وقفت على بعد خطوات من المكان الذي وثق منه الراحل جاد الله جبارة مغادرة قطار الإنجليز
في مواقف كثيرة تؤخذ اللقطة وعدسة الكاميرا ملطخة بالدماء
القاهرة: (ديسمبر)

يعتقد المصورون أن بعض الصور لا تُلتقط بالصدفة، بل تُصنع بالتخطيط والصبر والحدس والإحساس بالمسؤولية تجاه التاريخ لأن الصورة يمكن أن تحكي قصة من ألف حرف. بهذه القناعة يخوض المصور رحلته بين مسارح العنف والاحتجاجات ومناطق النزاع المسلح، باحثاً عن لحظة لا توثق الحدث فحسب، بل تحفظه في ذاكرة الأجيال.
في هذا الحوار، يتحدث المصور عاصم محمد خلف الله، عن رحلته مع العدسة منذ الطفولة، ولماذا اختار أن يكون شاهداً على الحروب والاحتجاجات ومناطق النزاع. كما يستعيد قصصاً من السودان والصومال وإفريقيا الوسطى، وقصة صورة قطار عطبرة التي أصبحت من أيقونات ثورة ديسمبر وتستخدم في كثير من المناسبات المتعلقة بها.

(ديسمبر): من أين جاء اهتمامك بالتصوير؟
كان اهتمامي بهذا المجال من وقت مبكر، والتقطت أول صورة “مقطوعة الرؤوس” وكان عمري ست سنوات، للوالد والوالدة أثناء زيارتهما للمتحف عندما احتاجا أن التقط لهما صورة. تخرجت في جامعة السودان كلية الموسيقى والدراما، وتخصصت في النقد والدراسات الدرامية، وهي كانت مدخلي للتصوير.
(ديسمبر): لاحقاً، لماذا اخترت توثيق العنف في المظاهرات والحروب والنزاعات تحديدًا؟
لأن السودان بلد حروب منذ تأريخه القديم. بجانب قلة رواد هذا المجال حتى على مستوى العالم، لارتباطه بالمغامرة في بيئات العنف والشغب والانفلات الأمني. بدأت الاهتمام بهذا المجال بالبحث عن نماذج لتجارب وقصص لصحفيين عالميين انتهت حياتهم، وآخرون أصيبوا إصابات خطرة وأمراض ما بعد الصدمة.
(ديسمبر): هل التصوير مجرد فن يمارس أم مسؤولية تأريخية؟
الصورة لها القدرة على حفظ التأريخ. في كل رأس سنة جديدة يحتفل السودانيون بالإستقلال وتمر علينا نفس الصور لخروج المستعمر ورفع علم السودان. المصور والمخرج السينمائي الراحل جاد الله جبارة كان هاوياً ومهتماً بالتصوير فقط، وما وثقه من لحظات تأريخية مهمة في السودان لم يتم بتوجيه من جهة، بل لاهتمامه وحبه للتصوير.
(ديسمبر): كيف تخطط لالتقاط الصور التأريخية المهمة؟
خلال فترة اعتصام القيادة العامة في العام 2019 كان الناس يتحدثون عن قطار يحمل ثوار عطبرة من المحتمل وصوله إلى أرض الاعتصام بالخرطوم، وكان هنالك جدل حول النقطة النهائية لهذا القطار؛ هل يتوقف في بحري ويدخل الثوار القيادة العامة مشياً على الأقدام؟، أم يدخل القطار نفسه القيادة العامة؟.. ففكرت في الصعود إلى أعلى كوبري نفق جامعة الخرطوم باعتباره المكان الأنسب لأخذ اللقطة التأريخية، فكنت واقفاً لست ساعات على الحافة في مساحة 60 سنتمتراً مع ارتفاع درجات الحرارة، حتى وصل القطار عند الساعة الخامسة وخمس وخمسون دقيقة، عند مدخل الكوبري من جهة مدينة بحري.. في هذه اللحظات شعرت بالمسؤولية التاريخية. ومن المفارقات أن هذا المكان كان على بعد خطوات من المكان الذي وقف فيه الراحل جاد الله جبارة وهو يصور القطار الذي يحمل الإنجليز أثناء مغادرتهم السودان.
(ديسمبر): حدثنا عن مشاهد الحروب التي وثقتها؟
معروف أن الصومال هي بلد حروب منذ وقت طويل، ونتيجة لهذه الاضطرابات ضربت الصومال موجة من الجفاف في العام 2011 تسببت في لجوء أعداد كبيرة من الصوماليين إلى معسكر “داداب” في الحدود مع كينيا، في هذا المكان وثّقت لحيوانات هاربة من الصومال وهي تنفق في مشهد مؤثر جداً.
(ديسمبر): في مناطق العنف كيف توازن بين التصوير والتدخل لإنقاذ حياة شخص؟
كثيراً ما يحدث في مسرح التغطيات في البيئات الخطرة أن تأخذ اللقطة وعدسة الكاميرا ملطخة بالدماء.. يمكن إحداث موازنة بين إنقاذ المصابين وتصوير اللقطة، فاللقطة يمكن أن تؤخذ في جزء من الثانية، وهذا لا يؤخر المصور من مساعدة أي شخص يتطلب تدخلاً لإنقاذ حياته، هذا مع ضرورة الموازنة بين نقل الحقيقة واحترام كرامة الإنسان. عادة أثناء توثيقنا لأحداث العنف والإصابات نحرص على عدم إبراز هويات المصابين والمسعفين ونحصر التوثيق في منطقة الإصابة فقط.
(ديسمبر): كيف تتعامل مع صور الدمار والموت بعد العودة من مناطق النزاع؟
تظل درساً في أنه لا توجد قيمة أعظم من الحياة، ومن المشاهد التي صورتها في معسكر ميقمة في مدينة سار جنوب تشاد لواحد من الهاربين من صراع “البلكا والإنتي بلكا” في إفريقيا الوسطى وهو على خلفية دخان متصاعد عندما قام أهل المنطقة بجمع كافة ممتلكاتهم وأثاثاتهم في مساحة كبيرة وأشعلوا عليها النار حتى لا يستفيد منها أعداؤهم.
(ديسمبر): هل تختلف الحرب في السودان عن النزاعات الأخرى؟
في العادة الحروب في العالم تكون مفهومة الأطراف مَن ضد مَن وقضاياها محددة. لكن الحرب في السودان هي حرب انتهاك الكرامة وهي معقدة ومتداخلة وأطرافها غير واضحة، ومن يتصدرون المشهد قليلون مقابل من يديرونها خلف ستار، وما يثبت أنها حرب معقدة وغير مفهومة سهولة الانتقال من معسكر إلى معسكر على خلفية الانشقاقات التي نشهدها هذه الأيام.
(ديسمبر): هل الحرب على أرض الواقع هي نفسها ما يدور على السوشيال ميديا؟
الحرب في السودان لم تُغطَّ بشكل كافٍ وما ظهر من توثيق وتغطيات على وسائل الاعلام والسوشيال ميديا لم ينقل الواقع بشكل كامل، لأن الواقع أبشع من ذلك بكثير. وكل صورة لها سحرها ومعانيها ودلالتها، ومن الممكن أن صورة واحدة تغير نظرة الناس للأشياء، لأنها تحكي عن قصة من ألف حرف.