كمبالا: ملاك جمال بلة
في خطوة تعكس تحوّلًا متزايدًا نحو تمكين الشباب وإشراكهم في معالجة التحديات المجتمعية، اختتم مؤتمر «مظلات السلام» أعماله داخل مجتمع كرياندنقو، حاملاً معه رؤية جديدة تقوم على توحيد الجهود الشبابية وصناعة مسار عملي لتعزيز السلام والتعايش السلمي بين اللاجئين والمجتمع المضيف.
المؤتمر، الذي جمع ممثلي عشر مظلات شبابية ومجتمعية، لم يكن مجرد منصة للنقاش وتبادل الآراء، بل سعى إلى تأسيس إطار عمل مشترك يُترجم الأفكار إلى مبادرات واقعية تستجيب للتحديات المتراكمة التي خلَّفتها الحرب والنزوح والتوترات الاجتماعية.
من الحوار إلى الفعل
اختيار شعار المؤتمر «نحو أجندة شبابية لبناء السلام ورتق النسيج الاجتماعي» لم يكن قرارًا رمزيًا فقط، بل جاء ليعكس فلسفة العمل التي تبناها المشاركون؛ وهي أن الحوار وحده لم يعد كافيًا، وأن المرحلة الحالية تتطلب انتقال الشباب من مساحة النقاش إلى مساحة التنفيذ والعمل الجماعي.
ويرى منظمو المؤتمر أن الشباب يمثلون القوة الاجتماعية الأكثر قدرة على قيادة التغيير الإيجابي، لما يمتلكونه من قدرة على التواصل، والابتكار، وبناء جسور جديدة بين المكونات المختلفة داخل المجتمع.
هذا التوجه ظهر بوضوح خلال جلسات المؤتمر، حيث قدم المشاركون سلسلة من المقترحات والأفكار العملية التي ركزت على إعادة بناء العلاقات الاجتماعية المتضررة، وخلق منصات تعاون مستدامة بين مختلف الفئات.
واقع اجتماعي معقد وتحديات متراكمة
ناقش المؤتمر مجموعة من القضايا التي يرى المشاركون أنها تقف خلف تراجع التماسك الاجتماعي داخل مجتمع كرياندنقو. وكان في مقدمة هذه القضايا تأثيرات الحرب والنزوح على البنية الاجتماعية، وما ترتب عليها من ضعف الثقة بين الأفراد والمجموعات المختلفة، إلى جانب تصاعد خطاب الكراهية وانتشار المعلومات المضللة، وتراجع فرص الحوار والتواصل.
كما أشار المشاركون إلى أن الضغوط الاقتصادية والاجتماعية ساهمت في زيادة حدة التوتر، خاصة في البيئات التي تتنافس فيها المجتمعات المختلفة على الموارد والخدمات وفرص الحياة اليومية.
ورغم تعقيد هذه التحديات، أكد المؤتمر أن معالجتها لا تتطلب حلولًا سياسية كبرى فقط، بل تبدأ أيضًا من مبادرات محلية يقودها المجتمع نفسه.
الشباب في قلب معادلة السلام
أحد أبرز محاور المؤتمر كان إعادة تعريف دور الشباب داخل مجتمعات اللجوء، باعتبارهم شركاء في صناعة الاستقرار وليسوا مجرد فئة متأثرة بالأزمات. وخلال النقاشات، تم التأكيد على أن الشباب يمكن أن يؤدوا دورًا عمليًا ومباشرًا في بناء السلام من خلال قيادة المبادرات المجتمعية، وتنظيم جلسات الحوار، وإطلاق حملات التوعية، والانخراط في الأنشطة الرياضية والثقافية، إضافة إلى تعزيز العمل التطوعي باعتباره أداة فعالة لتقوية العلاقات المجتمعية.
ورأى المشاركون أن الاستثمار في طاقات الشباب لا يقتصر على تقديم الدعم المادي، بل يتطلب كذلك منحهم المساحات الكافية للمشاركة في صنع القرار وإدارة المبادرات.
مواجهة خطاب الكراهية وبناء الثقة
شكلت قضية خطاب الكراهية أحد أكثر الملفات حضورًا في أعمال المؤتمر، باعتبارها من التحديات التي تهدد فرص التعايش والاستقرار. وخرج المشاركون بعدد من التوصيات ركزت على إطلاق حملات توعية مجتمعية، وتعزيز ثقافة احترام التنوع، وتشجيع الخطاب الإيجابي عبر وسائل التواصل الاجتماعي، إلى جانب تنظيم لقاءات وحوارات مجتمعية مستمرة تجمع مختلف المكونات.
وفي السياق نفسه، ناقش المؤتمر آليات إعادة بناء الثقة بعد فترات التوتر والانقسام، حيث تم التأكيد على أهمية خلق مساحات منتظمة للحوار، وتنفيذ أنشطة مشتركة تجمع الشباب والنساء والقيادات المجتمعية. ويرى المشاركون أن بناء الثقة لا يتحقق عبر الشعارات، بل يحتاج إلى ممارسات يومية تُظهر قيم التعاون والاحترام المتبادل.
منصة شبابية لتوحيد الجهود
من أبرز المخرجات التي أُعلن عنها خلال المؤتمر الاتفاق على إنشاء منصة تنسيق شبابية تكون بمثابة مظلة جامعة للمبادرات المختلفة.
ومن المنتظر أن تعمل هذه المنصة على تنسيق الجهود بين المظلات الشبابية، وتبادل الخبرات، ومتابعة تنفيذ التوصيات، إضافة إلى تطوير مشاريع جماعية تستجيب لاحتياجات المجتمع. ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها محاولة لتجاوز العمل الفردي والانتقال إلى نموذج أكثر تنظيمًا واستدامة.
كما يتوقع أن تساهم المنصة في خلق قنوات اتصال مستمرة بين الشباب والمؤسسات والمنظمات الشريكة، بما يضمن استمرارية العمل بعد انتهاء المؤتمر.
من التوصيات إلى المشاريع
أكد مكتب المشاريع والبرامج أن مخرجات المؤتمر لن تبقى في إطار الوثائق أو التوصيات النظرية، بل سيتم تحويلها إلى خطط عمل ومقترحات مشاريع قابلة للتنفيذ.
ومن بين المبادرات التي طُرحت باعتبارها أولوية خلال المرحلة المقبلة مشروع «سفراء السلام والتماسك الاجتماعي»، الذي يهدف إلى إعداد مجموعات شبابية تقود أنشطة السلام والحوار داخل المجتمع.
كما تشمل الخطط المقبلة إعداد مقترحات للمشاريع، والبحث عن جهات تمويل وشركاء محتملين لدعم التنفيذ. ويرى القائمون على المؤتمر أن نجاح أي مشروع لن يقاس فقط بحجم التمويل، وإنما بقدرته على تحقيق أثر ملموس في العلاقات الاجتماعية وتعزيز المشاركة المجتمعية.
شراكات تتجاوز حدود المؤتمر
في إطار ضمان استدامة النتائج، ركز المؤتمر على أهمية بناء شراكات أوسع بين المجتمع المدني والمجتمعات المحلية.
وتشمل هذه الشراكات التعاون مع المنظمات الإنسانية، والمؤسسات المجتمعية، والقيادات المحلية، بهدف دعم برامج السلام وتمكين الشباب.
كما أكد المشاركون أن استمرارية التعاون بين المظلات المختلفة تحتاج إلى اجتماعات دورية، وخطط عمل مشتركة، وآليات واضحة لتبادل المعلومات وقياس التقدم.
وفي المقابل، أقر المؤتمر بوجود تحديات متوقعة قد تعيق تنفيذ الأجندة الشبابية، من بينها محدودية التمويل، وضعف الإمكانيات، والتحديات اللوجستية، وتفاوت مستويات المشاركة بين الشباب.
رسالة إلى شباب السودان وجنوب السودان
حمل المؤتمر رسالة واضحة إلى الشباب السوداني وشباب جنوب السودان داخل بيئات اللجوء مفادها أن السلام لا يبدأ من الاتفاقات الكبرى وحدها، بل من المجتمعات المحلية، ومن المبادرات الصغيرة التي تعيد بناء العلاقات وتخلق مساحات للتفاهم.
وأكد المشاركون أن الشباب قادرون على قيادة التغيير عندما تتوفر لهم فرص المشاركة والعمل الجماعي، وأن التعايش لا يُفرض من الخارج، بل يُبنى عبر التعاون والاحترام المتبادل.
كما دعا المؤتمر المجتمع المحلي إلى لعب دور أكبر في دعم المبادرات الشبابية، وتشجيع الحوار، والمشاركة في الأنشطة المجتمعية، وتهيئة بيئة آمنة تسمح بتوسيع دوائر التعاون.
نقطة تحول أم بداية طريق؟
رغم أن المؤتمر يمثل محطة مهمة في مسار تعزيز السلام داخل كرياندنقو، فإن المشاركين ينظرون إليه باعتباره بداية لمسار طويل أكثر من كونه نهاية لمرحلة.
ولتقييم نجاح المخرجات خلال الفترة المقبلة، تم الاتفاق على مجموعة من المؤشرات تشمل عدد المشاريع المنفذة، وعدد الشباب المشاركين، وعدد جلسات الحوار المنعقدة، ومستوى المشاركة المجتمعية، وحجم الشراكات التي سيتم بناؤها، ومدى الالتزام بتنفيذ التوصيات.
أما الخطوات القادمة فتتضمن اعتماد الوثيقة النهائية للمؤتمر، وتشكيل فرق العمل، وإعداد مقترحات المشاريع، وتأمين الموارد اللازمة، والبدء بتنفيذ المبادرات ذات الأولوية.
وفي ختام أعماله، خرج المؤتمر برسالة مركزية عبّر عنها المشاركون بوضوح: أن الحوار يظل الطريق الأكثر فاعلية لمعالجة الخلافات، وأن العمل الجماعي بين الشباب يمتلك قدرة أكبر على صناعة التغيير من الجهود الفردية، وأن بناء السلام الحقيقي يحتاج إلى مبادرات مستمرة، وشراكات قوية، والتزام طويل الأمد.
وبين تحديات الواقع وطموحات الشباب، يبدو أن كرياندنقو اختارت أن تبدأ رحلتها نحو السلام من نقطة أساسية: الاستماع لبعضها البعض والعمل معاً.