إنسان عبري والوعي بالحقوق.. ملحمة الأرض والإرادة

بقلم: وليد عنبوور

 

في تلك الربوع من شمال السودان حيث يمتد نخل السكوت وتتوارث الأرض إرث الحضارة النوبية العريقة، ينهض “إنسان عبري” من قلب المعاناة ليكتب بتضحياته الواعية ملحمة شعب بأكمله. ذلك المجتمع الذي اكتوى بنار التهميش وأدرك بمنطق الواقع أن الحق لا يوهب وأن العزة لا تُستجدى، ويرى أن الطريق إلى العدالة يشقه المنتجون الصامدون في مواكب نضال سلمي، حاملين مطالبهم المشروعة كسنابل قمح تواجه الرياح العاتية بثبات.

هذه العبقرية التنظيمية التي تشهدها المنطقة نتاج تراكم تاريخي طويل لخبرات العمل المدني والمجالسي؛ فلقد تحولت اللجان المطلبية في عبري إلى كوابح مؤسسية وقوى مجتمعية قادرة على لجم اندفاعة السلطة عبر إحلال قوة القانون في مواجهة صخب الهتاف، وتقديم الوفود التفاوضية المنضبطة كبديل للصدام العشوائي. غير أن الرهان على “العبقرية التنظيمية” ليس صكاً مفتوحاً على المثالية، فهو اختبار يومي شاق يواجه تحديات الهياكل الهشة ومحاولات اختراق الصفوف وقدرة القيادات المحلية على الصمود الطويل أمام جفاف الموارد وعامل الزمن الذي يراهن الخصوم على أنه سيفكك هذا الحراك من داخله. يستلزم هذا الصمود تأمين لقمة العيش اليومية للمعتصمين وحماية الحراك من مخاطر الاستقطاب السياسي الحاد أو الانزلاق نحو صراعات تفرغ العمل المطلبي من محتواه التنظيمي المستقل. وحتى إن شهدت هذه التروس تراخياً ميدانياً أو تعليقاً مؤقتاً لإبداء حسن النوايا في مسارات التفاوض، فإن قيمتها التنظيمية تظل ثابتة كأداة ضغط مجتمعي لا يمكن تجاوُزها.

إن الحفاظ على هذا الانضباط السلمي في بيئة وطنية متأزمة ومحاطة بمخاطر الانفلات الأمني وانتشار السلاح لم يكن نتاج ظروف مواتية؛ فالمعتصمون واجهوا ضغوطاً ميدانية هائلة واستفزازات متكررة كفيلة بتحويل أي حراك مدني إلى صدام عنيف. تكمن القيمة الحقيقية للجان المطلبية في خوضها مواجهة شرسة لضبط الغضب الشعبي وإحكام السيطرة على القواعد الشبابية الثائرة التي يتقاذفها الإحباط، وتحويل طاقة الاحتجاج المشتعلة إلى مسارات تفاوضية وقانونية منضبطة، إدراكاً منها بأن أي انزلاق نحو العنف – ولو كان رداً على القمع – سيعني تدمير القضية برمتها وتحويلها إلى مواجهة أمنية دامية تعصف بالمنطقة.

كانت الكهرباء عصب الوجود وروح الحياة لدورة الإنتاج في المشاريع الزراعية التي تمثل المصدر الأساسي للأمن الغذائي والوجودي لإنسان عبري، وحين اختلت هذه الدورة وتحول توزيع الطاقة إلى معادلة جائرة تستهلك فيها آليات التعدين الامتيازية القسم الأكبر من الجهد الكهربائي على حساب إظلام الحقول والبيوت، لم يصرخ هذا الإنسان في الفراغ ولم يركن لليأس. أخرج من وجدانه أدوات نضال سلمي منظم مرتكزاً على وعي قانوني وعقد اجتماعي يربط الحاكم بالمحكوم، وأعلن المجتمع المحلي أن حرمان مئات المزارعين من ماء الري في عز الموسم الشتوي يمثل جريمة تجفيف ممنهجة لمصادر الرزق والحياة.

وحين تحجج البنك الزراعي باللوائح الصارمة للتحصيل والشيكات المرتدة، محولاً شيكات الإعسار الناتجة عن أزمة الطاقة إلى موجة من البلاغات الجنائية طالت عشرات المنتجين وكبّلت حركتهم، كُشفت عورة عقلية مصرفية تفتقر للمسؤولية الأخلاقية والاقتصادية. هذه أزمة لا تسقط قيمتها التحليلية حتى لو جُمّدت البلاغات أو شُطب بعضها تحت الضغط الشعبي. إن غياب المرونة المصرفية في مناخ الكوارث السيادية والبيئية يُسقط عن البنك صفته “التنموية” ويحوله إلى ذراع جباية أعمى يضر بالدولة نفسها، فمبدأ “القوة القاهرة” في القانون المدني شُرّع خصيصاً لحماية المنتجين في مثل هذه الظروف، وتحويل المزارع المعسر إلى مجرم يستحق السجن دون التعامل معه كضحية لقصور الخدمات تستحق الإنصاف والتعويض، يمثل تدميراً كاملاً للعملية الإنتاجية وإفراغاً للخزينة العامة على المدى الطويل.

لا يعدم صناع القرار في المركز خطابهم الدفاعي الجاهز؛ فالبنك الزراعي يتحدث عن واجبه في حماية المال العام واسترداد القروض المتعثرة وفق لوائح لا يملك تجاوزها، وشركات التعدين تحتج بعقود امتيازها المبرمة مع الدولة وإسهامها في الخزينة المنهكة، فيما تلوّح السلطة بأن أي تراخٍ في تحصيل الإيرادات أو استرضاء المحتجين سيشجع دوامة من المطالب في أقاليم أخرى تعاني أوضاعاً مشابهة. غير أن هذه الحجج، التي قد تجد لها صدى في إدارة دولة مستقرة، تسقط جميعاً أمام حقيقة قانونية واقتصادية واحدة: لا واجب حماية للمال العام يعلو على واجب حماية المنتج نفسه من الإعسار القهري، ولا عقد امتياز يسمو على الحق الدستوري في الحياة والبيئة السليمة، ولا خوف من عدوى المطالب يبرر وأدها بدل معالجتها. الدولة التي لا تستطيع أن تميّز بين الإفلاس المفتعل والإعسار الناجم عن تقصيرها الخدمي، والتي لا تستطيع ترتيب أولوياتها بين الذهب والقمح، تفقد أخلاقياً حقها في هذا الخطاب.

وعلى الضفة الأخرى من الأزمة، تقبع شركات التعدين الكبرى في سكون مريب مستفيدة من التواطؤ المركزي لحصد الأرباح دون أدنى التزام بالمسؤولية المجتمعية تجاه الأرض التي تستنزفها. يفرض القانون على هذه الشركات تنمية مناطق الامتياز، لكنها بدلاً من أن تكون رافداً لدعم الشبكة المحلية للكهرباء وإعانة الريف تحولت بفعل الامتيازات الجائرة إلى عبء يقتات على حصة المزارع البسيط ويُظلم حقوله.

وتتشابك هنا خيوط الأزمة الاجتماعية؛ إذ لا يمكن عزل شركات الامتياز عن واقع قطاعات واسعة من الشباب المحليين الذين دفعهم انهيار الاقتصاد الزراعي نحو العمل في التنقيب الأهلي كشريان حياة وحيد. غياب الرؤية التنموية المتكاملة من قِبل الدولة وضع أبناء المنطقة الواحدة في مواجهة اقتصادية معقدة حيث يتصارع حق المزارع في البقاء مع حاجة المعدّن الأهلي في لقمة العيش، وهذا التشابك يجعل الأزمة تتجاوز الثنائيات البسيطة “مواطن ضد سلطة” لتتحول إلى نزاع داخلي على الموارد يهدد النسيج الاجتماعي المحلي إذا لم يتم تداركه برؤية توفيقية.

تلك التروس التي أقيمت على شريان الشمال كانت منصات احتجاج صامتة تقول للعالم: هنا يقف المواطن باحثاً عن حقه. لقد تلاقت إرادة الأرض مع إرادة الإنسان وتحولت الحجارة إلى شواهد على تنظيم مدني محكم أدار الأزمة عبر لجان مطلبية ومجالس أهلية تمثل كل فئات المنطقة، صاغت مذكرات تفاوضية دقيقة وملتزمة بأعلى درجات الانضباط السلمي في مواجهة الغاز المسيل للدموع واقتحام المنازل. تحت سماء عبري يلخص اختلاط عرق المزارعين بدخان القنابل المأساة: مزارع محاصر بين تجفيف حقوله وقوات القمع، وفي هذه اللحظة تتحول اللجان المطلبية من أفكار نظرية إلى دروع تحمي أجساد المعتصمين وقوت عيالهم.

تتضح فرادة التجربة في منطقة عبري في قدرتها على صياغة حلول واقعية ومحددة تفكك حُجج السلطة التي تتذرع بعائدات التعدين ومساهمتها في الخزينة العامة لتبرير امتيازات الطاقة الممنوحة للشركات. إنها معادلة اقتصادية مقلوبة تماماً؛ إذ يمثل قطاع التعدين نشاطاً يعتمد على الاستنزاف السريع ومحدود العائد الإستراتيجي، مقارنة بقطاع الإنتاج الزراعي المستدام الذي يشكل حائط الصد الأخير ضد المجاعة وفاتورة الاستيراد الضخمة بالعملة الصعبة في زمن الحرب. تقديم “ذهب” الشركات على “قمح” المزارعين قصر نظر اقتصادي يبيع المستقبل لربح لحظي عابر، فضلاً عن أن الكلفة الاقتصادية والاجتماعية لإظلام الحقول وتلف المحاصيل وتشريد الأسر المعسرة، تفوق بكثير قيمة الكيلوواط/ساعة الممنوحة لأسواق التعدين.

يقدم المجتمع المحلي خارطة طريق واقعية نحو سلام اجتماعي واستقرار اقتصادي دائم، تتلخص في خمس نقاط أساسية توازن بين الحقوق المشروعة والظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد:

إعادة برمجة الكهرباء بعدالة: لتنال المشاريع الزراعية حصتها نهاراً باعتبارها الأولوية الاقتصادية المستدامة لمنع انهيار الأمن الغذائي.

المعالجة القانونية الفورية: إسقاط البلاغات الجنائية المفتوحة فوراً وإعادة جدولة ديون المزارعين وفقاً للمقتضيات القانونية لـ “القوة القاهرة”.

تفعيل مسار المقاضاة العكسية كأداة تفاوضية: استخدام الحق القانوني في طلب التعويض عن تلف المحاصيل نتيجة إخلال الدولة بالتزاماتها، كخط دفاع مدني يُجبر المؤسسات الخدمية والبنك الزراعي على إبرام تسوية شاملة تسقط الشيكات المرتدة مقابل تجميد قضايا التعويض.

حق حماية البيئة والرقابة الصحية: إشراك المجتمعات المحلية في قرارات إنشاء أسواق التعدين وتفعيل الرقابة الصارمة على مخلفات السيانيد والزئبق التي تترسب في باطن الأرض، حمايةً للمياه الجوفية والتربة الزراعية من ملوثات التعدين التي تهدد بتحويل المنطقة إلى أرض بور غير قابلة للحياة.

الميثاق المجتمعي للتعدين الأهلي وتقنين المساحات: صياغة ميثاق محلي ملزم بين مجالس المزارعين ورابطة المعدنين الأهليين من أبناء المنطقة، يحدد بوضوح خطوطاً حمراء تمنع التعدين أو إقامة الخلاطات والكسارات بالقرب من الحرم الزراعي والمجاري المائية، مع إلزام قطاع التعدين الأهلي بالمساهمة بنسبة عادلة ومباشرة من عائداته اليومية لصالح صندوق طوارئ الطاقة والزراعة المحلّي لدعم وقود وكهرباء المشاريع الزراعية. بهذا يتحول التعدين الأهلي من مهدد للزراعة إلى شريك في تمويل استدامتها.

تظل هذه الأزمة مرآة تعكس المأساة الكبرى للسودان الحديث؛ حيث تتكرر فصول المعاناة ذاتها في كل شبر من هذا الوطن، وتتشابه حكاية المزارع في عبري المهدد بالسجن مع حكايات السودانيين في أطراف الجغرافيا الممتدة. الخصم المشترك هنا يظهر في اللحظة التي تلتقي فيها العقلية المركزية التاريخية – التي أدارت البلاد كجزر معزولة تعاني غياب التنسيق الأفقي – مع عجز الدولة البنيوي والاقتصادي الحاد في ظروف الحرب الراهنة. لقد تحولت السلطة بفعل ضغوط الحرب إلى آلية جباية قسرية استعادت بها النخبة المركزية أسوأ أدواتها القديمة لتغطية نفقاتها السيادية، الأمر الذي يفسر استماتتها في حماية ريع الذهب السريع على حساب استدامة الزراعة. هذا التشابك يجعل المواجهة في عبري مواجهة مع دولة تصارع اقتصادياً لأجل بقائها، وتفضل إرسال قوات الأمن لحماية سياساتها الجبائية عوضاً عن تشكيل فرق طوارئ من المهندسين لإصلاح خلل الطاقة وإنصاف المتضررين. لذا ومهما تكن المآلات الراهنة لحراك عبري في ساعاته القادمة – سواء بالانفراج الجزئي أو بمزيد من التعنت – فإن الأزمة تظل كاشفة لأزمة الحكم والمواطنة.

تواجه المؤسسات الرسمية هذه التحركات السلمية بالخطاب الجاهز: التخوين تارة والتجاهل تارة والقمع تارة أخرى، وكأن الزمن يدور في حلقة مفرغة لا تلد سوى مزيد من التروس والاعتصامات التي تشتعل في جسد الخريطة السودانية، بفعل آلة انتقائية توزع الموارد وفقاً لمعادلات النفوذ والمحاصصة والولاءات. حين ينتفض إنسان عبري فهو يمثل كل سوداني تم سحقه تحت هذه العجلات، وكل مزارع خسر موسمه بسبب الإهمال، وكل مواطن حُرم من حقوقه الأساسية.

تكمن أهمية حراك إنسان عبري في قدرته على تشخيص الداء واقتراح الدواء معاً عبر صياغة حلول تجمع بين الإصلاح التقني الفوري وإعادة تعريف العلاقة التعاقدية بين المواطن والدولة. وحين يطالب بأن تكون الكهرباء حقاً مكفولاً لا منحة مشروطة، يعيد صياغة مفهوم المواطنة من أساسه، وعندما يصر على إسقاط البلاغات ومقاضاة الجهات المتسببة في الضرر، يعيد الاعتبار لثنائية الحقوق والواجبات مؤكداً أن الدولة تحت طائلة القانون، وأن منطقها المصرفي والاقتصادي يجب أن يتراجع إذا تصادم مع حق الإنسان في الحياة والإنتاج.

يخوض إنسان عبري في موقفه الحالي ببياناته ووفوده التفاوضية، ملحمة الوعي السوداني بأسره؛ العقل السلمي ضد منطق العنف، والاستدامة الاقتصادية ضد الإفقار التنموي، مؤكداً أن الطريق إلى دولة المواطنة الحقيقية يبدأ من إنصاف الأطراف المنتجة واحترام العقود القانونية والبيئية للمجتمعات المحلية. السيادة الحقيقية للدولة لا تُقاس بقوة ترسانتها الأمنية في قمع الاحتجاجات، فكفاءتها تظهر في قدرتها على تأمين قمح مواطنيها وحمايتهم، لأن السوداني الذي يحرث الأرض بوعيه لا يمكن أن يُساق إلى السجن بقوانين العجز والإنكار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *