ركزت معظم الاتفاقات على تقاسم السلطة ووقف القتال دون معالجة الانتهاكات السابقة أو تقديم المسؤولين عنها إلى المحاكم. ويرى التقرير أن هذا النهج أسهم في ترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب ومنح الجماعات المسلحة انطباعاً بأن القوة العسكرية يمكن أن تضمن المكاسب السياسية وتحمي من المساءلة القانونية. كما أدى تجاهل مطالب الضحايا إلى إضعاف الثقة في عمليات السلام وإلى تعميق الشعور بالغبن لدى المجتمعات التي تحملت العبء الأكبر من الحروب والنزاعات.
ويشير التقرير إلى أن غياب العدالة على مدى سنوات طويلة ترك جروحاً عميقة في نفوس المجتمعات المتضررة من النزاعات المسلحة ولا سيما في إقليم دارفور. فقد وجد آلاف الضحايا والناجين أنفسهم أمام مشهد مؤلم يتمثل في صعود شخصيات وقادة ارتبطت أسماؤهم بانتهاكات واسعة إلى مواقع النفوذ والسلطة داخل مؤسسات الدولة. ويرى التقرير أن هذا الواقع عزز الشعور بأن العدالة تُطبق على الضعفاء فقط بينما يتمتع أصحاب النفوذ بالحماية والحصانة. كما أدى ذلك إلى تآكل الثقة في مؤسسات الدولة وفي جدية الحكومات المتعاقبة في معالجة إرث الانتهاكات. وبالنسبة لكثير من الضحايا فإن استمرار هذا الوضع لم يكن مجرد فشل قانوني بل رسالة قاسية مفادها أن معاناتهم وتضحياتهم لم تحظ بالاعتراف أو الاهتمام الذي تستحقه.
ويخلص التقرير إلى أن الأزمة السودانية الراهنة هي في جوهرها نتيجة مباشرة لإرث طويل من الإفلات من العقاب. فكلما تم تجاهل الجرائم السابقة وإغلاق ملفاتها دون محاسبة أصبحت فرص تكرارها أكبر. ولذلك ويرى التقرير أن أي حديث عن سلام دائم في السودان لن يكون ذا معنى ما لم يترافق مع عدالة حقيقية ومحاسبة واضحة للمسؤولين عن الانتهاكات التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية.