حين تُحاصَر النساء مرتين: الحرب والعنف الرقمي في السودان

المجال العام بعد الحرب: حضور نسائي خارج دوائر القرار

كمبالا: ملاك جمال بلة

 

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، لم يقتصر أثر النزاع على الخراب المادي أو الانقسام السياسي، بل امتد إلى إعادة تشكيل المجال العام نفسه. ومع تصاعد سيطرة الفاعلين العسكريين على المشهد، تقلصت المساحات المدنية، وتراجعت فرص المشاركة السياسية والاجتماعية، خاصة بالنسبة للنساء اللواتي وجدن أنفسهن أمام شكلين متوازيين من الإقصاء: الإقصاء من دوائر اتخاذ القرار على الأرض، والاستهداف داخل الفضاء الرقمي.

ورغم أن الحرب فرضت واقعاً جديداً على المجتمع السوداني بأكمله، فإن النساء واجهن تحديات مركبة. فإلى جانب المخاطر الأمنية والنزوح والانهيار الاقتصادي، برزت أنماط متزايدة من العنف الإلكتروني، تحولت تدريجياً إلى أداة ضغط وترهيب تستهدف تقويض حضور النساء وإبعادهن عن النقاش العام والعمل السياسي والحقوقي.


تقول النقابية والناشطة النسوية هيفاء فاروق جعفر يعقوب إن الحرب لم تُقصِ النساء من المجال العام بصورة مباشرة، لكنها أعادت تعريف هذا المجال بطريقة جعلت الوصول إلى مراكز التأثير أكثر صعوبة بالنسبة لهن. وتوضح أن انتقال مراكز السلطة إلى دوائر مغلقة يغلب عليها الطابع العسكري قلّص المساحات المتاحة للمشاركة المدنية، بينما واجهت النساء عوائق إضافية مرتبطة بحرية الحركة والأعباء الاقتصادية وتراجع الحماية الاجتماعية.
لكن هذا التراجع لم يعنِ الغياب الكامل. فبحسب شهادات ناشطات وعاملات في المجال العام، انتقلت مساهمات النساء إلى مستويات أخرى أقل ظهوراً وأكثر ارتباطاً بإدارة الأزمات اليومية. فقد لعبن أدواراً رئيسية في تنظيم مراكز الإيواء، وتنسيق المبادرات المجتمعية، وتوثيق الانتهاكات، وتقديم الدعم القانوني والنفسي، وتأمين احتياجات الأسر والمجتمعات المحلية.


وتصف هيفاء هذا التحول بقولها إن النساء أصبحن أكثر حضوراً في التعامل مع نتائج الحرب وأقل حضوراً في تحديد مسارات إنهائها. وترى الصحفية رشا عوض عبد الله أن المشهد السياسي نفسه تعرض لانهيار واسع، وأن المجال العام أصبح محكوماً بمنطق القوة المسلحة أكثر من أي وقت مضى، ما انعكس على فرص التعبير والعمل المدني. وتقول إن تراجع السياسة لم يؤدِ إلى تقليص المشاركة فقط، بل كشف أيضاً عن هشاشة المساحات التي كانت النساء قد انتزعنها خلال السنوات السابقة.

الفضاء الرقمي كساحة جديدة للصراع

وفي الوقت الذي تحولت فيه المدن إلى ساحات مواجهة، ظهر فضاء آخر لا يقل قسوة: الفضاء الرقمي. فمنصات التواصل التي كانت تُستخدم سابقاً للتعبئة والتواصل وتبادل المعلومات، أصبحت، وفق شهادات متعددة، ساحة جديدة لحملات التشهير والابتزاز والتنمر والاستهداف الشخصي.

وتروي هيفاء أنها تعرضت خلال فترة الحرب إلى حملات منظمة استُخدمت صورُها الشخصية ومشاركاتها العامة لإطلاق موجات من السخرية والتشكيك والإساءة. وتقول إن الهجمات لم تتوقف عند حدود النقد السياسي، بل انتقلت إلى التشهير الأخلاقي ومحاولة تقويض السمعة وإلحاق الضرر بكل من يرتبط بها مهنياً أو اجتماعياً.

وتضيف أن بعض هذه الحملات اعتمد على معلومات مضللة وقصص ملفقة جرى تداولها داخل دوائر مهنية ونقابية بهدف تقليل مصداقيتها والضغط عليها لتغيير مواقفها أو التزام الصمت. وبحسب شهادتها، فإن الهدف النهائي من هذه الممارسات لا يتمثل في كسب النقاش العام، بل في دفع النساء إلى الانسحاب التدريجي من المجال العام.

“سارة”.. حين يصبح الرأي سبباً للهجوم

وفي شهادة أخرى، تحدثت ناشطة ومديرة محتوى رقمي – فضّلت استخدام الاسم المستعار “سارة” حفاظاً على خصوصيتها – عن تعرضها بشكل متكرر لاتهامات تتعلق بولاءات خارجية واتهامها بالعمل لصالح جهات أجنبية، خصوصاً بعد مشاركتها في لقاءات إقليمية تتناول السلام وبناء التوافق المدني.

وتقول إن حملات الهجوم تتصاعد كلما طرحت خطاباً ينتقد أطراف النزاع، أو يطالب بمحاسبة جميع المسؤولين عن الانتهاكات، إذ تتحول النقاشات سريعاً إلى هجمات شخصية تتجاوز مضمون الرأي المطروح. ومع الوقت، اضطرت إلى تعديل طريقة وجودها الرقمي، فتوقفت عن نشر معلومات مرتبطة بتحركاتها أو أنشطتها المهنية، وأصبحت أكثر تحفظاً في التفاعل العلني.

كما تشير إلى أنها واجهت استبعاداً من بعض المبادرات والبرامج بسبب رفضها الاصطفاف السياسي مع أي طرف عسكري، معتبرة أن الاستقطاب امتد حتى إلى بعض المساحات المدنية التي يُفترض أن تكون أكثر انفتاحاً.

عندما يتحول التهديد الإلكتروني إلى قرار بالرحيل

ولا تقف آثار العنف الرقمي عند حدود الكلمات. فالناشطة الحقوقية والسياسية بثينة دينار تقدم واحدة من أكثر الشهادات قسوة، إذ تتحدث عن تهديدات مباشرة طالت ابنها المراهق، شملت نشر معلومات مضللة ورسائل تحمل تهديدات بالعنف. وتوضح أن التجربة لم تكن مجرد خلاف سياسي أو حملات إلكترونية عابرة، بل حالة ضغط نفسي مستمرة دفعتها خلال أشهر قليلة إلى مغادرة السودان بحثاً عن بيئة أكثر أمناً لأسرتها. وتقول إن ما حدث غيّر شكل حياتها بالكامل، وأعاد ترتيب أولوياتها من العمل العام إلى البحث عن الحماية.

الصحفيات والقيادات النسائية تحت ضغط الاستهداف

من جهتها، تؤكد الصحفية مدِيحة عبد الله أن العمل الإعلامي خلال الحرب أصبح أكثر صعوبة، وأن الصحفيات يواجهن أشكالاً متزايدة من الاستهداف الشخصي، خاصة عند كتابة المقالات أو إبداء مواقف سياسية. وتوضح أن مساحة الحوار الموضوعي تقلصت بصورة كبيرة، بينما تصاعدت لغة التخوين والإساءة والاتهام.

أما المحامية والقيادية السياسية حنان حسن فتشير إلى أن حملات التشهير والابتزاز الرقمي القائم على النوع الاجتماعي دفعت بعض النساء إلى تقليل ظهورهن، أو التوقف مؤقتاً عن المشاركة في النقاشات العامة. وترى أن هذه النتيجة لا تؤثر فقط على النساء المستهدفات، بل تضعف المجال العام كله لأنها تقلل تنوع الأصوات وتكرس اختلالات القوة القائمة مسبقاً.

من الشاشة إلى الحياة اليومية

وتتفق شهادات المشاركات على أن العنف الإلكتروني لا يبقى داخل الهاتف أو شاشة الحاسوب، بل يمتد إلى الحياة اليومية. وتوضح “سارة” أن بعض النساء واجهن خلافات أسرية حادة بسبب حملات التشهير التي طالتهن، وفي بعض الحالات تطورت الضغوط إلى انفصال أو عنف منزلي أو فرض قيود على المشاركة العامة.

وفي مجتمع لا تزال السمعة فيه ذات وزن اجتماعي كبير، يصبح التشهير الأخلاقي وسيلة فعالة لإجبار النساء على الانسحاب. وتشير رشا عوض إلى أن النساء المنحدرات من بيئات اجتماعية محافظة يتحملن تكلفة مضاعفة للمشاركة العامة، لأن الاستهداف لا يقتصر عليهن وحدهن بل يمتد إلى أسرهن.

فجوات قانونية واستجابات محدودة

على المستوى القانوني، ترى المحامية والمدافعة عن حقوق الإنسان نفيسة حجر أن الاستجابة المؤسسية الحالية غير كافية للتعامل مع هذه الظاهرة. وتوضح أن منظمات المجتمع المدني تعمل على توثيق الانتهاكات الرقمية من خلال الرصد المفتوح للمحتوى، وتتبع حملات التشهير، وجمع الشهادات بوسائل تحافظ على الخصوصية، إضافة إلى تحليل أنماط الاستهداف لفهم العلاقة بين العنف الرقمي والإقصاء السياسي.

لكن الإشكال، بحسب رأيها، أن التشريعات القائمة لا توفر تعريفات واضحة للعنف الرقمي القائم على النوع الاجتماعي، كما أن إجراءات الشكاوى لا تزال معقدة وغير مهيأة لحماية الضحايا، بينما تواجه المؤسسات القضائية تحديات في التعامل مع الأدلة الرقمية.

النساء يصنعن مساحات الصمود

ورغم كل ذلك، لا تبدو النساء خارج المشهد. ففي مختلف مناطق السودان وخارجه، تستمر النساء في قيادة مبادرات الإغاثة والعمل الأهلي، وتوثيق الانتهاكات، ودعم الناجيات، والدفاع عن مسارات وقف الحرب واستعادة الحياة المدنية.

وتقول هيفاء إن النساء لا ينتظرن نتائج التفاوض أو التسويات السياسية، بل يعملن يومياً على منع الانهيار الكامل للمجتمع، وفي الوقت نفسه يساهمن في إنتاج تصورات بديلة لمستقبل مدني وديمقراطي.

السلامة الرقمية كشرط للمشاركة السياسية

وترى ناشطات أن ضمان المشاركة السياسية للنساء مستقبلاً يرتبط مباشرة ببناء فضاء رقمي أكثر أماناً، ليس باعتباره مطلباً تقنياً، بل شرطاً ديمقراطياً أساسياً. ومن هذا المنطلق تبرز الدعوات إلى تطوير إطار قانوني يجرّم بوضوح الابتزاز الإلكتروني والملاحقة الرقمية وخطابات الكراهية القائمة على النوع الاجتماعي، وإدماج البعد الجندري ضمن سياسات الأمن السيبراني الوطنية، وتدريب الجهات العدلية والشرطية على التعامل مع الجرائم الرقمية بطريقة تراعي الخصوصية وتحمي الناجيات، إلى جانب تأسيس شبكات دعم قانوني ونفسي أكثر فاعلية، والضغط على شركات التواصل الاجتماعي لتطوير استجابتها للبلاغات المرتبطة بسياقات النزاع، والاستثمار في رفع قدرات النساء على الحماية الرقمية وإدارة حضورهن الإلكتروني بما يضمن ألا يصبح التعبير عن الرأي سبباً للعزلة أو الصمت أو الانسحاب.

وبين الحرب على الأرض والاستهداف في الفضاء الرقمي، تواجه النساء السودانيات واقعاً مضاعفاً من الضغوط. لكن الشهادات التي جُمعت لهذا التقرير تكشف أيضاً عن صورة أخرى؛ صورة نساء يواصلن العمل والكلام والتنظيم رغم كل محاولات الإقصاء، ويتمسكن بحقهن في المشاركة وصناعة المستقبل، رافضات أن تحدد البنادق أو حملات الكراهية حدود حضورهن في المجال العام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *