جنيف: (ديسمبر)
حذرت بعثة تقصي الحقائق بشأن السودان من أن أطراف النزاع تلجأ بشكل متزايد إلى الاحتجاز التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري للسيطرة على السكان المحاصرين. وأكدت البعثة في إحاطة قدمتها إلى مجلس حقوق الإنسان في مستهل أعمال الدورة 62 يوم الاثنين 15 يونيو 2026 أن هذه الممارسات تفاقم أزمة حماية المدنيين التي اشتدت حدتها مع دخول الصراع عامه الرابع.
وأفادت البعثة التابعة للأمم المتحدة بأن الانتهاكات الواسعة للقانون الدولي لحقوق الإنسان والقانون الإنساني التي ترتكبها القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع لا تظهر أي مؤشرات على التوقف. وحذرت من أن هذه الأفعال قد ترقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية.
تجريم حرية التنقل وإجبار المدنيين على إظهار الولاء
وقال محمد شاندي عثمان، رئيس البعثة، إن المدنيين لا يزالون يتحملون العبء الأكبر لهذا النزاع. فهم لا يتعرضون للهجمات والعنف المباشر فحسب، بل يواجهون أيضاً نظاماً يزداد قمعاً واحتجازات تعسفية ورعباً مسيطراً على كل أوجه الحياة.
ووثقت البعثة نمطاً ممنهجاً من الاحتجازات الجماعية التي تقوم بها القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ضد أشخاص بناءً على تصور ارتباطهم أو تعاطفهم مع الطرف الآخر. ويتم احتجاز الأفراد لمزاعم التعاون مع العدو غالباً في ظروف بالغة القسوة ودون أي أساس قانوني أو ضمانات محاكمة عادلة. وأصبح التنقل في حد ذاته فعلاً مجرَّماً. فالمدنيون يتعرضون لضغوط متزايدة لإظهار ولائهم لأحد الأطراف المتحاربة كشرط لضمان سلامتهم وحريتهم وبقائهم الاقتصادي.
الابتزاز ومطالب دفع فديات بمبالغ طائلة
ووثقت البعثة نمطاً من الاحتجاز يعقبه إكراه وابتزاز من قبل قوات الدعم السريع، حيث تُجبر العائلات على دفع مبالغ مالية طائلة مقابل الإفراج عن أقارب محتجزين. ويتعرض التجار الذين تعتمد سبل عيشهم على عبور خطوط المواجهة لمخاطر مثل الاختطاف، مما يقوض الاقتصادات المحلية الهشة ويفاقم انعدام الأمن الغذائي في مناطق مثل الفاشر والأبيض والدلنج وكادوقلي.
عاملو الإغاثة الإنسانية بين المختفين قسرياً
وأعربت البعثة عن قلقها البالغ إزاء اعتقال ما لا يقل عن 70 شخصاً في الجنينة خلال مايو 2026 من قبل الاستخبارات العسكرية التابعة لقوات الدعم السريع. وأفادت تقارير بأن من بين المحتجزين عاملين في المجال الإنساني. ولم تكشف قوات الدعم السريع عن أماكن وجودهم أو وضعهم القانوني، كما لم تسمح لأفراد عائلاتهم أو محاميهم بزيارتهم.
وقالت منى رشماوي، الخبيرة عضوة البعثة، إن الاختفاء القسري للعاملين في المجال الإنساني “يُعد جريمة ويثير مخاوف بالغة الخطورة. فلا ينبغي أن يُواجَه أفراد الأسر الباحثون عن أحبائهم بالصمت، وأن يُتركوا في حالة من عدم اليقين أثناء بحثهم عن المفقودين. إن مثل هذه الأفعال تقوِّض العمليات الإنسانية وتزيد من تعريض المدنيّين المِعتمدين على المساعدات المُنقِذَة للحياة للمخاطر”.
استهداف القوات المسلحة السودانية لمعارضين سياسيين ومحامين وصحفيين
ووثقت البعثة أيضاً استمرار القوات المسلحة السودانية في مضايقة واعتقال واحتجاز قادة مدنيين ومعارضين سياسيين ومحامين ومدافعين عن حقوق الإنسان وعاملين في المجال الإنساني وصحفيين يُشتبه في تعاونهم مع قوات الدعم السريع. والكثير من هؤلاء يُحتجزون بسبب أدوارهم القيادية السابقة أو انتماءاتهم القبلية أو روابطهم العائلية أو آرائهم السياسية. وتلقت البعثة تقارير موثوقة عن انتهاكات جسيمة لضمانات المحاكمة العادلة، بما فيها التأخير في الوصول إلى المحاكم، وتقييد الوصول إلى المستشارين القانونيين والإكراه على الاعتراف.
ظروف الاحتجاز لدى كلا الطرفين تهدد الأرواح
وقد تمكنت البعثة من جمع معلومات موثوقة تشير إلى أن ظروف الاحتجاز لدى كلا الطرفين قاسية وغير إنسانية وتشكل تهديداً مباشراً لحياة المحتجزين، حيث يُحتجز المعتقلون في مرافق مكتظة تفتقر إلى الغذاء الكافي والمياه النظيفة والرعاية الطبية. وأفاد محتجزون لدى القوات المسلحة السودانية بتعرضهم للصعق الكهربائي والضرب المبرح والتجريد من الملابس أثناء الاستجواب. وتحدث هذه الممارسات في مرافق للاستخبارات العسكرية ومواقع احتجاز غير معلنة تابعة للقوات المسلحة السودانية. كما تحدث في السجون الرسمية على حد سواء مثل سجن بورتسودان المركزي. والعديد من الافادات أكدت ظروف اعتقال قاسية في سجن سوبا بالخرطوم عندما كان تحت سيطرة قوات الدعم السريع. ويبدو أن سجن نيالا في جنوب دارفور، الخاضع حالياً لسيطرة قوات الدعم السريع، يكتسبُ سمعة سيئة على نحوٍ خاص. إذ تفيد التقارير باحتجاز آلاف المعتقلين في سجن نيالا بمن فيهم العديد ممن نُقلوا من الفاشر ومناطق أخرى خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع. وأفادت تقارير للبعثة بوجود اكتظاظ شديد ونقص في الرعاية الطبية وانتشار أعمال العنف الجسدي، علاوة على ظروف احتجاز لا تتوافق مع الكرامة الإنسانية. كما أنه ثمة خطراً كبيراً لحدوث حالات اختفاء قسري في ظل غياب الإجراءات القانونية وحرمان الأهالي والمحامين من زيارة المعتقلين.
دعوات عاجلة لوضع حد للانتهاكات
وقد حثت البعثة جميع الأطراف على الوقف الفوري لممارسات الاحتجاز التعسفي والإفراج عن جميع المحتجزين بدون أساس قانوني وضمان المعاملة الإنسانية وضمانات المحاكمة العادلة. كما تطالب بمنح الهيئات المستقلة وصولاً كاملًا إلى مرافق الاحتجاز والكشف عن مصير جميع المحتجزين.
كما جددت البعثة دعوتها لدعم الضحايا والتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية وتوسيع ولايتها القضائية لتشمل ما يتجاوز دارفور، وإنشاء آلية قضائية دولية مستقلة تعمل بتعاون وثيق مع المحكمة الجنائية الدولية، والجمع المنهجي للأدلة وحفظها من أجل إجراءات جنائية مستقبلية وفرض عقوبات محددة.
وقال محمد شاندي عثمان، رئيس البعثة، إن حجم هذه الانتهاكات وخطورتها يؤكدان أنها ليست حالات معزولة بل جزء من نمط أوسع يؤكد الحاجة الملحة إلى المساءلة وإلى اتخاذ إجراءات دولية منسقة لمنع ارتكاب المزيد من الفظائع.