تفضيلات العدالة والمساءلة في السودان
لواء شرطة (م) د.عصام الدين عباس أحمد
مستشار تكنولوجيا المعلومات ونظم تحليل البيانات
مقدمة
تُظهر تجارب الصراعات الممتدة حول العالم أن سؤال العدالة يظل من أكثر الأسئلة تعقيداً وإلحاحاً في مسارات ما بعد الصراعات. فكيف يمكن للمجتمع أن يوازن بين حق الضحايا في معرفة الحقيقة والمساءلة وجبر الضرر، وبين حاجته إلى المصالحة واستعادة التعايش وبناء سلام مستدام؟. وفي السودان، حيث تلتقي جراح الماضي مع مآسي الحاضر وتتفاقم مسؤوليات الأنظمة الديكتاتورية المتعاقبة، يتجاوز سؤال العدالة حدود الممارسة القانونية ليصبح سؤالاً جوهرياً يتعلق ببناء الدولة، وإعادة تأسيس الثقة بين المواطن ومؤسساتها، وتحديد ملامح المستقبل السياسي والاجتماعي للبلاد.
في هذا السياق، تكتسب دراسة تصورات الرأي العام السوداني أهمية خاصة، إذ تقدم، استناداً إلى بيانات ميدانية، صورة واضحة عن اتجاهات السودانيين وتفضيلاتهم بشأن العدالة الانتقالية والمساءلة في الولايات السودانية الثماني عشرة، إلى جانب النازحين واللاجئين والمغتربين، بما يوفر قاعدة واسعة لقراءة المواقف المجتمعية تجاه العدالة والمحاسبة في سياق الحرب وما بعدها.
يقدم هذا المقال قراءة تحليلية لنتائج الدراسة فيما يتعلق بالعدالة الانتقالية والمساءلة، مع التركيز على تفضيلات السودانيين تجاه الآليات المختلفة للعدالة، والعلاقة بين تجربة المعاناة الشخصية والمطالبة بالمساءلة، فضلاً عن الدلالات التي تحملها هذه النتائج لمسار السلام والانتقال السياسي في السودان. ولا تقتصر أهمية هذه النتائج على قياس المواقف العامة فحسب، بل تمتد إلى ما يمكن أن تعنيه بالنسبة إلى تصميم عملية سلام أكثر استجابة لتطلعات السودانيين، وأكثر قدرة على بناء الثقة ومعالجة إرث الانتهاكات.
المطلب الشعبي للمساءلة: أغلبية ساحقة لا يمكن تجاهلها
كشفت النتائج عن اتجاه واضح في الموقف الشعبي من المساءلة. إذ يؤيد 90%من السودانيين المساءلة بصورة واضحة، بينما لا تتجاوز نسبة الرافضين لها تماماً 2%، في حين يؤيدها 8.1% بدرجة ما. تضع هذه النتيجة المساءلة في صدارة المطالب المجتمعية المرتبطة بالعدالة، وتؤكد أن المطالبة بها ليست موقفاً هامشياً أو محصوراً في فئات محددة، وإنما تمثل اتجاهاً شعبياً واسعاً في المجتمع.
تكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة في سياق مجتمع أنهكته الحرب والنزاعات الممتدة. إذ قد يُفترض، في مثل هذه السياقات، أن تدفع المعاناة والرغبة في إنهاء الحرب بأي ثمن نحو تفضيل العفو أو التسويات على حساب المساءلة. غير أن نتائج الدراسة تشير إلى اتجاه مختلف. فالمطالبة بالسلام لا تبدو مرادفاً للتنازل عن العدالة، بل إن قطاعاً واسعاً من السودانيين ينظر إلى المساءلة باعتبارها جزءاً من معالجة آثار الحرب وبناء السلام المستدام.
هذه النتيجة تحمل دلالة سياسية مباشرة. لا ينبغي أن تُعامل العدالة والمساءلة باعتبارهما ملفاً مؤجلاً إلى ما بعد تحقيق السلام، أو قضية يمكن تجاوزها لتسهيل التسوية السياسية. فحجم التأييد الشعبي للمساءلة يجعل إدماج العدالة في تصميم عملية السلام ضرورة سياسية ومجتمعية. كما أن أي تسوية تتجاهل هذا الاتجاه الشعبي قد تواجه تحدياً حقيقياً في اكتساب الشرعية والثقة والاستدامة.
ومن ثم، فإن الرسالة الأهم التي توجهها هذه النتيجة إلى الفاعلين السودانيين والدوليين هي أن السلام والعدالة لا ينبغي أن يُطرحا باعتبارهما خيارين متعارضين. التحدي الحقيقي ليس في الاختيار بين السلام والعدالة، وإنما في تصميم مسار سياسي قادر على الجمع بينهما، بحيث تساهم ترتيبات العدالة والمساءلة في بناء الثقة ومعالجة إرث الانتهاكات، بدلاً من أن تصبح عقبة أمام إنهاء الحرب.
العدالة المختلطة: تفضيل واضح للملكية الوطنية مع دعم دولي
عندما سُئل السودانيون عن النموذج الذي يفضلونه لتحقيق العدالة، جاءت النتائج متقاربة بين العدالة المختلطة والعدالة الوطنية، مع تفوق طفيف للعدالة المختلطة. فقد اختار 38.8% من المستجيبين نموذجاً للعدالة الهجين المدعومة دولياً، مقابل 38.5% فضلوا العدالة الوطنية، بينما اختار 22.7% العدالة الدولية.
لا ينبغي تفسير هذا التوزيع باعتباره رفضاً للدور الدولي، بل على العكس، فنسبة نموذج العدالة المختلطة يشير إلى قبول واضح بدور دولي مساند، شريطة أن يظل للجانب الوطني حضور أساسي في تصميم وتنفيذ آليات العدالة، مما يعكس رغبة في الجمع بين الشرعية والملكية الوطنية من جهة، والاستفادة من الخبرة والمعايير الدولية من جهة أخرى.
وفي المقابل، فإن حصول العدالة الدولية الصرفة على 22.7% فقط قد يشير إلى تحفظ نسبي تجاه إسناد عملية العدالة بصورة كاملة إلى آليات دولية. غير أن البيانات المعروضة هنا لا تكفي وحدها لتحديد أسباب هذا التفضيل، فقد يرتبط ذلك باعتبارات السيادة الوطنية، أو الثقة في المؤسسات الدولية، أو الرغبة في أن تكون العدالة أكثر قرباً من المجتمعات والضحايا، أو بمزيج من هذه العوامل. ومن ثم، فإن تفسير أسباب هذا التوزيع يحتاج إلى الاستناد إلى أسئلة الدراسة الأخرى أو إلى تحليل نوعي أكثر عمقاً.
وبناءً على ذلك، تقدم هذه النتائج لصانعي السياسات والسلام مؤشراً مهماً. فقد يكون النموذج الأكثر قبولاً هو نموذج تقوده مؤسسات وطنية، مع توفير ضمانات وخبرات ودعم دولي حيثما تكون الحاجة قائمة. من شأن مثل هذا النموذج أن يحافظ على الإحساس بالملكية الوطنية للعملية، وفي الوقت نفسه يعزز استقلاليتها ومهنيتها وقدرتها على التعامل مع القضايا المعقدة المرتبطة بالانتهاكات الجسيمة، بما يراعي خصوصية السياق السوداني وتطلعات الضحايا والمجتمعات المتضررة.
الآليات المفضلة للعدالة: العدالة الانتقالية في الصدارة
أظهرت النتائج تفضيلات متعددة تجاه كيفية تحقيق العدالة، مع تصدّر العدالة الانتقالية، بصورتها التي تجمع بين المحاكمات والتعويضات، بنسبة 33.7%. يشير ذلك إلى تفضيل واضح لمسار يتجاوز مبدأ العقوبة، ويتجه نحو معالجة أوسع لآثار الانتهاكات، بما يشمل مساءلة المسؤولين وجبر أضرار الضحايا، وربما إصلاح المؤسسات المرتبطة بإنتاج النزاع أو إدارته.
جاء الاتفاق السياسي الشامل، بنسبة 29.7%، في المرتبة الثانية، بفارق محدود عن العدالة الانتقالية. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة، إذ توحي بأن نسبة معتبرة من السودانيين لا تفصل بين تحقيق السلام ومعالجة قضايا العدالة، بل ترى أن التسوية السياسية يمكن أن تشكل إطاراً لمعالجة هذه القضايا ضمن عملية أوسع لإنهاء النزاع وإعادة بناء الدولة.
أما اختيار مزيج من الآليات بنسبة 16.9%، فيعكس بدوره قبولاً بفكرة أن طبيعة الانتهاكات وتعقيدات الصراع السوداني قد تتطلب أكثر من أداة واحدة لتحقيق العدالة. وهذا يتسق مع الطبيعة المركبة للعدالة الانتقالية، التي لا تختزل في المحاكمات وحدها، وإنما يمكن أن تشمل الحقيقة، والتعويضات، والإصلاح المؤسسي، وضمانات عدم التكرار، وغيرها من التدابير.
وفي المقابل، جاءت المصالحة المجتمعية ولجان الحقيقة بنسبة 10.6%، بينما حصل العفو أو التسويات المشروطة على 9.0% فقط، ليكون الخيار الأقل تفضيلاً بين الآليات المطروحة. تقدم هذه النتيجة مؤشراً مهماً إلى محدودية القبول الشعبي بالعفو أو التسويات التي قد يُنظر إليها باعتبارها بديلاً عن المساءلة.
ومن ثم، فإن الدلالة الأبرز لهذه النتائج ليست رفض السودانيين للسلام لصالح العدالة، وإنما رفض وضع السلام والعدالة في مواجهة صفرية. فالنتائج تشير إلى مساحة واسعة من التفضيل الشعبي للآليات التي يمكن أن تجمع، بدرجات مختلفة، بين إنهاء النزاع ومعالجة إرث الانتهاكات. وهذا يعني أن التحدي أمام عملية السلام لا يتمثل بالضرورة في الاختيار بين السلام والعدالة، بل في كيفية تصميم تسوية سياسية تستطيع أن تستوعب متطلبات الاثنين معاً.
وتبعاً لذلك، فإن أي ترتيبات مستقبلية للعفو أو التسويات ينبغي أن تُصمم بحذر شديد، وأن تميز بوضوح بين التسويات السياسية اللازمة لإنهاء النزاع وبين الإفلات من المساءلة عن الانتهاكات الجسيمة. فضعف التأييد للعفو أو التسويات المشروطة في هذه الدراسة يمثل مؤشراً ينبغي أن يحظى بالاعتبار عند تصميم أي اتفاق سياسي أو ترتيبات للعدالة في مرحلة ما بعد الحرب.
العدالة تتجاوز تجربة الضرر الشخصي
من النتائج اللافتة في الدراسة أن المطالبة بالمساءلة لا تبدو مرتبطة إحصائياً بحجم الأضرار التي تعرض لها الفرد. فقد أظهر تحليل الارتباط باستخدام معامل سبيرمان علاقة ضعيفة جداً بين المتغيرين، بلغت ρ = 0.024، ولم تكن ذات دلالة إحصائية عند مستوى p = 0.324.
تعني هذه النتيجة، في حدود التحليل الإحصائي المستخدم، أنه لا توجد أدلة كافية على وجود علاقة ذات دلالة إحصائية بين حجم الضرر الشخصي الذي تعرض له المستجيب وبين مستوى مطالبته بالمساءلة. وبعبارة أخرى، لا يبدو أن ارتفاع مستوى الضرر الشخصي، في هذه العينة، يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع مماثل في المطالبة بالمساءلة.
تكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة عند النظر إليها إلى جانب المستوى المرتفع عموماً للمطالبة بالمساءلة. فهي تفتح الباب أمام قراءة تتجاوز التفسير الذي يربط المطالبة بالعدالة بالضرر الشخصي المباشر وحده. فقد يكون للمطالبة بالمساءلة، إلى جانب التجربة الشخصية، ارتباط بتصورات أوسع تتعلق بالعدالة العامة، وسيادة القانون، ومسؤولية الدولة، وطبيعة العلاقة بين المواطن ومؤسسات السلطة.
محركات المطالبة بالعدالة: انعدام الخدمات الأساسية في الصدارة
على الرغم من أن التحليل العام لم يجد علاقة ذات دلالة إحصائية بين حجم الضرر الشخصي والمطالبة بالمساءلة، فإن تفكيك العلاقة بحسب أنواع الأضرار والتأثيرات المختلفة يكشف عن فروقات، وإن كانت محدودة، في اتجاهات المطالبة بالعدالة.
تشير النتائج إلى أن انعدام الخدمات الأساسية سجل أعلى قيمة بين العوامل التي تم تحليلها، وإن كان حجم الارتباط نفسه صغيراً جداً. فانقطاع الخدمات الأساسية لا يمثل، بالنسبة إلى المواطن، ضرراً مادياً منفرداً فحسب، بل قد يكون مؤشراً يومياً على ضعف قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية في الحماية وتوفير الخدمات وضمان الحد الأدنى من مقومات الحياة. ولذلك، قد يكون من المفيد النظر إلى العدالة في السودان ليس فقط من زاوية الانتهاكات الجسيمة التي وقعت أثناء الحرب، وإنما أيضاً من زاوية علاقة المواطن بالدولة وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها الأساسية تجاهه.
أما النزوح وتدمير الممتلكات وفقدان مصادر الدخل، فقد جاءت جميعها بقيم متقاربة (+0.02)، بينما سجل الأذى النفسي قيمة (+0.01). وفي المقابل، لم يظهر فقدان أحد أفراد الأسرة ارتباطاً يُذكر (0.00)، في حين سجل الأذى الجسدي قيمة سالبة طفيفة (-0.01).
ومع صغر هذه الفروقات، ينبغي الحذر من تحميلها تفسيراً سببياً مباشراً. فالقيمة السالبة الطفيفة المرتبطة بالأذى الجسدي، على سبيل المثال، لا تكفي وحدها للقول إن الصدمة أو الخوف من الانتقام أو التركيز على النجاة هي التي تقلل المطالبة بالعدالة. كما لا يمكن استنتاج حاجة محددة إلى الدعم النفسي من هذا المؤشر وحده.
لكن النتيجة تظل مهمة من زاوية أخرى: تصميم سياسات العدالة لا ينبغي أن ينفصل عن معالجة الظروف المعيشية والخدمات الأساسية التي خلفتها الحرب. فاستعادة الخدمات، وإعادة بناء المؤسسات، وجبر الأضرار، والمساءلة، يمكن أن تشكل في مجموعها مكونات مترابطة لاستعادة علاقة المواطن بالدولة. ومن هذا المنظور، تصبح إعادة الخدمات الأساسية جزءاً من عملية أوسع لجبر الضرر وإعادة بناء الثقة، وليس مجرد استجابة إنسانية منفصلة عن مسار العدالة.
الخلاصة
تقدم دراسة “نداء سلام السودان” مؤشرات مهمة حول تصورات السودانيين تجاه العدالة الانتقالية والمساءلة، وتكشف عن اتجاه عام واضح: العدالة ليست قضية هامشية في الوعي السوداني، ولا ملفاً يمكن تأجيله إلى ما بعد التسوية السياسية، وإنما تمثل أحد المكونات الأساسية لتصور السودانيين للسلام ومستقبل الدولة.
عند جمع هذه النتائج، تبدو الرسالة الأساسية للدراسة أكثر وضوحاً: السودانيون لا يبدون رفضاً للسلام، ولا يطالبون بالعدالة باعتبارها بديلاً عن السلام، وإنما تشير مواقفهم إلى رغبة في سلام لا يأتي على حساب العدالة، وعدالة لا تعيق الوصول إلى السلام.
ومن هنا، فإن التحدي أمام العملية السياسية ليس اختيار أحد المسارين على حساب الآخر، وإنما هندسة مسار يجمع بينهما. وهذا يتطلب أن تكون العدالة جزءاً من تصميم عملية السلام، وأن تتضمن التسوية ترتيبات ذات مصداقية للمساءلة والحقيقة وجبر الضرر وإصلاح المؤسسات، مع مراعاة التفضيلات المتنوعة للسودانيين ودور الضحايا والمجتمعات المتضررة.
وفي هذا المعنى، يمكن النظر إلى العدالة باعتبارها أحد الجسور الأساسية للعبور من الحرب إلى السلام، ومن الانقسام إلى إعادة بناء الدولة؛ سلام لا يقوم على النسيان أو الإفلات من المسؤولية، وإنما على المساءلة وجبر الضرر والكرامة الإنسانية، ويتيح للسودانيين الانتقال من مجرد إنهاء الحرب إلى بناء شروط سلام أكثر استدامة وإنصافاً.