عواصم: (ديسمبر)
أثارت تغريدة مستشار الرئيس الأمريكي لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا مسعد بولس التي نفى فيها وجود أي موافقة على مقترح الهدنة الأمريكي أو الاتفاق على كل القضايا واقتصار الخلافات على قضية واحدة أو عدة قضايا أو وجود وثائق، باعتبارها “غير صحيحة أو دقيقة”، والتي جاءت لاحقة بعد ساعات من نشر وكالة (رويترز) لتصريحات صادرة من وزارة الخارجية الأمريكية أعربت عن تطلعها لقبول أطراف الحرب بالسودان لخطة الهدنة والسلام بصيغتها الحالية دون شروط مسبقة. أثارت تلك التغريدة دهشة وحيرة المراقبين لكونها بدت متناقضة مع التصريحات الصادرة من الخارجية الأمريكية.
إلا أن مصادر مطلعة أبلغت (ديسمبر) أن تصريحات بولس قصد منها أمران؛ أولهما عبارة عن “جزرة” تسعى لتخفيف الضغوط على قائد الجيش الذي يعاني من تصدع شديد في معسكر أنصاره جراء انفراده بالتفاوض دون معرفة بقية حلفائه، بغرض مساعدته في تحسين وضعه الداخلي بما يمكنه من حسم خياراته والموافقة على الهدنة، وهو ما اعتبرته المصادر “أمراً غير متوقع، لكون مقترح الهدنة يقوض مضمونه أحلام وتطلعات البرهان في الانفراد بالحكم”.
أما السبب الثاني لإصدار هذه التصريحات فهو لقطع الطريق على المساعي التي تبذلها دول إقليمية، خاصة السعودية، لعرقلة أي تحركات أمريكية لاستخدام “العصا” ممثلة في الطَرْق العنيف على ملف استخدام الأسلحة الكيميائية، باعتبار أن الأخبار التي وردت حول قبول البرهان للمقترح الأمريكي “هدفت لتوظيف هذه الموافقة واستخدامها لعرقلة أي محاولات لاحقة لمسألة الأسلحة الكيميائية ضد سلطة البرهان أو حتى شخصه، والتي خرجت للعلن عقب حديث بولس أمام مجلس الأمن والذي اتهم فيه البرهان علناً بعرقلة مساعي الهدنة ووقف الحرب”.
تحفظات “البرهان”
في سياق متصل أضاف مصدر مطلع ثانٍ تحدث لـ(ديسمبر) بعد إحاطته بالعنوان الرئيسي للصحيفة في هذا العدد الصادر اليوم، فإنها أكدت فعلياً وجود مقترح أمريكي ورد عليه من قبل قائد الجيش الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان، والذي أكده وأعلنه مندوبه في الأمم المتحدة خلال جلسة مجلس الأمن المخصصة لمناقشة الأوضاع في السودان. ومضت تلك المصادر لتأكيد هذا الأمر بوجود لقاء جمع بولس بمساعد قائد الجيش الفريق أول شمس الدين الكباشي، وانعقاد اجتماع مجلس الأمن والدفاع يوم الأحد الماضي -غاب عنه الكباشي بسبب ظروف وفاة شقيقته- أجاز ورقة رد متوافق عليها” لم يحدد هل هي ذات ورقة رد البرهان أم ورقة جديدة مختلفة.
وأضاف المصدر أن أبرز أسباب تحفظ برهان على المقترح الأمريكي نصه الواضح على تشكيل حكومة مدنية انتقالية” و”مؤسسة عسكرية موحدة تحت قيادة الحكومة المدنية”، وهو ما يعني استبعاد القيادات العسكرية للطرفين المتحاربين”، مبيناً أن الجزئية المرتبطة باستبعاد “الإسلاميين والمجموعات المتطرفة” لا تقلق قيادات الجيش بقدر ما تثير مخاوف وهواجس منسوبي الحزب المحلول المتحالفين مع الجيش، فيما يثير الحديث عن إبعاد المليشيات والتشكيلات العسكرية المجموعات المتحالفة معه خاصة “القوة المشتركة” التابعة للحركات الموقعة على اتفاق جوبا، وعلى رأسها حركتا مني أركو مناوي وجبريل إبراهيم.
تركيز على المدنيين
ونوه المصدر في ذات الوقت إلى أن صيغة المقترح الأمريكي ركزت بشكل كبير في كثير من نصوصها على “المدنيين” باعتبارهم المعنيين بابتدار وإدارة عملية الحوار السياسي والاتفاق على الترتيبات الانتقالية وصولاً لعقد انتخابات عامة، معتبراً أن تلك الإشارات مثلت “أكبر دعم وسند لرؤية المجموعات السياسية المدنية المنادية بعملية سياسية سودانية تفضي لحكم مدني ديمقراطي”.
منوهاً إلى أن إشارة الوثيقة لـ”تشكيل مؤسسة عسكرية موحدة” يعني أمرين؛ أولهما أن تلك المؤسسة العسكرية ليست أياً من المؤسسات القائمة الحالية، أما ثانيهما فالنتيجة المترتبة على إنشاء هذه المؤسسة العسكرية الموحدة بخضوعها للسلطة المدنية، وهو ما يعني قطع الطريق أمام الوجود السياسي خلال المرحلة الانتقالية للقادة العسكريين للجيش والدعم السريع وحلفائهما الذين سيكون عليهم الاختيار بين المسار السياسي أو العسكري وعدم السماح لهم بالجمع بينهما.
إقرار التفكيك
وأشار ذات المصدر إلى أن “تشكيل مؤسسة عسكرية موحدة” وعدم السماح بالجمع في ممارسة العملين السياسي والعسكري وأهمية الفصل بينهما، بالإضافة لنص الورقة الأمريكية على أهمية تأكيد خلو حوار العملية السياسية ومؤسسات الحكم من “المجموعات المتطرفة العنيفة المرتبطة بالإخوان المسلمين أو المليشيات والأفراد المتصلين بها وأيضاً المرتزقة الأجانب”، يمثل عند تطبيقه “إنهاءً لاحتكار مجموعات سياسية للسلاح وتفكيكاً للتمكين في مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية لتلك المجموعات وعلى رأسها حزب المؤتمر الوطني المحلول وحركته الإسلامية وواجهاتها والمجموعات المرتبطة بهما”.