من لجان المقاومة إلى الشبكات الشبابية..
كمبالا: (ديسمبر)
في ورقة قدمها خلال جلسة حوارية حول «الشبكات الشبابية السودانية: ديناميات التنظيم، الاتصال، وصناعة التغيير»، رصد شرف الدين محمد التحولات التي شهدها العمل الشبابي في السودان عبر مراحل تاريخية مختلفة، وصولاً إلى ظهور الشبكات الشبابية بصورتها الأكثر تنظيماً في ظل الحرب.
وأكد محمد أن قراءة واقع الشباب السوداني اليوم لا يمكن أن تتم بمعزل عن تاريخ الحركة الشبابية، موضحاً أن العمل الشبابي مر بمراحل متعددة تغيرت خلالها أشكال التنظيم وأدواته تبعاً للتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد.
وتعود جذور التنظيم والعمل الشبابي، وفق الورقة، إلى بدايات القرن العشرين، عندما بدأت تظهر تجمعات وتنظيمات شارك فيها الشباب والمتعلمون في تشكيل الوعي الوطني. ومن أبرز تلك التجارب «جمعية الاتحاد السوداني» التي تأسست عام 1920 على يد مجموعة من الخريجين وصغار الموظفين، وسعت إلى نشر الوعي الوطني ومناهضة الاستعمار عبر النشاط الفكري والأدبي.
وفي عام 1924 ظهرت «جمعية اللواء الأبيض»، التي مثلت مرحلة متقدمة من التنظيم والعمل السياسي الوطني. كما لعبت الروابط والجمعيات الثقافية والأدبية دوراً في توفير مساحات لمناقشة قضايا الهوية السودانية والتحرر السياسي والاجتماعي، خصوصاً في ظل محدودية المساحات المتاحة للعمل السياسي المباشر.
الحركة الطلابية في مواجهة الأنظمة
بعد الاستقلال، أصبح حضور الشباب أكثر وضوحاً في الحراك السياسي والاجتماعي. وتبرز ثورة أكتوبر 1964 باعتبارها إحدى المحطات المهمة التي ظهر فيها الدور الشبابي، حيث لعبت الحركة الطلابية، وخاصة طلاب جامعة الخرطوم، دوراً محورياً في انطلاق الاحتجاجات التي انتهت بسقوط نظام الفريق إبراهيم عبود.
وتكرر الحضور الشبابي خلال انتفاضة أبريل 1985، من خلال النشاط الطلابي والنقابي والمشاركة في الحراك الشعبي الذي أدى إلى سقوط نظام جعفر نميري. ولم يكن النشاط الشبابي في تلك المرحلة سياسياً فقط، إذ شهدت البلاد أيضاً أنشطة كشفية ومجتمعية وبيوتاً للشباب ومبادرات ساهمت في تقديم الخدمات وتعزيز التماسك الاجتماعي.
أما خلال الفترة من 1989 إلى 2018، فقد واجه المجال العام تضييقاً سياسياً، إلا أن الحركة الشبابية والطلابية واصلت البحث عن مساحات للعمل والتعبير. وكانت الجامعات، بما فيها «أركان النقاش»، من أبرز المساحات المتاحة للنقاش السياسي وتشكيل الوعي.
ومع تطور وسائل الاتصال والإنترنت، ظهرت أشكال جديدة من التنظيم الشبابي المستقل، من بينها حركات «قرفنا» و«التغيير الآن»، التي استخدمت وسائل التواصل الاجتماعي في التنظيم ونشر الوعي وكسر القيود المفروضة على المجال العام. كما برز هذا الحراك بصورة أوضح خلال احتجاجات سبتمبر 2013.
وفي الجانب المجتمعي، شهد السودان نمواً في العمل الشبابي الطوعي، ومن الأمثلة التي أوردتها الورقة تجربة «شارع الحوادث»، التي قدمت نموذجاً لدور الشباب في خدمة المجتمع بعيداً عن مؤسسات الدولة والعمل السياسي المباشر.
أشكال متعددة للتنظيم الشبابي
وتوضح الورقة أن التنظيم الشبابي في السودان اتخذ عدة أشكال؛ من بينها تنظيمات مرتبطة بالدولة، خاصة خلال الأنظمة الشمولية، وتنظيمات مرتبطة بالأحزاب السياسية، إلى جانب الروابط والمنظمات الشبابية الإقليمية والجهوية والمحلية.
وفي مقابل هذه الأشكال، ظهرت منظمات ومبادرات شبابية مدنية مستقلة سعت إلى العمل بعيداً عن القيود الرسمية والحزبية والجهوية، وركزت على التنمية وحقوق الإنسان وبناء القدرات والعمل المجتمعي.
ديسمبر 2018.. صعود لجان المقاومة
مثلت ثورة ديسمبر 2018، بحسب محمد، تحولاً كبيراً في تاريخ الحركة الشبابية السودانية. فقد برز الشباب كقوة أساسية في الحراك الميداني، وظهرت لجان المقاومة في الأحياء باعتبارها شكلاً جديداً وفعالاً من أشكال التنظيم القاعدي.
ولم يقتصر دور هذه اللجان على تنظيم الاحتجاجات، وإنما شمل العمل المجتمعي والتنسيق بين المواطنين على مستوى الأحياء. كما شهدت الثورة مشاركة واسعة للشابات، وأصبحت قضايا المشاركة والمساواة وحقوق النساء أكثر حضوراً في النقاش السياسي والاجتماعي.
وبعد سقوط النظام، اتسعت اهتمامات المجموعات الشبابية لتشمل بناء الدولة والعدالة الانتقالية والسلام والدستور وشكل الحكم. غير أن شعور قطاعات واسعة من الشباب بأن حجم تمثيلهم في مؤسسات صنع القرار لم يكن متناسباً مع الدور الذي لعبوه في الثورة دفع إلى البحث عن أشكال تنظيمية أكثر قدرة على إيصال أصواتهم والتأثير في عملية صنع القرار.
ثم جاء انقلاب 25 أكتوبر 2021، وتلاه اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، ليغيرا بصورة كبيرة البيئة السياسية والاجتماعية وطبيعة العمل الشبابي نفسه.
الحرب تدفع نحو الشبكات
أمام واقع الحرب، برزت مرونة الحركة الشبابية وقدرتها على التكيف. وتحولت قطاعات من لجان المقاومة والمبادرات الشبابية إلى غرف طوارئ، تولت توفير الغذاء والدواء والمساعدة في تشغيل الخدمات ومراكز الإيواء وتقديم الدعم الإنساني للمواطنين.
وفي الوقت نفسه، اتجه شباب آخرون إلى تأسيس شبكات متخصصة في توثيق انتهاكات حقوق الإنسان وإنتاج التقارير ورصد آثار الحرب على المجتمع، إلى جانب شبكات تعمل في المناصرة السياسية وبناء السلام وتضخيم أصوات الشباب.
ويفسر محمد الانتقال من لجان المقاومة والمبادرات إلى الشبكات باعتباره تطوراً طبيعياً في تجربة التنظيم الشبابي. فقد أدرك الشباب، من خلال تجارب الثورة والعمل الجماعي، أهمية التنظيم في تحقيق الأهداف بصورة أكثر فاعلية، كما فرضت الحرب احتياجات جديدة أدت إلى ظهور غرف طوارئ وشبكات للرصد والتوثيق وأخرى للمناصرة وبناء السلام وتمثيل الشباب.
والفارق الأبرز، وفق الورقة، أن بعض هذه الشبكات انتقلت من المبادرة الأفقية والمؤقتة إلى مستوى أعلى من التنظيم المؤسسي، عبر هياكل وسياسات ولوائح ونظم للحوكمة والمساءلة، وفي بعض الحالات تسجيل رسمي ومكاتب وبرامج واضحة. ويمنح هذا التحول العمل قدرة أكبر على الاستمرار والتقييم والمحاسبة، بدلاً من ارتباطه بلحظة سياسية أو بمجموعة محدودة من الأفراد.
الشبكة الشبابية للمراقبة المدنية: نموذجاً
وقدم محمد تجربة الشبكة الشبابية للمراقبة المدنية كنموذج لهذا التحول. ووفق الورقة، نشأت الشبكة في الأصل من مشروع لمركز كارتر، شارك فيه شباب، غالبيتهم من لجان المقاومة ومن ولايات مختلفة، قبل أن يسهم الشباب أنفسهم في تطوير المشروع ووضع تصوراته وهياكله حتى اكتمل تكوين الشبكة.
وكان الهدف في البداية مراقبة الفترة الانتقالية والمساهمة في سد الفجوة بين الشباب وصناع القرار، من خلال توفير المعلومات وخلق قنوات للتواصل، ومراقبة المؤسسات ومدى التزامها بأهداف الثورة وعمليات السلام.
لكن بعد انقلاب أكتوبر، انتهى السياق الذي تأسست الشبكة لمراقبته، لتواجه سؤال الاستمرار. ومع اندلاع الحرب، أعادت الشبكة توجيه أدواتها نحو مراقبة أوضاع السودانيين وتوثيق الانتهاكات وآثار الحرب، لتشمل قضايا حقوق الإنسان والنزوح والتعليم والصحة والخدمات، إلى جانب الآثار الاقتصادية والاجتماعية للحرب.
وأشار محمد إلى أن من أبرز ما حققته التجربة بناء قدر من المصداقية والوصول، حيث أصبحت معلومات الشبكة وتقاريرها مستخدمة من جهات مختلفة لفهم أوضاع الخدمات وحقوق الإنسان والنزوح والتعليم والصحة وغيرها، كما تمكنت من الوصول إلى منصات إقليمية ودولية والمشاركة في نقاشات وإحاطات متعلقة بالسودان.
ثلاثة دروس من التجربة
ويحدد محمد ثلاثة دروس رئيسية من تجربة الشبكة: المرونة، والتنظيم، والوصول والمصداقية.
فالمرونة مكّنت العمل من الاستمرار رغم انتهاء الفترة الانتقالية واندلاع الحرب، عبر تغيير الأدوات مع الحفاظ على الهدف الأساسي المتمثل في إيصال أصوات السودانيين والشباب ودعم السلام والديمقراطية. أما التنظيم، فيمنح المبادرات القدرة على الاستمرار وتحقيق الأثر، خاصة عندما تمتلك هياكل ولوائح وسياسات للحوكمة وقنوات اتصال واضحة.
أما الوصول إلى المنصات الإقليمية والدولية، فيرى محمد أن أهميته لا تكمن في مجرد الحضور، وإنما في استخدام هذه المساحات لإيصال أصوات السودانيين، وخاصة الشباب، إلى الأماكن التي تناقش فيها السياسات والقرارات المتعلقة بالسودان. ويشدد في الوقت نفسه على أن هذا الوصول يجب أن يستند إلى ثقة المجتمع ومعلومات حقيقية وموثوقة.
وفي ختام ورقته، يرى محمد أن مسار الحركة الشبابية السودانية يكشف عن قدرة مستمرة على إعادة تشكيل أدوات التنظيم، من الجمعيات الأدبية والوطنية، إلى الحركة الطلابية، ثم المبادرات والحركات الشبابية، ولجان المقاومة، وغرف الطوارئ، وصولاً إلى الشبكات المدنية الأكثر تنظيماً.
وبينما تغيرت الأشكال، بقي الهدف الأساسي حاضراً: إيجاد مساحة لصوت الشباب وتنظيم أنفسهم، والمساهمة في تغيير واقع مجتمعهم. ويظل التحدي الأكبر، في ظل الحرب، هو الحفاظ على هذه التجارب وتطويرها من مبادرات مؤقتة إلى مؤسسات وشبكات مستدامة، بما يضمن ألا يكون الشباب مجرد قوة تظهر في لحظات الثورة والحرب والأزمات، وإنما شركاء حقيقيين في صناعة السلام وصنع القرار وإعادة بناء السودان.