عواصم: (ديسمبر)
أثارت تصريحات قائد الجيش الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، في منطقة (الرتج) بشرق السودان يوم الاثنين الماضي، ردود فعل غاضبة عليها، لكونها جاءت بعد أيام من حادثة الهجوم على معدنين سودانيين داخل الأراضي السودانية بواسطة قوات مصرية، دون تحديد أي موقف رسمي أو حتى الترحم على السودانيين الذين لقوا مصرعهم في تلك الهجمات، أو إدانة تلك الأحداث، في نفس اليوم الذي أصدر فيه الجيش المصري بياناً شمل تفاصيل ضمنية حول تلك الأحداث التي وقعت في عدة مناطق داخل العمق السوداني من بينها منطقة جبل العيقاد.
وامتنع البرهان خلال حديثه، في الرتج يوم الاثنين الماضي، عن تسمية أي دولة باسمها في معرض تعليقه على تلك الأحداث. فوفقاً لما نقلته عنه وكالة الأنباء الرسمية (سونا) فقد قال: “نؤكد تقديرنا واحترامنا الكامل لدول الجوار (في الشمال والشرق)، وندعو كافة المواطنين إلى عدم التحرك نحو الحدود لإثارة أي مشكلات”. وجاءت تلك التصريحات بعد صمت رسمي قارب الأسبوع من قيام الجيش المصري بشن تلك الهجمات داخل العمق السوداني.
بالتوازي مع ذلك فإن الجيش المصري كشف رسمياً مزيداً من تفاصيل تلك العمليات، مع الإشارة إلى أنها في الحدود الجنوبية، والتي وضح أنها شملت مناطق داخل العمق السوداني في منطقة الجبل الأحمر وجبل العيقاد التي تضم آلاف المعدنين الأهليين السودانيين. وطبقاً لبيان صادر عن المتحدث باسم الجيش المصري غريب عبد الحافظ، فإن تلك العمليات التي شُنَّت في الحدود الجنوبية –التي لم يحدد إذا ما كانت مقتصرة على هجمات مناطق التعدين بالعمق السوداني أم شملت مناطق أخرى- والتي أسفرت عن القبض على 223 شخصاً من بينهم 136 أجنبياً، ومن بين المعدات والأجهزة التي تمت مصادرتها معدات وأجهزة مستخدمة في التنقيب الأهلي عن الذهب بجانب (14) مركبة.
وأظهرت إفادات أدلى بها عدد من المعدنيين السودانيين الموجودين بالمنطقة، قبل بداية الهجوم، انسحاب القوات العسكرية السودانية المشتركة من الموقع قبل ساعات من بداية العملية. إلا أن الملاحظة الأبرز كانت تغريدة نشرها رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس، في معرض تعليقه على تلك العمليات، تضمنت الإشادة بها، وهو ما ربطه البعض بشكل مباشر بتنفيذ مذكرة التفاهم التي وقعها ساويرس مع سلطة قائد الجيش في سبتمبر الماضي والتي قضت بعودته للعمل مجدداً في السودان بعد بيعه 44% من أسهمه في شركة أرياب لصالح حكومة السودان في أبريل 2015م بقيمة 100 مليون دولار.
وسبق لمواقع إلكترونية أن نقلت عن ساويرس من كلمته في مؤتمر “صناعة العقار تقود الاستثمار والتصدير”، المنعقد يوم الاثنين 8 سبتمبر 2025م، إعلان عودته إلى العمل في استكشاف الذهب بالسودان مجدداً بعد توقيعه لبروتوكول تعاون مع سلطة قائد الجيش، إلا أنه لم يشر لتفاصيل ذلك البروتوكول في ما يتصل ببنوده الفنية أو نطاق الامتيازات أو الشركات التابعة المنفذة.
ويبدو أن الرابط بين ترحيب ساويرس بالعملية التي نفذها الجيش المصري وصمت قائد الجيش قبل أن يدلي بتصريحه الأخير الذي طلب فيه من المعدنين عدم “إثارة المشاكل والتحرك نحو الحدود” فُسر من قبل أوساط إعلامية بأن المناطق التي تعرضت للهجمات العسكرية المصرية مرتبطة بمناطق امتياز للتنقيب عن الذهب مُنحت لجهات وشركات مصرية -قد يكون ساويرس من ضمنهم- وأن قرار الهجوم هدفه الأساسي إخلاء وإبعاد المعدنين الأهليين من المنطقة وحسم التنازع بينهم وبين الجهات التي مُنحت حق الامتياز توطئة لبداية العمل فيها بشكل رسمي. أما صدق هذه التفسيرات المرتبطة بالوقائع المتاحة فإن الأيام القادمة وحدها هي التي ستكشف مدى مطابقتها الكلية أو الجزئية.