السلام يبدأ من الشباب والحوار هو الطريق الوحيد لإنقاذ السودان
حوار: ملاك جمال بلة: (كمبالا)
الحملة الشبابية ولدت من رحم المعاناة السودانية
في ظل واحدة من أكثر الفترات تعقيدًا في تاريخ السودان الحديث، برزت العديد من المبادرات المدنية والشبابية التي سعت إلى مواجهة آثار الحرب والدفع باتجاه السلام. ومن بين هذه المبادرات جاءت الحملة الشبابية لإيقاف الحرب ودعم الحوار السوداني بوصفها محاولة شبابية لتوحيد الرؤى الوطنية الرافضة للحرب، والساعية إلى بناء مستقبل أكثر استقرارًا للسودانيين.
في هذا الحوار تتحدث جريدة (ديسمبر) مع عبد الكريم آدم، المتحدث الرسمي باسم الحملة الشبابية لإيقاف الحرب ودعم الحوار السوداني، حول نشأة الحملة وأهدافها ورؤيتها لمستقبل السودان ودور الشباب في صناعة السلام وإيقاف الحرب.

(ديسمبر): كيف نشأت الحملة الشبابية لإيقاف الحرب ودعم الحوار السوداني؟
يقول عبد الكريم آدم إن الحملة الشبابية لإيقاف الحرب ودعم الحوار السوداني هي مبادرة شبابية وطنية، نشأت بهدف توحيد الجهود الشبابية وجمع الطاقات من مختلف أنحاء السودان حول موقف واضح يرفض الحرب ويدعو إلى إيقافها بصورة عاجلة. ويضيف أن الحملة تسعى إلى بناء دولة سودانية تنعم بالأمن والسلام من خلال حوار سوداني جامع يشارك فيه جميع السودانيين دون إقصاء.
ويؤكد أن الحملة جاءت نتيجة طبيعية لما عاشه الشباب السوداني منذ اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل 2023، حيث وجد الشباب أنفسهم أمام واقع قاسٍ، تراجعت فيه فرص الحياة الطبيعية وتعرضت البلاد لخسائر كبيرة على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ومن هنا برزت الحاجة إلى منصة شبابية تعبر عن تطلعات الشباب ورؤيتهم لمستقبل السودان بعد الحرب.
ويتابع قائلاً إن مجموعة من الشباب السودانيين اجتمعوا على قناعة مشتركة بأن استمرار الحرب لن يؤدي إلا إلى مزيد من الانهيار والمعاناة، ولذلك جاءت فكرة الحملة باعتبارها مبادرة وطنية تهدف إلى لمِّ شتات السودانيين والعمل من أجل وقف الحرب وتحقيق السلام عبر حوار سوداني سوداني خالص يعبر عن مصالح الشعب السوداني وتطلعاته.

(ديسمبر): ما الدافع الأساسي وراء إطلاق هذه المبادرة؟
يوضح آدم أن الدافع الأساسي لتكوين الحملة يتمثل في الرفض الكامل للحرب وما خلفته من آثار إنسانية واجتماعية عميقة. ويشير إلى أن السودانيين عاشوا خلال السنوات الماضية أوضاعًا بالغة الصعوبة انعكست على حياة الملايين من المواطنين الذين تعرضوا للنزوح والتشريد وفقدان مصادر الدخل والاستقرار.
ويرى أن الدافع الجوهري للحملة هو السعي لتحقيق السلام وإنهاء الحرب، غير أن هناك دوافع أخرى لا تقل أهمية، من بينها توحيد أصوات الشباب السوداني المؤمن بقيم الحرية والسلام والعدالة التي رفعتها ثورة ديسمبر المجيدة. كما تهدف الحملة إلى المساهمة في رسم ملامح المرحلة المقبلة وإعداد رؤية شبابية متكاملة لما بعد الحرب، بحيث يكون الشباب جزءًا من عملية صناعة القرار وبناء المستقبل.
ويضيف أن الحملة تؤمن بأن الحوار الوطني السوداني هو المدخل الصحيح لمعالجة الأزمة الحالية والوصول إلى توافق وطني يضع البلاد على طريق الاستقرار والتنمية.
(ديسمبر): كيف أثرت الحرب على الشباب والمجتمع السوداني؟
يؤكد المتحدث الرسمي باسم الحملة أن الشباب كانوا من أكثر الفئات تضررًا من الحرب، إذ انعكست تداعياتها بصورة مباشرة على حياتهم اليومية ومستقبلهم المهني والتعليمي والاجتماعي. ويوضح أن الحرب ضيقت فرص الحياة المدنية والاقتصادية بشكل غير مسبوق، كما دفعت أعدادًا كبيرة من الشباب إلى الانخراط في الصراع بدلاً من توظيف طاقاتهم في البناء والتنمية.
ويشير إلى أن الشباب يمثلون القوة الحقيقية لأي مشروع وطني، وكان من المفترض أن يكونوا في مقدمة جهود السلام والإعمار والتنمية، إلا أن الحرب حولت جزءًا كبيرًا من هذه الطاقات إلى وقود للصراع.
وفي الجانب التعليمي يلفت إلى أن ملايين الطلاب فقدوا فرصهم في مواصلة التعليم الجامعي والدراسي نتيجة توقف المؤسسات التعليمية أو تعثر العملية التعليمية بسبب الحرب، وهو ما يشكل خسارة كبيرة للسودان ومستقبله.
أما على المستوى الاجتماعي فيرى آدم أن المجتمع السوداني دفع ثمنًا باهظًا نتيجة الحرب، حيث أدت إلى تصاعد الانقسامات الاجتماعية والثقافية وانتشار خطاب الكراهية والتمييز، الأمر الذي أضعف الروابط المجتمعية وأثر على التماسك الوطني. ويشدد على أن معالجة هذه الآثار تتطلب جهودًا كبيرة لإعادة بناء الثقة وتعزيز قيم التعايش والسلم الاجتماعي.
(ديسمبر): لماذا ترون أن الحوار هو الطريق الأنسب للخروج من الأزمة؟
يرى عبد الكريم آدم أن الحوار السوداني الشامل يمثل الوسيلة الأكثر واقعية لإنهاء الأزمة الراهنة، خاصة بعد تعثر العديد من المبادرات السياسية وعدم نجاحها في تحقيق الاستقرار المطلوب.
ويؤكد أن الحوار ليس مجرد وسيلة لإيقاف الحرب، بل هو منصة حقيقية لإعادة تأسيس الدولة السودانية على أسس جديدة تقوم على المواطنة المتساوية والعدالة والمشاركة السياسية الواسعة.
ويضيف أن السودان عانى لعقود طويلة من الحروب والنزاعات المتكررة، ولذلك فإن أي عملية سلام مستدامة يجب أن تتعامل مع الأسباب الجذرية لهذه الأزمات، وهو ما يمكن أن يحققه الحوار الوطني إذا جرى بصورة شاملة ومسؤولة.
(ديسمبر): ما أبرز المطالب التي ترفعها الحملة الشبابية اليوم؟
يقول آدم إن الحملة تعمل بالتنسيق مع القوى المدنية والشبابية ومنظمات المجتمع المدني من أجل بناء صوت وطني واسع مناهض للحرب وداعم للسلام. وتتمثل المطالب الأساسية للحملة في ضرورة الوقف الفوري للحرب وفتح المجال أمام الحلول السلمية.
كما تدعو الحملة إلى إشراك الشباب السوداني في مختلف المبادرات السياسية والجهود الرامية إلى إنهاء النزاع، باعتبار أن الشباب هم الأكثر تأثرًا بالحرب والأكثر قدرة على الإسهام في بناء المستقبل.
ويؤكد أن الحملة تضع الحوار السوداني في صدارة أولوياتها باعتباره الإطار الذي يمكن من خلاله الوصول إلى توافق وطني يعالج جذور الأزمة السودانية.
(ديسمبر): كيف يمكن الوصول إلى وقف فوري ومستدام للحرب؟
يؤكد المتحدث الرسمي أن الوصول إلى وقف فوري للحرب يتطلب تضافر الجهود الوطنية بين مختلف القوى السياسية والشبابية والمدنية والمستقلين الوطنيين الذين يؤمنون بضرورة إنهاء الصراع.
كما يشير إلى أهمية الدور الإقليمي والدولي في الضغط على أطراف الحرب واستخدام الأدوات السياسية والدبلوماسية المتاحة لدفعها نحو وقف القتال بصورة عاجلة.
أما فيما يتعلق بالسلام المستدام فيرى أن الأمر يرتبط بمعالجة الأسباب الحقيقية التي أدت إلى اندلاع الحرب الحالية والحروب السابقة، لأن أي اتفاق لا يتناول جذور الأزمة سيظل معرضًا للانهيار في المستقبل.
(ديسمبر): ما رسالتكم للشباب السوداني في الداخل والخارج؟
يوجه عبد الكريم آدم رسالة إلى الشباب السوداني في الداخل والمهجر مفادها أن الحرب، مهما كانت تكلفتها الإنسانية والمادية، لا ينبغي أن تقضي على الأمل في التغيير وصناعة مستقبل أفضل.
ويقول إن الحملة تؤمن بأن مستقبل السلام في السودان يعتمد بصورة أساسية على الشباب، ولذلك فإن المرحلة المقبلة يجب أن تشهد مشاركة شبابية واسعة في المجالات المدنية والسياسية والتعليمية والتنموية.
ويضيف أن الشباب السوداني أثبت خلال السنوات الماضية قدرته على العطاء والعمل الوطني من خلال مشاركاته الفاعلة في لجان المقاومة وأجسام الطوارئ والمبادرات الشبابية والنسوية ومنظمات المجتمع المدني، الأمر الذي يؤكد امتلاكه طاقات كبيرة يمكن أن تسهم في نهضة السودان.
(ديسمبر): ما الدور الذي يمكن أن تلعبه القوى الشبابية في المرحلة الحالية؟
يرى آدم أن القوى الشبابية تمتلك حضورًا مؤثرًا داخل المجتمع السوداني، كما أنها من أكثر الفئات وعيًا بمخاطر الحرب وتداعياتها على الحاضر والمستقبل.
ويؤكد أن على الشباب مسؤولية كبيرة في هذه المرحلة تتمثل في العمل على توحيد الصفوف ونشر الوعي المجتمعي بمخاطر استمرار الحرب وتعزيز ثقافة السلام.
كما يدعو الشباب إلى الانخراط في الأجسام المدنية والنسوية والشبابية وأعمال الطوارئ والخدمة المجتمعية، مع ضرورة تطوير هذه الكيانات وتنظيمها بصورة تمكنها من أداء أدوارها بكفاءة.
ويشدد على أهمية بلورة رؤية شبابية واضحة للمستقبل تضمن مشاركة الأجيال الجديدة في صناعة القرار الوطني وعدم ترك البلاد رهينة للصراعات والانقسامات.
(ديسمبر): كيف تتصورون دولة تحترم التعدد والتنوع؟
يعتقد عبد الكريم آدم أن أحد الأسباب الرئيسية للنزاعات المتكررة في السودان يتمثل في غياب رؤية وطنية قادرة على إدارة التنوع الكبير الذي يتميز به المجتمع السوداني.
ويشير إلى أن السودان يزخر بتنوع ديني وعرقي وثقافي وجغرافي واسع، وأن هذا التنوع ينبغي النظر إليه باعتباره مصدر قوة لا سببًا للصراع.
ويؤكد أن إدارة هذا التنوع تتطلب الاعتراف به واحترامه وتجسيد قيم المواطنة المتساوية وضمان المشاركة العادلة لجميع المكونات في مؤسسات الدولة والحياة العامة.
كما يشدد على أهمية دور الإعلام والثقافة والتعليم في تعزيز قيم التعايش السلمي وبناء مجتمع يحتفي بتنوعه ويعتبره عنصرًا من عناصر قوته الوطنية.
(ديسمبر): ما الرسائل التي توجهونها للأطراف المتحاربة؟
يوجه آدم رسالة واضحة إلى أطراف الحرب يدعوهم فيها إلى الوقف الفوري للقتال وتغليب مصلحة السودان على المصالح السياسية والعسكرية الضيقة. ويؤكد أن حياة المدنيين ومستقبل البلاد يجب أن يكونا أولوية قصوى، وأن على جميع الأطراف تحمل مسؤولياتها الوطنية والأخلاقية تجاه ما تعرض له الشعب السوداني من قتل ونزوح وتشريد ودمار.
كما يطالب بوقف جميع الانتهاكات واحترام حقوق الإنسان، والعمل من أجل تحقيق العدالة والمحاسبة باعتبارهما ركيزتين أساسيتين لأي سلام مستدام.
ويضيف أن صوت الشباب والشعب السوداني يطالب اليوم بالسلام والحرية ومستقبل خالٍ من الحروب، وعلى الأطراف المتحاربة أن تستمع لهذه المطالب، وأن تفسح المجال أمام حوار وطني حقيقي يؤسس لسودان جديد قائم على العدالة والديمقراطية والسلام الاجتماعي.
(ديسمبر): ماذا يحتاج السودان اليوم لبناء السلام والاستقرار؟
يرى عبد الكريم آدم أن السودان يحتاج قبل كل شيء إلى توافق وطني واسع بين القوى المؤمنة بوقف الحرب، وإنهاء الانقسامات والاستقطابات التي أضعفت البلاد.
ويؤكد أن بناء جبهة مدنية قوية ومتماسكة يمثل خطوة مهمة نحو إيقاف الحرب وتهيئة المناخ لحوار سوداني سوداني يعالج جذور الأزمة الوطنية ويضع أسس السلام والاستقرار المستدام.
(ديسمبر): كيف يمكن ضمان شمولية الحوار الوطني؟
يشدد آدم على أن نجاح أي عملية حوار وطني يرتبط بمدى قدرتها على استيعاب مختلف مكونات المجتمع السوداني دون إقصاء، وذلك من خلال اعتماد مبادئ المشاركة الواسعة والشفافية والعدالة في التمثيل.
ويؤكد أهمية تمثيل الشباب والنساء والإدارات الأهلية والنقابات المهنية ومنظمات المجتمع المدني والنازحين واللاجئين والقوى السياسية المختلفة، مع مراعاة التنوع الجغرافي والثقافي والإثني للسودان.
كما يدعو إلى إجراء مشاورات واسعة داخل السودان وخارجه لضمان أن تعكس مخرجات الحوار تطلعات المواطنين، إضافة إلى تمكين الشباب والنساء من المشاركة الفاعلة في صناعة القرارات.
ويرى أن الحوار ينبغي أن يستند إلى ميثاق وطني يقوم على وقف الحرب واحترام حقوق الإنسان وتحقيق العدالة وبناء دولة مدنية ديمقراطية قائمة على المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
(ديسمبر): ما أبرز التحديات التي تواجه الحملة؟
يختتم عبد الكريم آدم حديثه بالإشارة إلى أن الحملة واجهت منذ انطلاقها عددًا من التحديات، أبرزها حالة الاستقطاب السياسي الحاد وتعدد الروايات المتصارعة بشأن الحرب، الأمر الذي جعل مهمة نشر خطاب السلام أكثر صعوبة.
كما أسهم انتشار المعلومات المضللة وتصاعد خطاب الكراهية في إضعاف الثقة المجتمعية وتشويه الرسائل الداعية إلى السلام والحوار.
ويضيف أن محدودية الموارد المالية والتقنية شكلت تحديًا آخر أمام تنفيذ حملات توعية واسعة ومستدامة، إلى جانب المخاطر الأمنية التي يتعرض لها النشطاء والمتطوعون العاملون في مجال السلام داخل مناطق النزاع.
ورغم كل هذه التحديات يؤكد آدم أن الحملة الشبابية لإيقاف الحرب ودعم الحوار السوداني ماضية في رسالتها، انطلاقًا من إيمانها بأن إرادة الشباب السوداني قادرة على تجاوز العقبات وصناعة مستقبل أفضل.
ويختتم حديثه بتوجيه الشكر والتقدير إلى جريدة (ديسمبر) على إتاحة هذه الفرصة للحملة لتوضيح رؤيتها حول قضايا السلام والحوار ودور الشباب، مؤكدًا أن السودان ما زال يمتلك فرصة حقيقية للنهوض إذا توحدت الإرادات الوطنية حول مشروع السلام والاستقرار وبناء الدولة التي تليق بتطلعات شعبه.