منصة المجتمع المدني الديمقراطي تطرح رؤية لعملية سياسية شاملة لإنهاء الحرب واستعادة الحكم المدني في السودان

كمبالا: (ديسمبر)

 

قدمت منصة المجتمع المدني الديمقراطي رؤيتها لتصميم عملية سياسية شاملة لإنهاء الحرب في السودان، وذلك خلال مؤتمر صحفي عُقد في يوم الخميس 23 يوليو 2026 بقاعة محجوب محمد صالح بمركز طيبة برس في العاصمة الأوغندية كمبالا، حيث استعرض وزير الصناعة والتجارة الأسبق، مدني عباس مدني، ورقة الموقف التي أعدتها المنصة بعنوان “تصميم العملية السياسية للسلام: وقف وإنهاء الحرب، واستعادة النظام الدستوري والانتقال المدني”، والتي تطرح تصوراً متكاملاً لعملية سياسية تستهدف معالجة جذور الأزمة السودانية، وليس الاكتفاء بإيقاف العمليات العسكرية.

 

وأوضح مدني عباس أن الورقة جاءت استجابةً لتعقيدات الحرب الدائرة في السودان، وانطلاقاً من قناعة بأن الاتفاقات الجزئية والتسويات قصيرة الأجل لم تعد قادرة على إنهاء الصراع أو منع تجدد العنف. وقال إن المنصة ترى أن السلام الحقيقي يتطلب عملية سياسية مصممة بعناية، تبدأ بالاستجابة للأزمة الإنسانية، ثم تمتد لمعالجة الأسباب البنيوية التي أدت إلى اندلاع الحرب، بما يفضي إلى استعادة النظام الدستوري وتأسيس انتقال مدني ديمقراطي يستند إلى مبادئ ثورة ديسمبر ويؤسس لعقد اجتماعي جديد بين السودانيين.

 

وتناولت الورقة بالنقد مسار اتفاقات السلام السابقة في السودان، معتبرة أنها اتسمت بالطابع النخبوي، واعتمدت على تسويات لتقاسم السلطة بين الأطراف المتصارعة دون إشراك أصحاب المصلحة الحقيقيين، الأمر الذي أدى إلى إنتاج حلول هشة لم تعالج جذور الأزمة. كما أشارت إلى أن تلك التجارب كرست معادلة خاطئة مفادها أن اللجوء إلى السلاح يمكن أن يقود إلى شرعية سياسية أو مكاسب مؤسسية، وهو ما ساهم في استمرار دوامة الانقلابات والحروب وإعادة إنتاج الأزمات.

 

وبحسب الورقة، فإن الهدف الاستراتيجي للعملية السياسية المقترحة يتمثل في إطلاق عملية سلام واسعة، ذات مصداقية، تقوم على المشاركة والتشاور، وتبدأ بوقف الحرب والاستجابة للكوارث الإنسانية، قبل الانتقال إلى معالجة جذور الصراع التاريخية، وتفكيك بنية النظام السابق، واستعادة الشرعية الدستورية، وبناء مؤسسات حكم مدني ديمقراطي قادرة على قيادة البلاد نحو الاستقرار الدائم.‎

 

وركزت الورقة على مجموعة من المبادئ التي ترى المنصة أنها ينبغي أن تحكم العملية السياسية، وفي مقدمتها أن تكون العملية سودانية الملكية ومدنية القيادة، مع الاستفادة من الوساطة الإقليمية والدولية دون أن تحل محل الإرادة الوطنية. كما شددت على ضرورة تجاوز الصيغ التفاوضية التقليدية، وإشراك النساء والشباب والضحايا والمجتمعات المحلية ومنظمات المجتمع المدني في جميع مراحل العملية باعتبارهم أصحاب مصلحة أصيلين، إلى جانب ضمان تمثيل متوازن لمختلف أقاليم السودان. وتقترح الورقة تخصيص 40% من مقاعد العملية السياسية لممثلي المجتمع المدني، مع ضمان ألا تقل نسبة مشاركة النساء والشباب عن 50%.

 

وأكدت المنصة في رؤيتها أن تحقيق سلام مستدام لا يمكن أن يتم عبر مكافأة استخدام العنف، داعية إلى عدم منح أي شرعية سياسية أو مكاسب اقتصادية أو نفوذ مؤسسي للأطراف التي استخدمت القوة العسكرية. كما شددت على ضرورة إخضاع جميع أطراف الحرب لمبدأ المحاسبة، واستبعاد القوى التي شاركت في تقويض النظام الدستوري، بما في ذلك حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما، إضافة إلى استبعاد الأفراد المتورطين في جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو الإبادة الجماعية من أي عملية سياسية مستقبلية.

 

وفي ما يتعلق ببنية العملية السياسية، اقترحت الورقة أن تقوم على ثلاثة مسارات متوازية تشمل العملية الإنسانية، ووقف إطلاق النار، والمسار السياسي، مع الفصل بين الأدوار المدنية والعسكرية. وبموجب هذا التصور، تشارك الأطراف العسكرية في الترتيبات المتعلقة بوقف العدائيات، بينما تقود القوى المدنية العملية السياسية، وتشارك كذلك في الرقابة على تنفيذ الهدنة وإدارة الجوانب الإنسانية، بما يضمن عدم احتكار أطراف الحرب لمسار السلام.

 

كما وضعت المنصة معايير واضحة للمشاركة في العملية السياسية، من بينها الالتزام بالحكم المدني والديمقراطية، وامتلاك تمثيل حقيقي داخل المجتمع، ورفض أي دور سياسي أو اقتصادي للمؤسسة العسكرية، إلى جانب ضمان التمثيل العادل للأقاليم، والمشاركة الفاعلة للنساء والشباب، وعدم إشراك الأفراد أو الكيانات المتورطة في الجرائم الجسيمة، فضلاً عن الالتزام بمدونة سلوك تحكم العملية السياسية وتحدد قواعدها.

 

وفي محور تهيئة المناخ، دعت الورقة إلى تنفيذ حزمة من الإجراءات العاجلة، تبدأ بوقف فوري للأعمال العدائية وتجميد التحركات العسكرية، وفتح الممرات الإنسانية، وضمان حرية حركة المدنيين، وحماية غرف الطوارئ والمتطوعين والمنظمات المحلية، والإفراج عن المعتقلين، والكشف عن مصير المفقودين. كما طالبت بإخلاء المستشفيات والمدارس ومحطات المياه والكهرباء من المظاهر العسكرية، وضمان العودة الطوعية والآمنة للنازحين واللاجئين، واستئناف الخدمات الأساسية، وإنشاء آليات مستقلة لإدارة وتوزيع المساعدات الإنسانية بعيداً عن نفوذ أطراف الحرب.

 

وحددت الورقة عدداً من القضايا التي ترى المنصة أنها يجب أن تشكل جوهر أجندة العملية السياسية، وتشمل إعادة هيكلة نظام الحكم وتوزيع السلطة، والعلاقة بين الدين والدولة، وقضايا الهوية والمواطنة المتساوية، وتفكيك منظومة التمكين، وإعادة بناء المؤسستين الأمنية والعسكرية على أسس مهنية، وتحقيق العدالة الانتقالية، وإعادة الإعمار، والإدارة العادلة للموارد الطبيعية، وصياغة دستور دائم، وتحديد مهام وهياكل المرحلة الانتقالية ومدتها.

 

وترى المنصة أن هذه العملية ينبغي أن تنتهي بإعلان مبادئ يؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون، واتفاق سلام يعالج جذور النزاع، ودستور انتقالي يضع ضمانات تحول دون العودة إلى الاستبداد، إلى جانب تحديد مهام السلطة المدنية الانتقالية وآلية اختيارها، وتصميم هياكل الحكم خلال المرحلة الانتقالية بما يمهد لانتقال ديمقراطي مستدام. كما تدعو الورقة إلى تشكيل لجنة تحضيرية تضم ممثلين عن الأطراف المدنية الرئيسية، تتولى تصميم وإدارة العملية السياسية، وصياغة أجندتها، وتحديد معايير المشاركة، والتنسيق مع الوسطاء الإقليميين والدوليين، بما يضمن إطلاق عملية سياسية شاملة تقود السودان من الحرب إلى السلام، ومن الانقسام إلى الوحدة، ومن السلطوية إلى الديمقراطية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *