مجلس الأمن الدولي يعقد جلسة طارئة حول التهديد العسكري لمدينة الأبيض

نيويورك: (ديسمبر)

 

عقد مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة يوم الجمعة 26 يونيو 2026 لمناقشة التصعيد العسكري الخطير في مدينة الأبيض، وسط تحذيرات أممية من كارثة إنسانية وشيكة تلوح في الأفق. واختتمت الجلسة بمشاورات مغلقة بين أعضاء المجلس لبحث خيارات التحرك الدولي، بما في ذلك تعزيز آليات الرقابة على العقوبات القائمة ودعم جهود الوساطة السياسية، وسط انقسام دولي حول مدى تشديد الإجراءات ضد الأطراف المتورطة في النزاع.

 

كارثة إنسانية ونزوح جديد

وحذرت روزماري ديكارلو، وكيلة الأمين العام للشؤون السياسية وبناء السلام، في إحاطتها للمجلس من أن أي هجوم على الأبيض سيؤدي إلى كارثة إنسانية ونزوح جديد إلى مناطق منهكة، مشيرة إلى “أن فرصة تجنب التصعيد تضيق بسرعة”. وأكدت أن الاستخدام المتزايد للطائرات المسيرة يجعل النزاع أكثر فتكاً بالمدنيين، وأن استمراره يعتمد على الدعم الخارجي. وقالت إن طرفي النزاع يحاولان السيطرة على مناطق إستراتيجية ويشنان هجمات بالمسيرات على الجسور وممرات النقل في دارفور وكردفان، مما أضر بوصول المساعدات وبالمجتمعات المحلية المنعزلة، ودعت الجهات الخارجية لاستخدام نفوذها لإنهاء الحرب لا للتواطؤ فيها. وحذّرت ديكارلو من أن التوترات مع إثيوبيا وتشاد قد تجر الدول المجاورة للصراع.  كما شددت على ضرورة العمل بشكل متوازٍ نحو وقف دائم لإطلاق النار وحل سياسي مستدام، مشيرة إلى أن الأطراف بحاجة إلى خريطة طريق لما سيحدث بعد إلقاء السلاح. وأوضحت أن الأمم المتحدة تدعم جهود “الرباعية” و”الخماسية” من أجل هدنة وحل سياسي سوداني.

 

500 ألف مدني معرضون للخطر

وأكدت حنان سليمان، نائبة مدير اليونيسيف، في إحاطتها لمجلس الأمن أن السودان يشهد أكبر أزمة إنسانية عالمية، وأن الأطفال هم الأكثر تضرراً من النزاع. وحذّرت من أن حوالي 500 ألف مدني في الأبيض معرضون للخطر، مع تصاعد خطر القتل والإصابة والنزوح على الأطفال، مشبِّهة الوضع بأزمة الفاشر العام الماضي. وأشارت إلى أن الأمم المتحدة وثّقت أكثر من 5,700 انتهاك جسيم ضد الأطفال، وقتل أو تشويه أكثر من 5,000 طفل، وبيّنت أن 80% من إصابات الأطفال خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام الجاري مرتبطة بهجمات الطائرات المسيرة. وطالبت حنان سليمان المجلس بالعمل على منع التصعيد في الأبيض ووقف تدفق الأسلحة، وإعلان هدنة إنسانية فورية وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق. واختتمت بالتأكيد على أن أطفال السودان بحاجة لأكثر من مجرد قلق وأنهم فقدوا ثلاث سنوات من طفولتهم ولا يمكنهم خسارة المزيد.

 

الأسلحة الكيميائية مرة أخرى

أما الولايات المتحدة، فقد أعلن مندوبها عن فرض جولة ثانية من العقوبات على السودان بسبب استخدام أسلحة كيميائية، بالإضافة إلى عقوبات جديدة ضد ثمانية أفراد وكيانات متورطة في شبكات توريد وتجنيد تدعم طرفي النزاع، وحث المجلس على النظر في خيارات لتوسيع حظر الأسلحة الحالي على دارفور ليشمل كامل التراب السوداني.

وخاطب الجلسة مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية والعربية، محذراً من تفاقم الأوضاع في السودان وخطر تكرار فظائع الفاشر في مدينة الأبيض. واتهم المسؤول الأمريكي الجيش السوداني وقوات الدعم السريع بإطالة أمد الحرب، متهماً قوات الدعم السريع بارتكاب “إبادة جماعية” والجيش باستخدام أسلحة كيماوية. وكشف بولس “أن المجلس السيادي ظل يرفض باستمرار دعوتنا إلى هدنة إنسانية تمهِّد إلى وقف إطلاق نار دائم وتهيِّئ الأجواء لحوار حقيقي، وقد رفض صباح اليوم آخر نسخة من مسودة الهدنة الإنسانية”.

وقال بولس “إننا نعمل على تطوير آلية لدعم تنفيذ الهدنة وتنسيقها ومراقبتها والإشراف عليها”، وشدد على أن جهود السلام عبر الهدنة أو وقف إطلاق النار “ليست سوى جزء من الحل”، مؤكداً على أهمية دفع المسار المدني وتمهيد الطريق لعملية انتقال ديمقراطية وشاملة بقيادة مدنية. وأكد أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع جهود أي شبكات إسلامية أو حركات متطرفة للتلاعب بالصراع في السودان، أو السعي لعرقلة الانتقال المدني، أو إعادة فرض السيطرة السلطوية على البلاد. واتهم أطرافاً خارجية – لم يسمِّها – بتزويد طرفي النزاع بالأسلحة والمسيرات التي قال إنها تطيل أمد الحرب وتلحق مزيداً من الأذى بالمدنيين، مشيراً إلى أن أكثر من 12 دولة تقدم دعماً عسكرياً للأطراف المتحاربة في السودان.

وختم بولس حديثه بدعوة طرفي النزاع لوقف العنف والسير في طريق السلام الذي قال إنه يبدأ بالهدنة الإنسانية التي طرحتها واشنطن، والتي تضمن وصولاً إنسانياً مستداماً ودون عوائق للمساعدات، تمهيداً للتفاوض على وقف دائم لإطلاق النار وتهيئة بيئة لحوار حقيقي وشامل.

 

عملية سياسية مشروطة

من جانبه، أكد مندوب السودان رفض حكومته لأي عملية سياسية تفيد المليشيا، مشدداً على أن العملية السياسية يجب أن تكون سودانية خالصة بإرادة الشعب السوداني، واتهم الإمارات بتزويد المتمردين بالسلاح، محمِّلاً لها مسؤولية إطالة أمد الحرب. وأضاف أن الجيش لا يمانع من وقف إطلاق النار شريطة ألا تستغله، ما وصفها بالمليشيات، في الحشد العسكري، وأن انسحاب قوات الدعم السريع من دارفور وكردفان “شرط أساسي لأي هدنة”. وأوضح الحارث إدريس “أن رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان أرسل تعديلاته على مسودة اتفاق الهدنة الإنسانية إلى كبير مستشاري الرئيس الأمريكي صباح اليوم الجمعة، وأن هذه التعديلات تضمنت جدول الانسحاب المعدل”.  وأضاف “إن البرهان يتابع الجلسة وأرسل لي رسالة بالرد الذي أرسله إلى مسعد بولس هذا الصباح”.

وبشأن الاتهامات المتعلقة باستخدام الجيش السوداني لأسلحة كيميائية أفاد مندوب السودان بأن وفداً أمريكياً زار السودان للتحقيق في اتهامات استخدام الأسلحة الكيميائية وطاف على المناطق التي يزعم أنه تم فيها استخدام للأسلحة الكيميائية فيها، وأخذ الوفد عينات من التربة من أربعة مناطق ولم يتم التوصل حتى الآن لأدلة تثبت هذه الاتهامات”.

 

الهدنة الإنسانية أولاً

ورفض مندوب الإمارات العربية المتحدة الاتهامات السودانية ووصفها بأنها ادعاءات كاذبة تهدف إلى تحويل المسؤولية. ودعا المجلس إلى إجبار الأطراف المتحاربة على قبول هدنة إنسانية، وأكد أنه في حال استمرار رفض هذه الأطراف لمثل هذا الإجراء فإن المجلس مطالب عندئذ بالنظر في تدابير لتقييد تحركاتها.

وأكد مندوب مصر رفض القاهرة القاطع لأي حل يساوي بين القوات المسلحة السودانية والمليشيا المتمردة، ووصف محاولات تقسيم السودان أو إنشاء كيانات موازية بأنها “خط أحمر”، ودعا إلى وقف تدفق الأسلحة والمقاتلين الأجانب. كما حثّ المجتمع الدولي على التصدي للمحاولات الرامية إلى تقويض مؤسسات الدولة السودانية وفرض واقع جديد يهدد وحدة البلاد وسلامة أراضيها. وقال “إن إنقاذ السودان من محنته الراهنة يمثل مسؤولية جماعية وواجباً سياسياً وأخلاقياً وإنسانياً”. وأكد أن الحفاظ على وحدة السودان وصون مؤسساته الوطنية يجب أن يظل أولوية أساسية في أي تحرك دولي لمعالجة الأزمة.

ومن جانبه أكد مندوب تركيا أن القضية الجوهرية في السودان لا ينبغي معالجتها كمسألة موازنة بين أطراف متساوية، وحذر من المساواة الزائفة بين أطراف النزاع. وشدد مندوبا السعودية وإثيوبيا على ضرورة احترام سيادة السودان، وأضاف المندوب الإثيوبي أن الوصفات الخارجية أو النتائج المفروضة تخاطر بتعميق الانقسامات وإطالة أمد عدم الاستقرار.

وشددت مندوبة روسيا على ضرورة اتباع نهج بنّاء من قبل المجلس، مع الأخذ بعين الاعتبار ملاحظات وتوصيات الحكومة السودانية التي تظل الضامن الوحيد للحفاظ على مؤسسات الدولة السودانية، ورفضت أي مبرر لتمديد نطاق العقوبات الجغرافي ليشمل مناطق خارج دارفور.

ودعت كلٌّ من المملكة المتحدة والدنمارك ولاتفيا وبنما إلى اتخاذ إجراءات فورية لمنع الأبيض من أن تصبح فاشر جديدة. وأكدت الدنمارك على مسؤولية المجلس في العمل مبكراً لمنع الفظائع الجماعية، وليس فقط الرد بعد فوات الأوان. وطالبت لاتفيا وبنما بحماية المدنيين ووقف الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان. وأكدت الصين على ضرورة احترام سيادة السودان ووحدة أراضيه ودعم الحلول السياسية التي يملكها السودانيون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *